صدام وفرنسا : علاقة ملتبسة – القسم السادسصدام يبرم خطوبة عراقية فرنسية في ظل ( العقد العراقي السوفيتي)

لماذا اندهش الرئيس الفرنسي بصدام ولم تؤمم بغداد حصة فرنسا النفطية؟

 

 

  

 

أشيع عن شيراك رغبته الجامحة في تطوير الصناعة الفرنسية بفضل العقود التجارية الكبيرة التي وصفت بـ “صفقات العصر” التي يبرمها شخصياً مع زعماء ورؤساء وملوك وقادة العالم الثالث والدول النامية وعلى رأسهم يأتي صدام حسين الذي كان معجباً به أشد الإعجاب. 
عندما تولى شيراك رئاسة الحكومة الفرنسية لم يكن يعرف الكثير من أسرار الحكم وخفاياه ومناورات السياسيين خلف الكواليس، ولم يكن يمتلك تجربة عملية في ممارسة السلطة، فاستولى على تراث وتجربة ميشيل جوبير في تعامله مع الخارج في مجال بيع الطائرات والدبابات والمعامل والطرق السريعة لدول العالم الثالث والدول النامية، ثم استغل شبكة العلاقات التي نسجها مع العالم العربي وقام بتعيين الدبلوماسي المخضرم والخبير بالعالم العربي سيرج بوادفيكس ذي الخبرة العملية في ميدانه، كمدير لمكتبه وقريب منه. وكان هذا الأخير من أشد المعجبين بصدام حسين، وقد عين فيما بعد كسكرتير عام لوزارة الخارجية ونجح في ضمان استمرار سياسة فرنسا العربية التي تمزج بين الدبلوماسية والتجارة، وبين المصالح الاقتصادية والمخططات الاستراتيجية والعسكرية، وكان رئيس الوزراء الفرنسي يستمع إليه وينفذ نصائحه وتوصياته إلى جانب الاستئناس بآراء مستشاريه بيير جويية وماري فرانس غارو اللذين نصحا شيراك بإبعاد جيسكار عن العقود والصفقات الكبرى التي توفر العمل والمال والنمو الاقتصادي وتوفر شعبية للسياسي الذي يقودها وينجزها كما أنها توفر المال اللازم ـ بفضل العمولات أو الكومسيونات ـ لصالح حزبه السياسي التجمع من أجل الجمهورية RPR ، وكانت ورقته الرابحة هي العراق والعقود التجارية الهائلة التي هبطت فوق رأسه كالمطر على حد تعبير أحد الدبلوماسيين المقربين من شيراك. 

كانت فترة الخطوبة الفرنسية ـ العراقية، قد بدأت في 16 حزيران 1972 وكانت تفوح منها رائحة البترول بدل العطر الفرنسي ، منذ أن صرح صدام حسين في الإليزيه أمام الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو، في أول زيارة غير رسمية له لفرنسا، قائلاً :” لقد اخترنا فرنسا”، فهمس بومبيدو في إذن إدوارد بالادور معلقاً على شخص صدام حسين قائلاً :” يا له من شخصية مدهشة”. وكان صدام قد جاء إلى فرنسا يبحث عن شريك غربي لمواجهة السوفيت الذين وقع معهم قبل شهرين من ذلك التاريخ معاهدة صداقة وتعاون، إلا أنه لا يرغب أن يتحول إلى رهينة بيد السوفيت والقوى التي يحمونها في العراق أي الحزب الشيوعي العراقي والأكراد، حيث كان صدام يفكر منذ ذلك الوقت بالتخلص منهما وإخضاعهما لهيمنته وسلطته المطلقة لكنه كان يخشى غضب السوفيت منه، فراح يشيد وبمبالغة بسياسة الجنرال ديغول المستقلة عن الهيمنة الأميركية والتي أخرجت فرنسا من القيادة المركزية للحلف الأطلسي الناتووفرضه حظراً على بيع الأسلحة لإسرائيل. 

من هنا يمكننا القول أن صدام حسين كان بأشد الحاجة إلى حليف غربي وبأسرع وقت ممكن خاصة بعد أن أمم العراق ثروته النفطية الوطنية واستعادة ملكية شركة النفط الوطنية العراقية وكان يخشى من عقوبات وردود فعل انتقامية من جانب الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. تجدر الإشارة إلى أن شركة نفط العراق تأسست سنة 1929 على يد المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وتقاسمهم ممتلكات شركة النفط التركية وكانت شركة نفط العراق قوية وذات نفوذ كبير إلى درجة أن أحدهم وصفها بأنها “دولة داخل الدولة” وكان يتشارك فيها عدة شركات نفطية دولية هي شركة النفط البريطانية بريتش بيتروليوم وشركة النفط الملكية الهولندية شيل وشركة NED وشركة ستاندارد أويل وشركة النفط الفرنسية وهي السلف الأم لشركة توتال الحالية وكل واحدة تملك 23،75% من رأس مال شركة نفط العراق وهناك خمسة بالمئة 5% للجيولوجي الأرمني مؤسس شركة النفط التركية كالوست غولبنكيان المعروف باسم السيد خمسة بالمئة. 

وكل شركة مشاركة تسحب أو تستخرج كمية من الأطنان من النفط الخام تتناسب وحصتها في رأس المال. نشبت مشاكل عويصة بين حكومة العراق وشركة النفط العراقية بالإسم والتي يمتلكها الأجانب الذين يتحكمون بكمية الانتاج وقد اتهم العراق هذه الشركة بالتعمد في تحديد مستوى الانتاج على نحو منخفض لإبقاء العراق في حالة فقر وعوز وتأخر. وكان الكارتلالنفطي المالك للشركة يماطل ويتأخر في مد خط أنابيب ثاني لنقل النفط وطالب بتعويضات هائلة وتعجيزية مقابل موافقته على قانون النفط الذي شرعه العراق سنة 1961 في زمن الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، والذي حاول استرجاع ولو جزء صغير من حقوق العراق في ثروته الوطنية في الآبار التي لم تستغل بعد أو لم تستكشف بعد من قبل أعضاء هذا الكارتل النفطي الاستغلالي.

لقد أبدى الجانب الأنجلوساكسوني، أي أميركا وبريطانيا، تصلباً إزاء أية تسوية بين الشركة والحكومة العراقية ورفضوا منح الدولة العراقية أية مشاركة أو نسبة داخل شركة النفط العراقية، بينما كان الموقف الفرنسي ليناً وأكثر تفهماً مما جعل فرنسا أقرب للعراق منها لحلفائها الغربيين، على الأقل ظاهرياً ، في معركة لي الذراع بين الطرفين المتنازعين على الحقوق، ويمكننا تفسير الموقف الفرنسي على ضوء خارطة المصالح النفطية التي كانت سائدة آنذاك. فالانجليز يستغلون لحسابهم آبار النفط الإيرانية بواسطة شركة النفط الآنجلو ـ إيرانية، والأميركيون متمركزون بقوة في العربية السعودية بفضل شركة آرامكو ، ومن مصلحة الأنجلو ساكسونيين إبقاء الأوضاع في العراق على ما هي عليه دون تغيير، في حين لم يكن أمام شركة النفط الفرنسية سوى حصتها المتواضعة في شركة النفط العراقية، مقارنة بما يمتلكه الشركاء الآخرون، وبالتالي من مصلحتهم زيادة الإنتاج من النفط العراقي.

كان هناك ممثل دائم في بغداد لشركة النفط الفرنسية هو رولاند باريه وكان بمثابة سفير ثان لفرنسا في العراق ويعرف الجميع داخل وخارج الحكومة العراقية ولديه علاقات شخصية مباشرة مع القيادات العراقية المتعاقبة على السلطة. وكان الوحيد الذي أطلعته السلطة العراقية على نيتها بتأميم شركة نفط العراق قبل يوم من إعلان النبأ المتعلق بقرار التأميم وقيل له بالحرف الواحد: “إن قرارنا هذا ليس موجها ضدكم وليس ضد مصالح فرنسا وحصتها ويمكنكم الاحتفاظ بمكتبكم وبامتيازاتكم” ، بينما طلب من الآخرين المغادرة وإخلاء مكاتبهم ومصادرة محتوياتها حتى أن الحكومة العراقية ممثلة بوزير النفط لم تلغ موعد غداء مع ممثل الشركة الفرنسي في اليوم التالي لذيوع خبر التأميم بينما كانت العاصمة العراقية تغلي بالتظاهرات والمتظاهرين الذين يهتفون بشعار:” نفط العرب للعرب”، وإذاعة بغداد تهنئ القيادة بهذا النصر المبين وتتهجم على الامبريالية الآنجلو ساكسونية.

وفي الوقت الذي توعدت واشنطن ولندن بالانتقام ومعاقبة “حرامي بغداد”، كما كانوا يصفون صدام حسين آنذاك، كان الفرنسيون فرحين وشامتين بحلفائهم. وفي تلك الأجواء المحتقنة قرر الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو استقبال صدام حسين في قصر الإليزيه بالرغم من كون زيارته خاصة وغير رسمية ومع ذلك استقبل بحفاوة بالغة في فرنسا، خاصة بعد أن علم الفرنسيون أن صدام قرر عدم تأميم الحصة الفرنسية في شركة نفط العراق إلا أن عبد الأمير الأنباري الذي كان مستشاراً له ، وأصبح فيما بعد سفير العراق في الأمم المتحدة، نصحه بعدم استفزاز الأميركيين والبريطانيين أكثر من ذلك وإن المفروض أن يشمل التأميم كافة الحصص في شركة نفط العراق ومن ثم يمكن للعراق إبرام اتفاقيات ثنائية بشروط استثنائية مع فرنسا وهذا ما حصل بالفعل، وبالمقابل تقوم شركة النفط الفرنسية بمساعدة شركة النفط الوطنية العراقية الجديدة المؤممة في تطوير البنى التحتية للشركة وتجهيزها بالمعدات الحديثة والمتطورة وتدريب وتأهيل كوادرها ومهندسيها وتقنييها والتنقيب عن آبار وحقول نفطية جديدة بشروط مغرية . وقد ساهم سفير فرنسا في العراق بين عامي 1970 و 1975 وهو بيير سيرل بإقناع الرئيس بومبيدو بترسيخ أقدام فرنسا في العراق وخطفها من منافسيه الآنجلو ساكسونيين وسد الفراغ الذي تركه البريطانيون والأميركيون. وأخبره بأن النظام الحاكم في العراق، لا يرغب أن يكون جزءاً من الكتلة السوفيتية أو المنظومة الاشتراكية، وقد اقتنع بومبيدو بأطروحة وتحليل سفيره المتخصص بالشؤون السوفيتية والخبير بالكرملين، ولذلك فهو يتحدث عن علم ودراية تامة ويعرف ما يقول ، وكان أول من تنبأ بحدوث قطيعة بين بكين وموسكو ، وأوضح لرئيس الجمهورية الفرنسية بأن صدام حسين لا يحب البريطانيين المستعمرين السابقين لبلده لأنهم يهينونه ويستصغرونه ويتقززون منه ويعاملونه بفوقية وهو يشعر بذلك، وأوصى السفير الفرنسي رئيسه بأنه لا ينبغي تضييع هذه الفرصة التي لا تعوض بوضع القدم الفرنسية داخل منطقة النفوذ المحتكرة من قبل الأنجلو ساكسونيين، وهو سعي ورغبة جميع الدبلوماسيين الفرنسيين المخضرمين من الجيل السابق بعد الحرب العالمية الثانية الذين تربوا ونشأوا في أجواء المنافسة الشرسة والصراع والتنافس الفرنسي ـ البريطاني في منطقة الشرق الأوسط وفي وادي الرافدين على نحو أخص، في أعقاب الحربين العالميتين(يتبع).

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter