صدام حسين يهاتف حسن العلوي (أمس)

عبد الرضا الحميد

حتى العام 1966، وأنا طفل غرير كانت أجهزة الشرطة تهرع بنوبة استنفار مسعورة في مدينتي إذا ما قال قائل انه رأى عبدالكريم قاسم أو سمع خبرا عنه، رغم انه غادر الحياة في العام 1963، فإذا قيل أن احدهم رأى قاسما في بساتين الماجدية(1) هرعت الشرطة إلى تطويقها وتفتيش حتى أعشابها والمحار الملفوظ على رمال خدي نهري الكحلاء والمشرح من مياههما، وإذا قيل انه شوهد يعبر جسرا اقتادت الشرطة أفرادها الذين يحرسونه ويراقبون تهريب الشاي بين محلة وأخرى من محلات المدينة(2) الى تحقيق ضار وشرس، وإذا زعم زاعم انه اشترى خبزا من الخباز الفلاني أو قيمرا من بائعة القيمر فلانة الخنثى تحول ذلك النهار إلى كابوس تحقيق طويل ومرير مع الخباز وبائعة القيمر.

 

تذكرت هذه الوقائع وأنا أتابع تصريحات النائب حسن العلوي عن تلقيه اتصالا هاتفيا من شخص زعم انه صدام حسين وانه مازال حيا وان الذي اعدم هو شبيهه ميخائيل ، ورغم عدم ميل العلوي إلى تصديق الشخص المتكلم ، إلا أن تسويقه المتصل بأنه سيعود وسيحول المنطقة الخضراء إلى حمراء من الدم ، يثير العديد من الشكوك في حقيقة حصول ذلك الاتصال المزعوم.

 

وابرز هذه الشكوك انه يعيد حكاية عبدالكريم قاسم ثانية ولعل العلوي شهد أحداثا مماثلة لما شهدته أنا، ووقع أسيرها رغم أن إحداثيات شعبنا ليست إحداثياته في النصف الثاني من الستينيات، ففراسته الآن أدق وتبصره في الوقائع أقوى، بل أصبح (مفتحا في اللبن) كما يقول مثله الدارج.

 

وجريا على مذهب المناطقة ، والعلة ومعلولها، ومحاكمة أصول الحكايات بنتائجها، نجد أن هذه الحكاية المضحكة، على هزالها وسخافتها، سواء كانت من بنات خيال العلوي، أو من بنات خيال المتصل، من إعداد وتأليف وإخراج مؤسسات الاحتلال الخفية ، فهي ترمي إلى خدمة الاحتلال وإطالة أمده وإشعار البعض من العراقيين بان وجوده هو الضامنة الوحيدة التي لا ضامنة سواها لأمنهم واستمرار مصالحهم.

 

وتذهب إلى محاولة خلخلة الإجماع الشعبي العام على إنهاء الاحتلال وعدم السماح للحكومة تحت أي ظرف كان بتمديد اتفاقية العار المشؤومة مع دولة الاحتلال النازي، والى جر النواب الرافضين للاتفاقية منذ البدء والنواب الرافضين لتجديدها إلى صف دعاة التجديد.

 

لقد حاول العلوي استخدام صيغة (أخاطبك يا جارة وأعنيك يا كنة) بتفسيره الحكاية على أنها رسالة من البعثيين إلى قائمة علاوي مفادها نيتهم التخلي عنه مستقبلا بعد إن دعموه سابقا، وقد كانت محاولة سمجة عقيما يراد منها الضحك على ذقون الناس ، لان العلوي وصل حدا يرى فيه العراقيين سذجا وجهلة تنطلي عليهم هكذا قصخونيات فاشلة ، وهو وحده النابهة الألمعي ، فما الذي يمنع البعثيين عن إيصال رسالتهم إلى علاوي مباشرة طالما أنهم دعموه وساندوه سابقا ، فهل كان دعمهم له بواسطة أخرى قد يكون العلوي نفسه، وهو منهم أصلا قبل أن ينقلب عليهم، ولماذا هذه الوسيلة الكسيحة؟ وان لم يكن العلوي نفسه هو الواسطة فلماذا إيصال الرسالة عبره وليس غيره؟ وهو البعثي السابق أيضا وصاحب التحقيق الصحافي المعروف (مئة ساعة مع صدام حسين) الذي دشن به عصر المديح عندما كان رئيسا لتحرير مجلة ألف باء؟

 

من المؤكد انه مما يحزن أن ينحدر العلوي إلى هذا المنحدر فمن شهد بداياته الصحفية والفكرية يسؤوه أن يتحول إلى منظر للطائفية مرة ثم إلى منظر للعملية السياسية وراكب هودجها مرة أخرى ثم ناقم عليها وثائر ضدها بعد إزاحته عن منصب السفير في دمشق مرة ثالثة، ثم إلى منظر لبرنامج القائمة العراقية ومنقلب عليها شر انقلاب ومصطف مع أندادها مرة رابعة ثم إلى مجترح أو شريك في اجتراح الحكاية الجديدة.

 

في التسعينيات شاع في العراق نوع مسرحي أطلق عليه اسم (المسرح التجاري) ظن رواده حين رأوا ألوف العراقيين تتقاطر على عروضه، أنهم يضحكون عليهم، ويستولون على أموالهم بالاستغفال والابتسار والإسفاف والحكايات الشوارعية المجة ، ولكن الحقيقة كانت هي أن الناس خفت إلى المسارح واشترت التذاكر لتضحك على أولئك المهرجين والاراجوزات.

 

وما أشبه مهرجي واراجوزات المسرح التجاري بالأمس بمهرجي واراجوزات العملية السياسية اليوم.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter