صدام وفرنسا : علاقة ملتبسة – القسم الاخيرصدام يتبرع لفرنسا بخمسة ملايين طن نفط حين اوشكت على الافلاس

كيف استطاع صدام الحصول على معدات عسكرية فرنسية قبل الجيش الفرنسي

 

 

كان توقيت السلطة في العراق لتأميم شركة نفط العراق IPC موفقاً وصحيحاً بالنظر إلى توازنات القوى الدولية السائدة آنذاك، فبعد عام من المعاناة والتقشف الذي تحمله المواطنون وليس السلطة السياسية، اندلعت حرب أكتوبر سنة 1973، وكان أن بادرت الدول العربية المنتجة للنفط داخل منظمة أوبك إلى رفع أسعار النفط الخام إلى أكثر من أربع أو خمس مرات من سعره السابق، وهددوا بفرض حظر على الدول المؤيدة أو الموالية أو الحليفة لإسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، كما تجرأت الدول النفطية على التلويح باستخدام النفط كسلاح، عندها غدا موضوع تأمين إمدادات النفط والوقود بشكل عام الهاجس الأكبر للدول الغربية لضرورته الحيوية لاقتصادياتها وصناعاتها التي تعتمد كلياً على النفط المستورد من منطقة الشرق الأوسط ، ومن المعلوم أن فرنسا هي أكثر الدول الغربية ضعفاً وهشاشة من هذه الناحية والأكثر تأثراً في حالة تعرض إمدادات النفط للخطر. لذلك سمح صدام حسين بشكل استثنائي لشركة النفط الفرنسية مواصلة استخراجها للنفط من حقول البصرة. وكان صدام حسين حريصا على إرضاء فرنسا وتلبية رغباتها بأسرع وقت، وكلنا يتذكر قرار صدام حسين سنة 1979 في أن يسعف فرنسا بكميات إضافية من النفط العراقي عندما كانت خزينتها خاوية بسبب أخطاء قاتلة في حسابات الدولة وميزانيتها ، وهي على أبواب شتاء قارص وتفتقد للوقود وغير قادرة على شرائه نقداً من منتجين آخرين، فأبرق رئيس وزراء فرنسا آنذاك ريمون بار لصدام حسين يطلب منه النجدة ويستجديه بتوفير الوقود للشعب الفرنسي حينها قرر صدام حسين إرسال خمسة ملايين طن من النفط ورسالة جوابية تقول: هذه هدية صدام حسين للشعب الفرنسي وحكومته. 

إن السبب الذي دفع صدام حسين للارتماء في أحضان فرنسا، إلى جانب التخلص من قبضة موسكو، هو البعد التكنولوجي الغربي. فعلى حد تعبير عبد الأمير الأنباري “إن العراق كان يعرف في سبعينيات القرن الماضي أن التكنولوجيا المتطورة موجودة في الغرب وليس في المعسكر الاشتراكي بالرغم من ارتفاع أثمانها” وبما أن سعر برميل النفط الخام ارتفع من 3 دولارات إلى حوالي 12 دولارا، بات بوسع العراق أن يقتني أفضل ما يتوفر في الأسواق من المنتجات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة والحديثة، وارتفعت عائداته النفطية من 467 مليون دولار سنة 1968 إبان الإنقلاب العسكري البعثي، إلى 26 مليار دولار سنة 1980 قبل انزلاقه في حربه الجنونية والعبثية ضد إيران التي استنزفت موارده واقتصاده واحتياطاته النقدية. كان الفرنسيون يعرفون من تقارير خبرائهم ودبلوماسييهم إن العراق اختار فرنسا لتأمين احتياجاته العسكرية والمدنية ، التقنية والصناعية والزراعية وغيرها، منذ وقت مبكر. 

فخلال الثماني وأربعين ساعة الأولى من زيارة شيراك للعراق سنة 1974 غمرته الطلبات : مستشفى عسكري، مجمع بتروكيمياوي في البصرة، معمل للألمنيوم، طائرات نقل مدنية من طراز أيرباص، شاحنات وسيارات من مختلف الأنواع والأحجام والموديلات، إلى جانب الطلبات العسكرية من هليكوبترات وطائرات قتالية وزوارق حربية وعربات مدرعة الخ… وكهدية رمزية قدمها صدام حسين عربونا لضيفه الفرنسي فرض صدام تبني النظام الفرنسي سيكام SECAM لتشغيل التلفزيون الملون الذي كان في بداية ظهوره فيما كان الاختيار قد تم سابقاً لصالح نظام بال PAL الأميركي وقد بلغت قيمة العقود المبرمة 15 مليار دولار بعضها تم التوقيع عليه والبعض الآخر كان في طريقه للتوقيع، واحتل العراق المرتبة الثانية قبل العربية السعودية وبعد الجزائر من بين الدول التي تتمتع بنظام التأمين على العقود والقروض المصرفية بالرغم من تحذيرات البعض من عدم استقرار النظام القائم وإمكانية تغيير القادة بين ليلة وضحاها بانقلابات عسكرية أو تصفيات جسدية تغير المعطيات وتقلبها رأساً على عقب.

والحال أن جاك شيراك كان يعتقد العكس ويراهن على صدام حسين واستقرار نظامه ويعتبر نموذج العراق في الحكم مثالا ينبغي أن يحتذى وقال بهذا الصدد:” القومية بأفضل معانيها، والاشتراكية كوسيلة لتعبئة الطاقات وتنظيم مجتمع الغد هي مؤشرات قريبة جداً من مشاعر الفرنسيين” . ويذكر أن شيراك استغل وجوده في العراق لزيارة معالمه التاريخية والأثرية لاسيما ملوية سامراء ومتحف الآثار وغيرها . وعلى الفور قامت الشركات الفرنسية بتحويل العراق إلى ورشة عمل عملاقة وشقت الطرق السريعة والمطارات ومحطات تنقية المياه ونصب شبكات توصيل الكهرباء ومعامل للأسمدة ومستشفيات ومدارس ووحدات سكنية، وأحياناً مدن صغيرة أو قرى بأكملها، وشبكات اتصال هاتفية ومختبرات لإنتاج الأدوية، ومع ذلك حلت فرنسا بالمرتبة الثالثة بين عامي 76 و 77 بعد اليابان وألمانيا ، ثم هبطت للمرتبة الخامسة بعد اليابان وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا حيث كانت الدول الغربية تجري وراء صدام حسين بلا حرج لخطب وده واسترضائه كما صرح بذلك وزير الخارجية الفرنسي في عهد ميتران وهو هيوبير فيدرين .

واجهت فرنسا منافسة شرسة في المجال المدني لكنها كانت تتفوق على الكثير من منافسيها في المجال العسكري وقد تمكنت من كسر احتكار السوفيت لسوق السلاح في العالم الثالث. عارض الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل جورج بومبيدو بيع العراق طائرات ميراج المتطورة في أعقاب الضجة التي أثارتها صفقة بيع طائرات ميراج إلى ليبيا التي يقودها العقيد معمر القذافي ولكن سرعان ما تبددت تلك الاعتراضات بعد وفاة بومبيدو، فإلى جانب طائرات الميراج أف واحد ، زودت فرنسا العراق بصواريخ من كافة القياسات والموديلات مثل إكزوسيت و هوت و ميلان و ماجيك ومارتيل و آرمات الخ وكذلك مدافع من عيار 155 مم جي سي تي GCT ومصفحات خفيفة من طراز بانهارد ورادارات طومسون وهليكوبترات غزال و القبرة2 2 والسوبر بوما وغير ذلك من المعدات الحربية العسكرية المتطورة، وكان كل ما يطلبه صدام حسين يلبى على الفور وبالعملة الصعبة وبلا مناقشة أو مفاضلة في الأسعار حيث كان صدام حسين يطلب أحدث ما تنتجه معامل ماترا Matra و طومسون Thomson وآيروسباسيال Aérospatiale وداسو Dassault وقد حصل صدام حسين على معدات حتى قبل تسليمها للجيش الفرنسي. وكانت فترة ذهبية للصناعات العسكرية الفرنسية حيث كان جنرالات الأرجنتين والبرازيل ومالي وأندونيسيا وليبيا والسعودية يتقاطرون على فرنسا لاقتناء بضائعهم وتأمين احتياجاتهم العسكرية، وكانت الذريعة التي يتحجج بها الفرنسيون هي :” أن مبيعات الأسلحة توفر العمل لالاف العاملين وتؤمن تمويل عملية التنمية وتطوير الآلة العسكرية الفرنسية”. وقد تحولت الإدارة العامة للتسلح من مؤسسة للرقابة على التسلح والإشراف على مبيعات الأسلحة وتقرير ماذا يباع ولمن يباع ، إلى وكالة تجارية لتسويق السلاح الفرنسي لأي زبون كان. وتداخلت مصالح الدولة العليا بمصالح المجموعات الصناعية الكبرى. وكان هيوغ دو ليتوال رئيساً للـ DGA ومن ثم أصبح الذراع اليمين لمارسيل داسو وقام بعدة رحلات وزيارات لبغداد. وكان موجوداً في شهر تموز سنة 1990 أي قبل أيام من غزو العراق للكويت كما صرح إريك ديسماريت قائلاً”:” الكثير منا كان يعتقد بأننا يجب أن نساعد العراق لكي يغدو بلداً كبيراً ، علمانياً ومتطوراً وعصرياً، لا سيما من خلال التعاون التكنولوجي ” وكان يحتل في ذلك الوقت منصب المستشار الدبلوماسي في مؤسسة الـ DGA أو الإدارة العامة للتسلح من 1974 إلى 1978 وهي وجهة نظر يشاطره فيها جاك شيراك كلياً. وبعد سنوات ألقى شيراك مسؤولية تسليح صدام حسين وبيع الأسلحة والتكنولوجيا المتقدمة للعراق على عاتق خلفه ريموند بار وهذه نصف الحقيقة إذ أن جزءاً من الصفقات قد تم تنفيذه في عهد ريمون بار بالفعل خاصة بيع 36 طائرة ميراج أف واحد وسلمت للعراق بعد مغادرة جاك شيراك مقر رئاسة الحكومة في ماتنيون لكنه كان هو الذي أعطى إشارة الانطلاق الأساسية، وواصل وزير الصناعة والبحث ميشيل دورنانو المهمة لتنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين العراق وفرنسا وبضمنها تشييد المفاعل النووي أوزيراك بالقرب من بغداد وكانت ألألسن الخبيثة قد حورت التسمية وصارت تسميه مفاعل أوشيراك . وقد تنصل شيراك من المسؤولية خاصة وقد تناهى لسمعه تصريح صدام حسين لمجلة الأسبوع العربي اللبنانية من داخل قصر فرساي الذي قال فيه:” إن الاتفاق مع فرنسا في مجال التعاون النووي هو الخطوة الأولى الملموسة والحقيقية نحو إنتاج السلاح النووي العربي” ، لكن موضوع انتشار السلاح النووي في ذلك الوقت لم يكن يشكل عقبة أو هماً خاصة في أذهان المسؤولين الفرنسيين وكانوا يهتمون فقط بتصدير خبرتهم التكنولوجية ولا يعتقدون أنهم يخاطرون بأي شيء. وكان شيراك مستعداً لبيع مفاعل نووي متطور ومخصص للاستخدامات العسكرية للهند إلا أن هنري كسينجرأقنعه بعدم القيام بذلك. وكان المستشار الدبلوماسي لشيراك سيرج بوادفيكس يعلق على السجال المحتدم بشأن مفاعل أوزيراك قائلاً :” لقد بعنا مفاعلا للأبحاث ، صحيح إنه كبير لمثل تلك الغاية ولكن كان هو النوع الوحيد الذي نملكه ومتوفرا لدينا” وكان مطروحاً بيع مفاعلات مماثلة لإيران وللعربية السعودية (انتهى).

 

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter