صوبة عتيقة للبيع

علي السوداني

شتاء عمّان اليوم لا يشبه شتاءها الذي نزلته قبل ست عشرة سنة . كان يومها ماطراَ بارداَ مثلجاَ يلطم سقف الغرفة الصغيرة التي قاسمني فيها محمد تركي النصار . غرفة معلقة فوق جيب فقير اسمه وادي الحدادة الذي في أوله القصور الملكية العالية وفي وسطه بيت محمد طمليه وعلى أعتاب منتهاه من جهة البلد وشارع السلط ، ثمة سدة تم ثقبها فولد نفق صار معه الوادي الأجدب أقرب الى ماعون البلد وحقائب كراج العبدلي الذي مازال سائقو السيارات فيه يصيحون بك وانت تمرق من قدامهم دائخاَ  ” شام شام ، نفر واحد شام ، طالع استاز ؟ الليلة بدت مباغتة والمتنبىء الجوي بشّر القوم بمنخفض قوي يجثم فوق قبرص وما هي غير سويعات معدودات حتى احتفلت سماء الرب برعد وبرق ومطر ورائحة ثلج مبين . اذن هو موعد منتظر مع منظر صوبة النفط وقوري الشاي وطقطقة الأستكانات . أشهر الصوبات التي أحن اليها الليلة هي صوبة علاء الدين وزجاجتها الرقيقة الشفافة التي نرى من خاصرة تدويرتها ، ألسنة النار فاكهة الشتاء الطيبة . ثمة صنف من الفتائل اسمه فوجيكا وكلما أكلت النار من عمر الفتيلة المطمورة ذيولها بالنفط ، جيء بآلة رصاصية مدورة بحجم كف تجز رأس الفتيلة اليابس المتفحم وبهاي الجزة التي لا تشبه جزة الثيّل الأخضر ، تكون نار المدفأة قد عادت الى زرقتها الأولى . فقراء الله كانوا يستنزفون كل فوائد هذا الطقس البديع . تخدير الشاي وتسخين الماء واحماء خبز التنور البائت ، اما اذا شعر الأب بجوع ما قبل النوم ، قامت الزوجة المبروكة من قعدتعا المغناج وزرعت قدر الباميا البائتة فوق قبق الصوبة وعلى تصبيرة عشر دقائق سينولد ماعون تشريب باميا قح ، من هوامشه رأس بصل عظيم وبحلقات أطفال مشاكسين ممتنعين عن النوم حتى قيام الأب الدرويش بآخر مفاجأة مدهشة . نعمتان طيبتان ، واحدة أسمها بلّوط ، وأختها التي اسمه كستناء ومن الناس من يسميها كستانة . أما البلوط فهو زرعة رخيصة قد لا تخلو من مرارة ، وأما الكستناء فحلوة لذيذة غنية جميلة لا تعطى للأطفال حتى يبصموا بالعشرة فوق فرمان براءتهم من السهرة الرومانسية . ثمة علّاقة مقبضها على صورة حلزون يتدندل على خاصرة الصوبة وهذه قد تستخدم لتنشيف جواريب الأب أو حضائن الرضيع . الأمهات والجدات كنّ يشتلن فوق الصوبة طاسة بخور هندي وحيث يضوع جو الغرفة بعطر ودخان البخور ، ويصير مدى الرؤية أقل من بصّة أدبسز ،   فأنهن يرفعن دشداشاتهن صوب ما فوق الركبة بشبر ويغطين جل بدن الصوبة فيحدث التعطير ويدب الدفء وتنفتح الشهية وتجف منابع الفتنة . أجلس الليلة صحبة العائلة قدام صوبتي النفطية . صوبة تشبه من باب المعنى والجوهر ، صوبات أيام زمان ، مع تبدلات شكلية . عندي كمشة كستناء أطشها على قبق الصوبة فتحصل انفلاقات وطقطقات تسبب الدهشة والحيوية لنؤاس وعلي الثاني فيمنحاني رشقة بوسات . أدور على التلفزيونات والشاشات ، فأقع على واحدة مفتوحة على وجه المونولوجست المشهور عزيز علي وأغنية طريفة مفيدة عن الشيطان الذي رآه عزيز علي الآن كما جنتلمان . ألشاشة تواصل طش أغنيات معتقة ومنها واحدة تنوح وتبكي وتموّل على سلّم حنجرة رياض أحمد الفذة . كان رياض ليلتها قد ارتقى دكة مسرح بابلي . بحّته والموال والبستة تقطّعان أوتار القلب ، وحمداَ للآلهة أن عشتار ونبوخذ نصّر وحمورابي وجلجامش والفتى أنكيدو  لم يكونوا على مصطبة القعود وبهاي المصادفة الحسنة ، جنّب الله البلاد ورعيتها فتنة جدل مميت حول مسألة حظر الموسيقى والغناء والرقص الحلال عن دكات بابل العظمى .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter