صانعو الملوك والعروش

صانعو الملوك والعروشاوعملية اختراع الشرق الاوسط المؤلف:كارلماير وشارين بريساك  الكتب السماوية الثلاثة وقناة السويس والبترول وراء الغزوات الغربية لمنطقة الشرق واستعمارها شابة جميلة وموهوبة وجريئة تخترع نايجيريا متى اهين الملك فاروق وتحول الى بلاي بوي منغمس باللهو والفساد كرومر رائد الاستعمار البريطاني لبلاد العرب يصف الشعوب الشرقية بالهمج الرعاع 

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وضعت الدول الغربية خطط الاستيلاء على نفط الخليج العربي

يرى الزوجان ـ مؤلفا هذا الكتاب ـ أن معظم حدود منطقة الشرق الأوسط كما نراها الآن ـ حدود مصطنعة ـ لا تكاد تتسق مع المعالم والتضاريس الطبيعية للمنطقة.. وأن هذه الحدود مرسومة من سنوات الربع الأول من القرن العشرين حيث تأثرت أوضاع الشرق الأوسط بعاملين أساسيين. الأول هو وراثة ممتلكات الدولة العثمانية وكانت في طريقها إلى الزوال. والثاني هو تقسيم هذه الممتلكات بين الإمبراطوريتين الإنجليزية والفرنسية ولصالح لندن على وجه الخصوص.

ويحرص المؤلفان على سرد حكاية هذا الشرق الاوسط الحديث باتباع منهج السيرة الذاتية الذي يعرض لأبرز الشخصيات التي أسهمت في تشكيل المنطقة وخاصة منذ زمن الإمبراطوريات الإمبريالية ـ بالذات في القرن التاسع عشر. ورغم أن العنوان الرئيسي للكتاب يتناول ما يسميه المؤلفان صناع الملوك (أو العروش) فإن العنوان الفرعي الذي يشير إلى «اختراع» الشرق الأوسط قد يكون أكثر دلالة على الموضوع حيث يعرض لجماعات من الساسة أو الإداريين أو الصحافيين أو المغامرين أو الجواسيس المحترفين الذين عملوا في خدمة المصالح الغربية فكان أن أعادوا صياغة المنطقة: حدودها ـ وعلاقاتها وتركيبتها الديموغرافية بل حاولوا التأثير على طموحات شعوبها نحو الاستقلال والنهضة وخاصة على أنقاض الإمبراطورية التركية التي حكمتهم لأكثر من 4 قرون. يبدأ الكتاب بسيرة اللورد كرومر عميد الاستعمار البريطاني في مصر ويختتم بنظرة شاملة على آفاق مستقبل المنطقة.

اسمه «ألفريد ثاير ماهان».. كان ضابطا بحريا من أميركا ينسب إليه الفضل ـ وربما الذنب، أنه نظر في عام 1902 إلى خارطة المنطقة التي تشكل المعبر الجغرافي والتاريخي أيضا فيما بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا.. وطالع بطبيعة الحال امتداد الصحارى وارتفاع الجبال في شبه الجزيرة العربية. تحفها مصر عند البحر الأحمر ثم إيران عند أقصى الشرق ـ وتركيا في الشمال. بعدها قال ألفريد ثاير ماهان عبارة أصبحت مأثورة في التاريخ هي: هذه هي منطقة الشرق الأوسط. وسجل ذلك كتابةً في مقال نشره الملاح الأميركي عام 1902.

بهذه الافتتاحية ـ الدرامية كما نسميها ـ يبدأ مؤلفانا «كارل ماير وشارين بريساك» الصفحات الأولى من كتابهما الحافل حيث يرسمان منذ الفصل التمهيدي للكتاب مدى أهمية المنطقة ـ فيوضحان (ص 17) كيف أنها بلغت ولا تزال شأوا بعيدا من حيث الأهمية الإستراتيجية.. لدرجة أن نابليون ومن بعده هتلر ومن قبلهما الأسكندر الأكبر وقيصر الرومان.. كل هؤلاء أدركوا هذه الأهمية وتصرفوا على أساسها، بل تضاعفت أهمية الشرق الأوسط بعد منتصف القرن التاسع عشر بافتتاح قناة السويس التي شكلت همزة الوصل البحري ـ الملاحي بين شرق العالم وغربه ومن شماله وجنوبه وكان ذلك عام ,1869. ثم عادت الأهمية فتضاعفت عدة مرات بعد اكتشاف البترول في أرض المنطقة مع العقود الأولى من القرن العشرين. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) عكف محللو وزارة الخارجية الأميركية على تدارس هذه الأبعاد كلها وخلصوا إلى نتيجة جوهرية.. دون أن يسعدوا بها على نحو ما يقول كتابنا ومفادها ما يلي: أن الوصول إلى موارد النفط العربية في شبه الجزيرة ـ الخليج أصبح أمرا حيويا لكي تضطلع أميركا بدورها العالمي الآخذ في التوسع.الاستقصاء.. القلم.. الرهبةفي نفس السياق.. يقول واحد من هؤلاء المحللين، واسمه هربرت فايس: في جميع الاستقصاءات التي أجريناها كان القلم يتحرك ثم يقف فجأة في حال من الرهبة عند نقطة بعينها وعند موقع بذاته اسمه: الشرق الأوسط.
هنا يوضح المؤلفان معنى هذه الرهبة التي كانت ترتجف بها أقلام المحللين الأميركيين، فيقولان: كانت هذه الرهبة أمرا مفهوما.. لقد مرت قرونا عديدة من الزمن شهدت محاولات للتقرب غزلا من منطقة الشرق الأوسط بقدر ما شهدت عمليات للاقتحام غزوا في منطقة الشرق الأوسط.. كيف لا.. وقد خرجت من المنطقة الكتب السماوية الثلاثة.. لكن برغم ما بشر به كل من هذه الكتب (المقدسة) من معاني الأخوة الإنسانية وتعاليم السلام والتعاطف والمحبة والتواضع.. فقد شهدت المنطقة صراعات وغزوات وحروبا على امتداد حقب متباينة ومراحل شتى من مسير التاريخ.
وقد يعمد المؤلفان إلى تناسي صفحات العنف الدموي التي سجلتها جولات الصراع والغزوات في التاريخ القديم والوسيط.. ولكنهما يكتفيان بالإشارة إلى ما شهدته سنوات النصف الأخير من القرن العشرين..
حيث بدأ مسلسل العنف الدموي باغتيال الوسيط الدولي السويدي الكونت برنادوت (على يد عصابات الإرهاب الصهيونية) في عام ,1948. ثم اغتيال الملك الأردني عبد الله في عام 1951 واغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981 إلى اغتيال رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين عام 1995.
احتلال عدن واحتلال مصر على أن السجل الأخطر الذي يفتحه مؤلفا هذا الكتاب هو سجل تداخل القوى الأوروبية في أحوال المنطقة. وقد بدأ هذا التداخل مع احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 (لم يشر الكتاب إلى احتلال بريطانيا ميناء ومنطقة عدن في جنوب اليمن عام 1839).. ربما لأن احتلال مصر هو الذي فتح الباب على مصراعيه لرسم خارطة الشرق الأوسط كما عرفه العالم في سنوات القرن العشرين. نلاحظ أيضا أن مؤلفيْ الكتاب اعتمدا منهجا يقوم على السيرة الذاتية للأفراد ـ التاريخيين والمؤثرين طبعا ـ الذين يسلكهم الكتاب في عداد «مخترعي» الشرق الأوسط ـ بمعنى الذين بذلوا جهودا وخاضوا معارك كلها لصالح قوى الاستعمار الغربي، البريطاني والأميركي بالذات ـ من أجل صياغة مقاليد المنطقة لدرجة صناعة عروش وانقلابات ونظم للحكم. ولقد فضلنا في هذه السلسلة من عرضنا النقدي ـ التحليلي لهذا الكتاب الضخم أن نصرف النظر عن العنوان الرئيسي (صانعو الملوك ـ أو العروش) مع تفضيل العنوان الفرعي الذي يتحدث عن مخترعي الشرق الأوسط.
ذلك أن الشخصيات العديدة التي يتناولها كتابنا شارك معظمها في رسم الحدود المصنوعة في عواصم الاستعمار أو في تشويه المنطقة بزرع الجسم الصهيوني الغريب والعدائي في قلبها أو في تصنيع انقلابات أطاحت بنظم حكم وطنية ومعادية بالطبع للمصالح الإمبريالية (مثلا الانقلاب ضد حكومة الدكتور محمد مصدق الوطنية في إيران).
كرومر على ضفاف النيل كان طبيعيا أن يتصدر سير الشخصيات ـ ممثل الاستعماريين العتيد في مصر اللورد كرومر ـ الذي كان يعرف باسم المعتمد البريطاني حيث كان له الكلمة الطولى على امتداد نحو عشرين عاما.. عشرة منها في ختام القرن 19 والعشرة الثانية هي قوام العقد الأول من استهلال القرن العشرين.كان اللورد كرومر يحمل اللقب الدبلوماسي الرسمي «القنصل العام» لكن مقر عمله في منطقة قصر الدوبارة المطلة على نيل القاهرة كان يعرف باسم «بيت اللورد» أو «دار الاعتماد» وكان موكبه كما يقول الكتاب حدثا مشهودا في شوارع القاهرة منذ المئة سنة الماضية.. يحف به الأتباع والحشم.. وتجر عربته الفارهة كرائم الجياد ويركض بين يديه طوائف السيُاس وكان يتعمد استعراض جنود الإمبراطورية في أكثر من مناسبة.. لدرجة أن يكتب صحافي معاصر قائلا إن زائر قاهرة تلك الأيام كان يظن أن عاصمة مصر ما هي إلا معسكر كبير لتدريب عساكر الإنجليز. كرومر كان التجسيد الفعلي الدقيق، والخبيث بالطبع لنزعة الاستعلاء الإمبريالي التي كانت الطابع الشائع لمبعوثي الملكة فيكتوريا المتحكمين في مقاليد شعوب آسيا (الهند) ووادي النيل (مصر والسودان) وأصقاع شرق القارة الأفريقية (إلى نيجيريا في وسطها). الاستعلاء على الشعوب كرومر كان يطلق على شعوب هذه الأوطان وصفا أقرب إلى الرعايا الهمج.. أو بالأدق الأجناس الأصلية المحكومة.. ويرى في مقالات كتبها عام 1910أن هذه الأجناس غير قادرة بحكم طبيعتها على الحكم الذاتي دع عنك أن تنال الاستقلال.. لأنها تفتقر إلى الدقة والانضباط في شؤون حياتها وتلك شيمة العقل الشرقي (الأورينتالي)..
أما الأوروبي في رأي كرومر فهو الشخصية العقلانية الراشدة التي تستخدم المنطق وتتصف بالذكاء. لا عجب ـ يضيف كتابنا ـ أن تعمّد كرومر أن يهمل تعليم المصريين حتى كانت مخصصات التعليم لا تزيد عن واحد في المئة فقط من ميزانية مصر كلها.
ولقد ذهب كرومر ـ ولكن لم تختف دار الاعتماد التي أصبحت دار الحماية ثم دار المندوب السامي التي كان أشهر من احتلها في أربعينات القرن هو لورد كيلرن الذي ارتبط اسمه في التاريخ العربي المعاصر بإنذار 4 فبراير عام 1942 الموجه إلى فاروق ملك مصر في تلك الأيام وفيه ما يشبه الأمر من سفير بريطانيا المستعمِرة لكي يكلف ملك البلاد وزارة جديدة ترتاح إليها دوائر لندن الاستعمارية. 4 فبراير تراجيديا سياسيةحادث 4 فبراير كان أقرب إلى تراجيديا سياسية تجسد معنى الافتئات على سيادة الدول وكرامة الحكام: على مسرحها كان ثمة 3 شخصيات.. أولها مايلز لامبسون بجرمه الضخم وإنذاره المهين.. وثانيها فاروق ـ الذي نالت منه الإهانة لدرجة الانهيار النفسي حيث تحول بعدها إلى حياة الصخب واللهو والفساد، أصبح «بلاي بوي» كما يصفه مؤلفا الكتاب. أما اللاعب الثالث فهو وزير خارجية بريطانيا وقتها ـ أنتوني إيدن الذي أبرق مهنئا سفيره في القاهرة قائلا في نص البرقية الشفرية: – إن ما حققته من نتائج يبرر الحزم من جانبك والثقة فيك من جانبنا. لكن التاريخ له رأي آخر.. فلم تمض 10 سنوات وبضعة أشهر ـ إلا وتغيرت الأمور على مسرح القاهرة السياسي تماما.. كان اللورد كيلرن قد تقاعد ـ وخرج فاروق منفيا عن العرش وعن البلاد كلها إلى إيطاليا ثم مضت 3 سنوات أخرى أطيح بعدها بأنتوني إيدن شخصيا بعد أن ارتكب خطيئة تدبير العدوان الثلاثي في حرب السويس عام ,1956. بعد أن أضاف التاريخ لاعبا رابعا تولى تحويل المسار في تلك الدراما الاستعمارية بالشرق الأوسط وكان اسمه: جمال عبد الناصر. حكاية فلورا شو كان كرومر يتيه عجبا وخيلاء بمآثر الاستعمار البريطاني.. بدعوى أنه يساهم بذلك في تعزيز رسالة الحضارة وفي تمدين الشعوب. في شتاء عام 1889 زارته سيدة ناضجة جميلة.. ودار بينهما حوار عن عظمة الإمبراطورية وأياديها البيضاء على مصر (الواقعة تحت الاحتلال) ـ نشرت السيدة هذا الحوار في جريدة «التايمز» الشهيرة ـ التي أعجب أصحابها بمواهبها الصحفية فكان أن جعلوا من صاحبة الحوار مندوبة الصحيفة الكبرى في أفريقيا.. بل خلعوا عليها لقبا يسجله مؤلفا الكتاب رغم سخافته البادية وهو: المحررة الكولونيالية للتايمز وهكذا أصبحت فلورا لويس مندوبة التايمز المعنية بشؤون الاستعمار. وبهذه الصفة دخلت التاريخ مع زوجها اللورد لوجارد بوصفهما عميدي الاستعمار البريطاني في عموم أفريقيا السوداء من مناطق الوسط (نيجيريا) وحتى مناطق الجنوب (الترانسفال). وبهذه الصفة اصطنعت «فلورا شو» أسلوب التقرير الصحافي من الميدان وكانت رائدة في هذا الباب حين كانت تبعث بتقاريرها إلى «التايمز» تحت العنوان التالي: رسالة من أفريقيا.ويشير كتابنا إلى أن محرري التايمز كانوا يتجاوزون مهنيا عن طبيعة هذه الرسالة التي كانت محررتها تمزج، أو فلنقل، تخلط بين الخبر والرأي. اخترعت اسم نيجيريا كانت قد بلغت الثانية والثلاثين حين وصل المد الاستعماري في أوروبا كلها إلى ذروته.. وتجسدت هذه الذروة في مؤتمر التسابق وبالأدق التكالب على أفريقيا الذي عقده المستشار الألماني بسمارك لكل القوى الأوروبية الطامعة في موارد القارة في برلين عام 1884. بعدها لفت أنظارها اللورد الشاب لوجارد الذي كان بدوره من غلاة المستعمرين الإنجليز بعد أن نشر كتابه بعنوان «صعود إمبراطوريتنا في شرق أفريقيا».. لوجارد هو الذي عمل على استعمار أوغندا لصالح انجلترا وكان يعدها جبهة محورية على طول الطريق الإمبريالي الذي يشق القارة كلها.. بابه في القاهرة شمالا وقاعدته في كيب تاون عند أقصى الجنوب. وحين تولى لوجارد شؤون المنطقة الواسعة والمتعددة الأعراق والديانات في وسط أفريقيا.. كتبت فلورا شو تقول: أن هذه المنطقة تقع على نهر النيجر.. فلماذا لا نطلق عليها اسما يرتبط بهذا النهر.. وكان الاسم الذي صاغته الصحيفة الإنجليزية هو.. نيجيريا. كانت جميلة.. وجريئة.. وموهوبة وصديقة مقربة إلى كبار سدنة الاستعمار البريطاني في أواخر القرن 19 وعلى رأسهم تشمبرلين وسيسيل رودس. ثم اكتملت حياتها الاستعمارية بزواجها من اللورد لوجارد.. وكانت وقتها قد أشرفت على الخمسين. المؤلفان في سطور كارل ماير مولود في عائلة صحفية عريقة وقد عمل صحافيا في جريدة واشنطون بوست الأميركية وتخصص في تغطية أخبار العالم الخارجي، وفاز بجائزة صحفية رفيعة عن تغطيته أخبار أميركا اللاتينية خلال الثورة الكوبية حيث كان أول من قابل زعيمها كاسترو في جبال سييرا مايسترا.
حين كان كاسترو ورفيقه الشهير في السلاح أرنستو شي جيفارا يستعدان للزحف على العاصمة هافانا وإسقاط نظام باتستا الذي أدانوه بتهمة العمالة لواشنطون، بعدها تحول كارل ماير إلى أوروبا مديرا لمكتب واشنطون بوست في لندن فتركزت اهتماماته على قضايا الاتحاد السوفييتي والشرق الأوسط.

زار عواصم أوروبا الشرقية والدول العربية فضلا عن أن تفاعله مع أحداث الشرق الأوسط كان مثمرا إذ تم في سنوات التغيرات النوعية والكمية التي شهدتها المنطقة في عقدي الستينات والسبعينات. نال مؤلفنا درجة الدكتوراه في العلوم السياسية وعمل أستاذا لها في عدد من كبرى الجامعات في أميركا (ييل) وفي إنجلترا (أكسفورد) وهو الآن رئيس تحرير مجلة «وورلد بوليسي» للشؤون السياسية والإستراتيجية وقد شاركته في تأليف الكتاب زوجته شارين بريساك التي تخصصت في إعداد وإخراج الأفلام العلمية والتاريخية الوثائقية ونالت عنها عدة جوائز. الصفحات: 507 الكتاب: عملية اختراع الشرق الاوسط عرض ومناقشة : محمد الخولي

الناشر: نورتون وشركاه، نيويورك، لندن

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter