شخصيات بغدادية طريفة – الجزء الاول

نادية العبيدي

 

لبغداد طعم المن ولذة السلوى عند العراقيين وعرفت بأنها المدينة الاولى في طيبة اهلها وصبرهم على ما يقدر الله عليهم من بلاء وانها الارض الطيبة ومهبط العلماء والمفكرين والادباء والفلاسفة … هي ارض رائحة ترابها مسك وهوائها عنبر ومياهها انهار عسل جارية ..

لسكان بغداد الاصليين ذاكرة فريدة تحمل في طياتها كل ما يمكن للذاكرة الفذة ان تحمله . عرفت بغداد بشخصيات ربما لم تتح الفرصة للجميع ان يتعرف على لذتها من ذاك الزمن اللذيذ..وهنا سيكون القسم الاول لهذه الشخصيات البارزة وستأتي لاحقاً باقي الشخصيات.

كانت في بغداد شخصيات تتردد اسماؤهم على السنة البغداديين   الواجب علينا ان نسجل ما كان موجودا في بغداد في تلك الحقبة غثاً او سميناً فليس لنا ان نلتقط من المجتمع ما يلذ لنا ومن هذه الشخصيات التي ليست بينها رابطة وكل واحد من طراز يختلف ومنهم:

اولاًَ: توفيق اجنص:

وهو من اشهر الشخصيات البغدادية في جانب الرصافة واجنص معناها الاخبار فهو مغرم بنقل الاخبار من محل الى اخر ومن شخص الى اخر لدرجة ان جميع الموجودين بين باب المعظم والسيد سلطان علي واصحاب الدكاكين والمصالح يعرفون الخبر نفسه، وتوفيق من سكان محلة الطوب في باب المعظم وفي اخر ايامه صار وكيلاً لقبض الرواتب التقاعدية للعجائز والمسنين، الذي لايقدرون على مراجعة دائرة التقاعد التي كانت عبارة عن غرفة واحدة في شعبة المحاسبات في وزارة المالية ويديرها السيد محمد حسين النواب والد الدكتور ضياء النواب حيث كان عدد المتقاعدين قليلاً جداً وبهذه الوكالات استطاع توفيق ان يلتقط من الاخبار التي كان يحصل عليها من البيوت ما لا يستطيع احد التقاطه لذلك اطلق عليه احد الصحفيين لقب توفيق ابو هافا (هافا هي وكالة الانباء الفرنسية آنذاك) وكان توفيق بسيطاً حسن السلوك يقضي حوائج الناس بقدر مايستطيع وكان رجاؤه ووساطاته لدى المسؤولين الكبار في الحكومة لاترد.

ثانياً: جاسم ابو الهبزي

جاسم ابو الهبزي ادعى بالمراجل والشقاوة وكلما تحصل جريمة قتل يتردد على المقاهي ومراكز الشرطة ويسأل ان كان قد ذكر اسمه في قائمة المشبوهين وكان يصادق المشهورين من الاشقياء مثل ابراهيم الاسود والحجي شاكر الخياط وقد نال من التوقيف والضرب ما لم ينل مثله احد ويساق الى المحاكم ولكنه يخرج بريئاً لعدم وجود اي دليل ضده ولكنه لم يرتدع ويعود الى ادعاءاته الى ان تم توقيفه في حادث مقتل احد الشبان في باب الشيخ من قبل الحجي شاكر وعزيز الاقجم حيث اوقف لمدة سبعة اشهر وتلقى من العذاب ما جعله يتوب توبة صادقة وبعدها عكف في بيته وقضى نحبه. 

ثالثاً احمد بنية :

احمد بنية كان يلبس انذاك العرقجين وحده ويرمي اليشماغ باهمال على كتفه الايمن ويمشي مسرعاً في شارع الرشيد متلفتاً ذات اليمين وذات الشمال يسلم على الناس او الناس تسلم عليه ويسمع عبارات (استريح ابو شهاب) وجوابه الدائم (لا والله عندي شغل مهم) ولكن الحقيقة ان لا شغل لديه، وكان يتواجد دائما بالقرب من أماكن وقوع الجرائم داعياً من الله ان يتهم ولكنه لم يتهم وقد يبالغ في بعض الاحيان ويقول واليشماغ في يده دلالة على الارتباك (والله ماكو شي بس شوي جرينا اذنه) اي اشبعناه ضرباً ورفساً والناس يعرفون ان لاصحة لكلامه ومع ذلك فقد كان محبوباً عند الناس يتمتعون بأحاديثه عن البطولات والمراجل لكنه لم يشتهر عنه انه اذى او اعتداء منه او عليه.

رابعاً: عرب:

صاحب مقهى باب المعظم فقد كان من طراز آخر فهو نفاج نفاخ لايدعي البطولات والشقاوة لكنه يدعى بالحلول السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يقدمها لكبار القوم فيقول مثلاً انه كان مدعواً للعشاء عند الملك فيصل الاول وقدم له النصائح في كيفية حكم العراق او ان المندوب السامي البريطاني المستر هنري دوبس قد زاره في منتصف الليلة الماضية وشرب عنده الشاي او ان المس بل قد عشقته وراودته عن نفسها ولكنه رفض ذلك بكل اباء احتراماً للحجي ناجي وكانت هذه الاحاديث اللطيفة الفكهة تجعل مقهاه منتدى لكثير من الادباء والظرفاء في بغداد يتمتعون بالخيال الساحر لصاحب المقهى وسخريته من الاحداث كما كان يعرف وباصرار شديد كل مرتادي قهوته فان لم يكن يعرفه فانه يقدم له الشاي او الحامض مجاناً ويبدأ حديثه معه (بلا صغر بيك منو جنابك) ذلك ان قهوتي هي للاصدقاء والمحبين وستكون انت احدهم وبحديثه المعسول جلب الناس اليه وكثر المريدون اما ابنه فقد فتح مقهى في كمب الاعظمية وسماها قهوة عرب باسم ابيه المرحوم ولكن شتان مابين الاب والابن.

خامساً دعبول البلام:  

اشهر بلام في بغداد خصوصاً ايام الصيف جين ينزل الناس بالزوارق الى شاطىء الكاورية ترفيها عن النفس واكل السمك المسكوف وهو قارىء جيد للمقام العراقي وفكه ظريف وقد كفانا الاستاذ يوسف العاني مشقة الكتابة عنه تفصيلاً فقد جاء ذلك في تمثيليته المشهورة (دعبول).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter