صناعة الجمال في المنفى

في بحثي المستمر ومحاولة اقتفائي لمبدعي مدينة تمر بأزمة كبيرة على كل الصعد والمجالات وجدته باحثا عن الجمال يحاول أن يوصل رسالة بنغمة او لون يوضع على قماشة يدفعه حبه للفن لاكتشاف التقنيات وحتى في مضمار جديد كالفن الرقمي الذي وجد به ضالته بفقدانه لمواد وملتزمات الرسم في منفاه ومغتربه الجديد في تركيا.

محمد العبار شاب مواظب على العمل الفني ولد في مدينة الموصل عام 1988 اكمل دراسته في معهد الفنون الجميلة ليتخرج منه عام 2009 واكمل دراسته في كلية فنون جميلة جامعة الموصل قسم التربية الفنية.

يعمل جاهدا بأن يكون الفن جزءا أصيلا من حياته، يعمل باستمرارية بان لا ينقطع عن تمسكه بالفرشاة او آلة العود واوتارها.

حاورته عبر السكايب ليدور بيينا حديث شيق تنوع من البدايات الى مستوى الحراك الثقافي قبل أحداث الموصل الأخير وما بعدها وما يعمله الآن وما ينجزه رغم صعوبة الحياة في المنفى. أحذتنا الاحاديث الى حيث البدايات التي لم تكن طفولة كأي طفولة فكانت لأوراق ولوحات والوان والده الاثر في استلهام وحب الفن وبداية الشغف بكل ما يتعلق بالرسم كالفرشاة واللون فد كان يشاهد ولده وهو يرسم ويمد الخطوط بالفرشاة على اللوحة وكانت عينه تلاحق تلك الخطوط كما لو انها طرق من الجنة.

وهنا كانت اللغة البصرية الاولى التي نسجت اولى البصمات في مخيلته مما أعطاه خيالا جديدا يحلق في طفولته فشكل الرسم مهارة أخرى تسهم بشكل كبير في تنمية قدراته وانعكس هذا جليا في في بداية دخوله المدرسة وعلاقته بدرس الرسم شكل امرا مهما وعلى درجة عالية من الضرورة فقد استطاع ومن منذ البداية أن يوجد العلاقة بين الرسم الخيالي وانسجامه مع الواقع بعد إضافة الكثير من التعديلات فكانت اولى لوحاته في المرحلة الابتدائية بمثابة الدافع له.

ويعد شعور الاطراء الذي انطلق نحوه من قبل مدرسيه وزملائه كان دافعا لتشكل تبلورات البذرة الاولى لحبه وشغفه بالفن مما دفعه لدخول معهد الفنون الجميلة في الموصل ليضع خطواته الاكاديمية الاولى في هذا المجال والتعامل مع جل أساتذة معهد الفنون الجميلة في الموصل آن ذاك ويحتك بكثير منهم ويأخذ منهم ويجد لديهم ضالته.

غير أن سيرته الفنية الفتية قامت بتحول كبير بدخوله معهد الفنون الجميلة وذلك بتعامله مع الموسيقى وإجادته العزف على آلة (العود) مما شكل تواصلا تاما وعلاقة عظيمة بين الفن التشكيلي والموسيقى في آن واحد شكل العبار هذه الكتلة الفنية الغنية والنشيطة شكل علامة فارقة بين زملائه ليكون محورا فنيا جادا يعمل في المجال التشكيلي وتممه في عشقه للموسيقى في هذه الاثناء عمل على اقامة معرضه الاول على قاعة فسيفساء في الموصل.

وكانت هذه الخطوة الجادة من أجل المضي قدما في وضع خطواته الاولى في مسيرة البناء البصري والذي شمل الكثير من اللوحات التي لاقت اهتماما من زوار المعرض حينها حيث قدم الكثير من اللواحات التي كانت نموذجا فذا للتعامل مع الكتلة والتعامل مع الموروث الشعبي لمدينة الموصل وكان تأثير الفنانين الموصليين امثال نجيب يونس وحازم جياد واضحا. أسماء كان لها دور في بناء الذاكرة التشكيلية الموصلية حاول العبار الاكتشاف الدائم والبحث عن ما هو مبتكر وجديد فوجد حقلا في “الفن الرقمي” الذي شكل هاجسا جديدا ومجالا خصبا ووممتعا للتعامل مع اللون والكتلة بشكل رقمي حاسوبي جديد رغم صعوبة التعامل مع هذه المواضيع، لكنه حاول ايجاد منحى جديد يفرغ به طاقته الفنية بعد خروجه من مدينة الموصل. وترك كل أدواته الفنيه هناك بعد احداث 2014 واتجاهه الى منفاه في تركيا فلم تعد المدينة مكانا قد يحتضن الفن فلم يعد هناك صالات للعرض، ولا حتى كلية للفنون. كل شيء تغير.

يحاول رغم كل شيء ان يستمر في صناعة الجمال والتغلب على الظروف الصعبة المحيطة به هذا ما زاد العبء عليه، لكنه يعمل جاهدا ان يكمل ما بناه في مدينته الموصل.

يقول العبار في محض حديثنا عن الفن وتجربته: “إن الموصل هي جذوري وأصلي ومن المؤكد أنها كانت مهملة من كل الاطراف التي قادت – وخصوصاً الاحداث الاخيرة – إالى اضطراري لمغادرتها، فنحن فئة ليس بالامكان ان تتماشى مع الافكار الموجودة حاليا هناك.

قد يكون القرار صعبا لكن الرسالة الانسانية والفنية هي أقوى من كل شيء، حاملا أوراقي وأقلامي وعودي. خرجت منها الى تركيا لابدأ مشوارا جديدا لا يخلو من المعاناة ومحاولة لديمومة العمل الفني في الغربة وخوض تجارب على مستوى الرسم والعزف.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter