صدام ورفاقه: سيرة خوف وموت – الحلقة الثامنةأمن النظام السابق يعدم مؤسس حزب البعث في العراق طعنا بالسكاكين

اللواء الركن عبد العزيز العقيلي:
من الموصل تخرج من الكلية العسكرية برتبة ملازم ثان ثم رشح لكلية الأركان في انكلترا التي تخرج منها بتفوق. درس في كلية الحقوق عام 1951 ثم عين معلماً في كلية الأركان ثم مديراً لشعبة المناورات في مديرية التدريب وبعد ذلك رئيساً لاركان الفرقة الأولى في الديوانية.عين قائداً للفرقة الأولى بعد ثورة 14 تموز 1958 حيث كان ضمن مجموعة الضباط الأحرار.
أثر نجاح انقلاب شباط 19693 رقي الى رتبة لواء وعين مديراً عاماً للموانىء العراقية ثم استقال من منصبه وعاد اليه بعد الأنقلاب المضاد في 18 تشرين الثاني 1963 وبقي في منصبه حتى أيلول 1956 حيث عين وزيراً للدفاع في وزارة عبد الرحمن البزاز وبقي في هذا المنصب حتى وفاة الرئيس عبد السلام محمد عارف واثر اختيار عبد الرحمن عارف لرئاسة الجمهورية اعتزل السلطة.
عنه كتب جليل العطية في كتابه “فندق السعادة” “أعتقل في تشرين الأول 1968 وتحمل شتى صنوف والوان التعذيب حتى قدم الى ما يسمى بمحكمة الثورة مع ثمانية عشر من رفاقه ممن كان يطلق عليهم أسم زمرة العقيلي وفي الحادي عشر من حزيران 1970 حكم عليه بالاعدام ونقل الى سجن أبي غريب في جناح الأحكام الشاقة وبعد أن أمضى فيه خمس سنوات قاسية صدر أمر في نيسان 1975 بخفض الحكم الى الموبد. وظل يعاني من العذاب حتى اذا تسلم صدام حسين السلطة (الكرسي الأول) زاد التعذيب.
وفي أب 1980 نقلته مخابرات النظام الى أحد أوكارها المجهولة لفترة شهر تقريباً واعادته مسموماً الى سجن أبي غريب الأحكام الخاصة وقد بدت عليه أثار مرض خبيث ، وراحت صحته تتدهور يوماً بعد يوم أخر ، بحيث راح جلده يتساقط ويتقيح ، ثم تعطل جهازه الهضمي بسبب انغلاق المريء وتضاءل وزنه بشكل رهيب الى ما يقرب أربعين كيلوغراماً ثم فقد بصره ونطقه وظل في زنزانته التي لا تتجاوز مساحتها المترين طولاً والمتر عرضاً..
ورفضت أدارة السجن تقديم أي علاج له، كما رفضت محاولات أسرته لعرضه على طبيب من خارج السجن، وكان يقوم على خدمته رفيقان له من السجناء حتى وفاته..
ويكمل عنه جليل العطية “جمعتني بالعقيلي حجرة ضيقة في قصر النهاية عدة أيام من كانون الأول 1968. لم تكن بيننا معرفة مسبقة كان يبدو شاحباً ، وقد أطلق لحيته وبعد ساعات زال تردده. انسجمنا وفتح الرجل لي قلبه الكبير .. وسرعان ما تغيرت الصورة الغائمة التي كنت أحملها له عن بعد.
انطلق يتحدث عن السياسة والفكر ، وكان يكثر من تلاوة القرآن الكريم ويؤدي الصلاة في أوقاتها ويطيل السجود.
عندما استدعي ل (حفلة التعذيب)- أول مرة أثناء وجودي لم يرف له جفن ، جيء به بعد ساعات، واثار التعذيب الوحشي واضحة على معظم جسده النحيل.. وحاول أن ينام فلم يوفق.. وفتح المصحف ، وبدت معالم السرور على وجهه واطلعني على الأية التي منحته الثبات والصمود ، فاذا هي)والذين صبروا على ربهم يتوكلون ) ( العنكبوت: 59).
كان أخر عهدي به أنني التقيت به ذات صباح في الرواق المؤدي الى المرافق الصحية ..كان قد نحل كثيرا . وزاد شحوبه بشكل مرعب.. همس في أذني
– انتبه الجماعة سيغرقون العراق بانهار من الدم!
-أهرب أن استطعت الى الخارج”…
“عندما اعتلى صدام الكرسي الأول كان العقيلي
1- محكوماً بالسجن المؤبد قبل أربع سنوات.
2- مقيما بصفة دائمة ومنذ اثنتي عشرة سنة في معتقلات وسجون النظام
دون أن يتمكن من الأتصال باحد أو العكس..
فلماذا جرعة السم الذي أدت به الى الوفاة بعد عذاب وتعذيب شديدين؟
حدثني وزير سابق أن صداماً أطلع في أحدى الليالي على محضر تحقيق مع العقيلي فلم يرقه ، وكان قد قدم لتوه من سهرة صاخبة امضاها في مطعم فاروق- أحد أماكنه المفضلة أيامئذ، فاستدعاه ليحقق معه بنفسه .. واثناء احتدام المناقشة وجه أتهاماً للعقيلي فعالجه هذا بالبصاق على وجهه!
فأقسم صدام على تصفية هذا “المصلاوي” العنيد”.
***
فؤاد الركابي:
ولد في الناصرية عام 1931تخرج في كلية الهندسة جامعة بغداد . وهو مؤسس حزب البعث في العراق وقد مثل الحزب كوزير للاعمار بعد ثورة عام 1958.
ترك الحزب عام1962 وفي عام 1968 أعتقل وحكم عليه بالسجن بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة .
وصف حاله في السجن خالد علي الصالح في كتابه ” على طريق النوايا الطيبة ” حيث ذكر
” شاهدته من بعيد وكان في حالة سيئة ، يقوم بكل طاقته بدفع عربة محملة بالقمامة من مكان الى أخر ، فرثيت لحالنا جميعاً. وقد علمت فيما بعد أنه على هذا الحال من فترة طويلة ، وأي تراخ منه تنهال على جسده السياط”.
“جلبوا فؤاد ليربط واقفاً على قدميه على باب الزنزانة التي أقبع فيها.وبعد أن ذهبوا قمت من مكاني وتطلعت من خلال الفتحة في أعلى الباب، ومع الحبال التي تشد الضحية تأكدت أن الذي يقف أمام الباب مشبوحاً هو فؤاد الركابي ، أول أمين سر لحزب البعث العربي الأشتراكي في العراق، وأول وزير بعثي في حكومة ثورة 14 تموز. فقلت له كيف حالك يا فؤاد؟ فقال من ؟ خالد، فلم أستطع أن أرد عليه فقد خنقتني عبرتي حيث تدفقت دموعي مع دموعه.قال أنني عطشان فهل تستطيع أن تعطيني جرعة من الماء. فلم أجد من وسيلة تستطيع أن تنفذ من الكوة أعلى الباب سوى ملعقة الطعام التي كانت لدي ، فدلقت فيها قطرات لاكثر من مرة لأصبها في فم فؤاد مباشرة حيث لا يستطيع أن يستخدم يديه المربوطتين. ثم روى لي ما تعرض له من تعذيب لكي يقول لهم بأنه جاسوس. والان اعادوا عليه دورة التعذيب لكي يوقع أمام قاضي التحقيق الذي جلبوه الى قصر النهاية ، على اعتراف قاموا بكتابته بالشكل الذي يريدون كاعتراف من فواد بأنه جاسوس.
وعندما رفض التوقيع ، بدأت دورة جديدة من التعذيب. وبقي فؤاد على هذا الحالة لمدة يومين وكنت أعطيه قطرات من الماء واحياناً قطعة من الرقي حيث اقتسمها بيني وبينه”.
“لم يخطر ببالي أبداً أن هذا الشخص المشبوح بالحبل أمام الباب كان منذ عشر سنين أميناً لسر الحزب الذي خرج من عباءته هؤلاء ، وانا القابع خلف هذا الباب في زنزانة أقرب الى القبر منها الى أي فضاء أخر ، وبأمر من ؟
بأمر من شارك في عمل ( محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم) الذي خططت له قيادة كان فؤاد الركابي أمين سرها وكنت أنا مسؤول بغداد وقمنا بتكليف مجموعة من المنتمين الى هذا الحزب بتنفيذ ما خططنا له.وكان بين أولئك الذين نفذوا من يقف اليوم على رأس هولاء الذين يفعلون بنا وبغيرنا من خلق الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت . ولماذا؟ وبدون أي ذنب ألا لأ ننا اخترنا طريقاً، فقط، طريقاً لا غير، غير طريقهم. ولا أدري ؟هل هو ذنب اقترفناه نسدد ألان كفارته”.
“اخذوا فؤاد الى مكان أخر وبعد نحو شهرين أو أكثر رأيت المنظر نفسه الذي رأيت فيه فؤاد لأول مرة في قصر النهاية ، حيث كان يدفع عربة محملة بالقمامة ، وعلمت ممن كان في هذا المكان أنه بقي على حاله هذه لفترة طويلة”.
بالرغم من اصدار تعميم على منتسبي الحزب بعد الحكم عليه بأنه لم تثبت عليه تهمة التجسس وسوف يطلق سراحه فقد تم اغتياله حيث كلف سجين بقتله مقابل وعد باطلاق سراحه فهاجمه بسكين زودته بها أدارة السجن ونقل الركابي الى المستشفى ويقال أنه لم يسعف وترك مسجى على النقالة ليموت بأمر من صدام حسين.
***
عبد الرحمن البزاز: أستاذ قانون. حصل على البكلوريوس في القانون من كلية الحقوق ببغداد ، ثم أكمل دراسته العليا في جامعة لندن. كان أحد المؤيدين لحركة رشيد عالي الكيلاني، حيث سجن بعد فشل انقلابها في ايار 1941.
عين في نهاية الحرب العالمية الثانية عميداً لكلية الحقوق ، وبقي في ذلك المنصب حتى عام 1956 ، حيث اعفي من منصبه لاحتجاجه على موقف الحكومة العراقية السلبي من العدوان الثلاثي على مصر.
أعيد تعيينه بعد ثورة 14 تموز 1958 عميداً لكلية الحقوق حتى اذار 1959 ليعتقل بعد اختلافه مع حكومة عبد الكريم قاسم.
وعند الأفراج عنه غادر الى القاهرة وبقي فيها لاجئاً سياسياً حتى شباط 1963 ، حيث عين سفيراً في مصر ثم سفيراً في بريطانيا.
خلال الفترة 1964-1665 انتخب سكرتيراً عاماً لمنظمة اوبك اضافة الى منصبه سفيراً للعراق. عين في 6 أيلول 1965 نائباً لرئيس الوزراء.
وبعد اسبوعين تقريباً تولى منصب رئيس الوزراء ، وبهذا أصبح أول رئيس وزراء مدني عراقي منذ عام 1958، واستمر في منصبه حتى بعد وفاة عبد السلام محمد عارف وتعيين شقيقه عبد الرحمن محمد عارف رئيساً للجمهورية.
استقال في ? أب 1966 من رئاسة الوزراء نتيجة للضغوط التي مارسها الجيش لإزاحته بعدما حاول التقليص من نفوذ الموسسة العسكرية وامتيازاتها ، وخلق جو من الديمقراطية والأدارة المدنية في البلاد.
أعتقل بعد انقلاب عام 1968 بفترة وجيزة في 24 كانون الثاني 1969 بتهمة التآمر على السلطة وحكم عليه بالسجن مدة 15 سنة ، وقد تعرض للتعذيب الشديد في سجنه بقصر النهاية
وفي عام 1970 أفرج عنه لأسباب مرضية ليغادر الى لندن حيث توفي هناك عام 1971 (يتبع في العدد المقبل).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter