صدام ورفاقه: سيرة خوف وموت — الحلقة الرابعة

البكر يقسم بالقرآن مع عبدالرزاق النايف ويتفق مع صدام على قتله

 

صدام يرسل مجموعة مسلحة لاغتيال النايف في احد فنادق لندن

 

رئيس الوزراء – عبد الرزاق النايف
من الرمادي كان بمنصب معاون مدير الأستخبارات العسكرية قبل انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨ عين بعده رئيساً للوزراء لمدة اسبوعين حيث أقصي من منصبه ونفي الى خارج البلاد.
قللت الرواية الرسمية ,بعد ابعاده عن منصبه , من دوره في انقلاب عام ١٩٦٨ واظهرته بمظهر المتطفل الذي اضطر البكر وصدام وجماعتهما على القبول بإشراكه في الأنقلاب وليس كمساهم أساس فقد ذكر أمير اسكندر في كتابه “صدام حسين مناضلاً ومفكراً وانسانا” “كل شئ اصبح منتهيا الان الخطة جاهزة للتنفيذ الرفاق مستعدون.ساعة الصفر تحددت والاوامر على وشك ان تصدر من القيادة بالبدء في التنفيذ بعد ساعات قليلة.
ولكن جرس الباب يدق ويذهب احمد حسن البكر ليرى من يدق الباب في هذه اللحظة الشديدة الحرج والخطورة ثم يعود لهم بعد برهة وقد بدأ على وجهه القلق العنيف والتعب النفسي البالغ حاملا بيده رسالة طرحها امام اعضاء القيادة المجتمعين وهو يقول :اسمعوا هذه الرسالة التي جاء بها (احمد مخلص) الضابط بالاستخبارات العسكرية:
)اخي ابو هيثم) بلغني انكم ستقومون بثورة بعد ساعات تمنياتي لكم بالتوفيق واتمنى ايضا ان اشارككم…التوقيع عبد الرزاق النايف مدير الاستخبارات العسكرية.
واسقط في يدهم دارت رؤوسهم ومادت الارض من تحت اقدامهم وكأن كرة الحديد قد مستهم وبدا أن كل شئ قد صار الان قبض الريح كل الامال الكبيرة تتقوض في لحظة . كل الخطط والترتيبات باتت هشيما تذروه الرياح بل ان الكارثة تلوح شيئا فشيئا اكبر وافدح ان الحزب كله اصبح في هذه الساعة مهددا تهديدا خطيرا بالتصفية الشاملة فضلا بطبيعة الحال عن ان الجالسين هنا الان سوف يواجهون بعد لحظات عقوبة الاعدام.
ونهض بعض الحاضرين من اماكنهم واخذوا يمشون في الغرفة جيئة وذهابا. وكانهم يتحركون في قفص حديدي صغير وانطلق واحد منهم وقد بدت امامه النهاية المفجعة واضحة وضوح السطور القليلة الحاسمة التي حملتها الرسالة صارخا في وجه الاخرين مدينا تلك التحالفات – التي كان يوافق عليها منذ لحظة – والتي ادت الى هذه النهايات المدمرة واعتبر التحالف مع (الداوود) امر لواء الحرس الجمهوري هو الذي قاد الى افشاء اسرار الثورة وافضى الى هذه الكارثة.
ولكن الان؟ ليست هذه الساعة ساعة لوم او ندم والعجز في النهاية لا يليق برجال يوشكون على القيام بثورة لابد من مخرج ولكن من يقود الى المخرج؟
تكلم صدام حسين واوقف المناقشات التي تولول بعبارات اللوم والندم وقال في حسم مطلوب ومفتقد في تلك اللحظة : انا اقترح ان نقبل مشاركته.ونظر اليه الجميع وقد عقدت الدهشة السنتهم ولكنه – كمن يتلو قرارا اكمل :
اقترح ان يذهب اليه الرفيق احمد حسن البكر ومعه حردان التكريتي وصالح مهدي عماش او اثنان منهما ويقولون له :نحن نقبل حياك الله…وما كنا نتصور من قبل انك تريد تشاركنا ويعرضان عليه الموقع الذي يرضيه بعد الثورة فيما عدا رئاسة الجمهورية.
ولكن بشرط هو تصفيته فورا اثناء الدخول الى كتيبة الدبابات او بعد ذلك!.انني اذ اقترح هذا فانني ادرك بانه ماكان من الممكن ان نفعله لو ان هذا الرجل قد شاركنا العمل وفق صيغة طبيعية ولو كنا متاكدين من وطنيته وانه يريد المشاركة لانقاذ الشعب وانما فرض علينا”
وعكس ما ورد في الرواية الرسمية ذكر ابراهيم الداوود أمر الحرس الجمهوري انذاك أن النايف كان حاضراً لاول اجتماع تم فيه مفاتحة الداوود للمشاركة بالانقلاب حيث ذكر
“اتصل بي سعيد صليبي قائد موقع بغداد، وهو من منطقتنا اي من الأنبار، وقال انهم تلقوا خروفاً من منطقة الرمادي ويريدونني ان اشاركهم العشاء. سألته عن الحاضرين فقال: “انت وعبدالرزاق النايف وكمال جميل عبود وهو آمر فوج. ذهبنا وما ان دخلت حتى فوجئت بوجود احمد حسن البكر وحردان التكريتي وصالح مهدي عماش. أنا سألت عن الحاضرين لأتفادى احتمال وجود هذا النوع من الناس.
استقبلني البكر بالعتاب الودي، قائلاً: “انت رجل بلا وفاء لا تسأل عنا”. كان يشير الى انه كان استاذاً في الكلية العسكرية يوم كنت تلميذاً. اجبته: “يا ابو هيثم انا وانت لا نلتقي. انت في خط وانا في آخر ولا شيء يجمعنا”. وتناولنا العشاء فطلب سعيد صليبي ان نجلس بشكل معين انا وعبدالرزاق النايف إلى يميني وكمال جميل إلى يساري. وفي المقابل جلس البكر وحردان وعماش. وقال الصليبي: تفاهموا.
فقلت: “على ماذا نتفاهم؟”.
قال البكر: “بعد أحداث البصرة أصدر الشيوعيون ضدك حكماً بالإعدام. الناصريون ضربوك مرتين ولو نجحوا لقصونا (ذبحونا) نحن وأنتم. نحن لا نريد شيئاً. أنتم أقوياء وفي السلطة. أنتم تحموننا ونحن ننقل إليكم ما يجري في الشارع”. قلت له: “أنتم اخطأتم في ١٩٦٣ الشعب يكرهكم. قتلتم وذبحتم. وممارسات قصر النهاية لا تزال في ذاكرة الناس. لا أحد يحبكم”.
قال البكر: “نحن اخطأنا فعلاً ونريد أن نكفر عما فعلناه”.
قلت له هل تقسم بالقرآن على ما تقول، فأجاب: “اقسم بالقرآن وبالطلاق أيضاً”.
قال: “أنا وحردان وعماش نعترف باخطائنا ونقسم. نحن لا علاقة لنا بحزب البعث ونريد العمل كمواطنين ونتعاون معكم للتكفير عن سيئاتنا”.
طلبت من الصليبي أن يحضر القرآن. وهكذا أقسم البكر ورفيقاه.
قلت لحردان: “أنت لك سمعة غير طيبة إذا تعاونت معي سأتحمل عبء سمعتك”.
أنا تألمت من صلاح عمر العلي لأنه قال انني اقسمت وحنثت بقسمي. الحقيقة أن الثلاثة أقسموا وحنثوا بقسمهم. في ذلك العشاء لم تكن هناك فكرة لإطاحة عبدالرحمن عارف. كانوا يعرفون أن لا فرصة لنجاح أي عملية تغيير من دون موافقة الحرس الجمهوري. وان الحرس ستكون له الكلمة الفصل في حال مقتل الرئيس لا سمح الله أو وفاته. وكانوا يعرفون أيضاً انني لست في وارد القبول بأي علاقة مع الشيوعيين وان الباب موصد بيني وبين الناصريين. طرحوا فكرة اللقاء كوطنيين. يمكن القول إن فكرة التعاون كانت من باب الاستعداد للمفاجآت.
كنا نقيم عشاء شهرياً. نجلس ونتبادل المعلومات ونتحدث في أوضاع البلد. كنا نلتقي في بيت مولود مخلص بناء على اقتراح حردان التكريتي. كان يحضر العشاء خمسة فقط البكر وحردان وعماش والنايف وأنا.
الحلقة تضم خمسة أنا والنايف والبكر وحردان التكريتي وعماش. قبل أكثر من شهر من موعد العملية اجتمعنا في منزل مولود مخلص. وأذكر ان حردان ذهب للاتيان بكباب للأكل، وان البكر ناداه مرتين يوصيه بأن يضعوا شيئاً من الجوز مع الكباب. ـ كان ينفي علاقته بالحزب. اقسموا بالقرآن فصدقتهم. – قرر الحاضرون أن أكون أنا رئيساً للجمهورية. فكرت للحظات ثم قلت لهم أنا عمري ٣٦ عاماً ولا أزال شاباً وأنا عسكري ولست سياسياً محترفاً واعتذرت. وقلت: “أنا اتنازل لأبي هيثم (البكر) شرط ألا يكون قائداً عاماً للقوات المسلحة في الوقت نفسه. أي رئيس جمهورية فقط”. بعدها عرضوا عليّ رئاسة الوزراء فقلت إذا لم أقبل الأولى فكيف أقبل الثانية. عندها اتفق أن أكون وزيراً للدفاع وقائداً عاماً للقوات المسلحة. إذا تم اختيار البكر رئيساً للجمهورية وأنا وزير الدفاع. طرح البكر فكرة أن يكون هو أيضاً رئيساً للوزراء. عارض النايف وقال له أنت عليك صفة بعثية والأمر سيعقد علاقتنا مع سورية التي يمر نفطنا في أراضيها. كما عارض النايف اسناد المنصب إلى عماش أو حردان التكريتي للأسباب نفسها. وهكذا لم يبق إلا النايف، فتقرر أن يكون رئيساً للوزراء. طلب حردان أن يكون رئيساً للأركان فعارضت. أمضى النايف أسبوعين يحاول أن يقنعني حتى وافقت. أما عماش فقد اتفق أن يكون وزيراً للداخلية. هكذا توزعت المناصب بين الخمسة على أن يعتبر الأربعة أيضاً نواباً لرئيس الجمهورية وهو البكر. هكذا تم الاتفاق على مجلس قيادة الثورة. أنا اخترت موعد ١٧ لأنني اتفاءل به. ابني أركان ولد في ١٧ أيلول (سبتمبر). اعتبر هذا التاريخ مباركاً. اخترت ١٧ تموز وكان ليل الأربعاء – الخميس”.
بعد أبعاد النايف الى الخارج حاول النظام اغتياله عدة مرات عنها ذكر مايلي في مذكراته
“حاول الحكم التكريتي القائم في بغداد اغتيالي عدة مرات… وبدأت محاولاتهم هذه في حزيران (يونيو) عام ١٩٦٩ حيث كنت اقيم في جنيف…
اكدت لي زوجتي ان جميع اصدقائي المخلصين نصحوها بأن تطلب مني ترك جنيف لأن هناك مؤامرة تدبر لاغتيالي والتخلص مني… وكان أحد ضباطي الذين اعتمد عليهم في بغداد يؤكد على هذه الناحية وهو المرحوم الشهيد النقيب الركن عبدالوهاب الداود وزميله الشهيد المرحوم النقيب الركن رياض محمد شكري المفتي وقد اعدما من قبل محكمة صدام التي شكلها برئاسة طه الجزراوي.
وصل الى جنيف المحامي جاسم مخلص وهو من أقارب حردان التكريتي وفور وصوله الى المطار يوم ٢ تموز ١٩٦٩ طلبنا في التلفون من المطار وقال بالحرف الواحد: “لازم تترك جنيف فوراً… لقد علمت من حردان التكريتي، وكان وزيراً للدفاع، بأن صدام التكريتي أرسل فرقة من عصابته لقتلك… فيجب ان تغادر فوراً… وقال انه مغادر الى فيينا ولا يستطيع البقاء في جنيف… وحذر كثيراً.
وقبل ان اغلق سماعة التليفون سألته: “قال لك حردان سبب اقدامهم على ذلك؟”، فأجاب من دون تردد “أخي هؤلاء مجرمون وعاثوا في البلاد فساداً والفوضى والظلم والقهر تسود البلاد… وحتى حردان سيقتلونه وهو يعرف ذلك جيداً ولا يقدر ان يفعل شيئاً لنفسه”..
وفي عام ١٩٧٢ اقترب الرصاص من رئيس الوزراء المنفي عبدالرزاق النايف. فتح باب شقته في لندن فأمطره المسلحون بالرصاص. اسعفه الحظ ونجا لكن الرصاصات أصابت زوجته لمياء.
عن حادث اغتياله ذكر نجله علي في مقابلة مع صحيفة الحياة “في ٩ تموز (يوليو) ١٩٧٨ تعرض لاطلاق النار وتوفي فجر اليوم التالي بعدما كان توفى سريرياً عقب الحادث مباشرة. يومها كانت المرة الوحيدة التي نقيم فيها في شقة خلال زيارة إلى لندن.
ما سبب الزيارة؟
– نحن وصلنا إلى لندن في الأول من تموز ١٩٧٨. والدي وصل في السابع منه آتياً من عمّان. أمضيت مع أبي يوماً جميلاً زرنا خلاله متحف الشمع ومنتزهاً للأطفال. في اليوم التالي لم أره. خرج صباحاً وعاد متأخراً في حدود العاشرة ليلاً. ابلغ والدتي أنه ذاهب لتناول العشاء فأصرت على مرافقته.كان العشاء مع (…) مسؤول المخابرات العراقية، واعتقد أنه كان في نادي “سبورتينغ” واقتصر على الثلاثة. ربما وجود المسؤول العراقي هو ما يفسر قلق والدتي وإصرارها على الحضور.في ٩ تموز، التاسعة صباحاً، قبلني والدي وقال لي أنا خارج وأعود في الحادية عشرة. طلبت منه أن يصطحبني إلى مكان معين فوعدني بذلك لدى عودته. في الساعة الثانية عشرة اتصل وقال إنه آت إلى المنزل.
“في الرابعة بعد الظهر وكنا لا نزال في انتظاره وفيما كنت أشاهد التلفزيون، قطع التلفزيون البرنامج لتقديم خبر عاجل وظهر فندق “انتركونتيننتال” ورجال الشرطة يتمشون أمامه. وسمعت ان اطلاق نار حصل وان المستر عبدالرزاق اصيب. نظرت إلى والدتي فلاحظت أنها لم تعرف ماذا يجري. كانت انكليزيتها ضعيفة. سألتني ما بي، فقلت لها انهم يتحدثون عن اصابة شخص اسمه عبدالرزاق. فجأة ضربت والدتي على رأسها واصيبت بنوع من الانهيار. طلبت مني الاتصال بالشرطة للتحدث معهم. اتصلت وقلت لهم ان شخصاً اسمه عبدالرزاق تعرض لإطلاق نار فمن هو. بعد تردد أكد الضابط وقوع الحادث وطلب مني ابلاغ والدتي أن والدي في مستشفى سانت ماريز. سألته أين اصيب فأجابني في كتفه. نزلنا بسرعة واستقلينا تاكسي إلى المستشفى. شاهدت والدتي سيارة اسعاف وراح المصورون يلتقطون لي الصور وأنا أبكي. كنت في العاشرة. الصحافيون لا يرحمون. حضر محقق من اسكوتلنديارد وأخرج أمامنا الجواز الأردني الديبلوماسي الذي كان يحمله والدي ومكتوب فيه دولة عبدالرزاق النايف

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter