شابات وشباب عراقيون يحولون الخردة والجدران الخرسانية الى لوحات واحلام الحكومة تغلق انفاس الناس بجدران الكونكريت والحالمون يحولونها الى اناشيد وطنية

الخردة التي تسمى “السكراب” باللهجة المحلية أشياء انتفت الحاجة لها وألقيت في النفايات، لكن بعض الفنانين يحاولون جمعها وإعادة تشكيلها في إطار فني تعبيري وجمالي.

تتميّز الأعمال الفنية المنتجة عن طريق الخردة بأنها نُفذت من نفايات الحديد بطريقة إعادة التدوير وفق قدرة وموهبة كل فنان وهو فن بدأ ينتشر بين الشباب.

يحاول الفنانون المشتغلون بهذا الفن تجميع الخردة وتطويعها باللحام لتأخذ شكلا تعبيريا يعطي إشارة ما عن الطبيعة والإنسان.

تستهوي الخردة بعض الفنانين الشباب الذين يتوجهون عادة الى جمع الخردة القديمة من المحال التجارية وورش تصليح السيارات والحدادة وعمل تحف فنية منها، ولدى بعض الشباب الفنانين القدرة على إضفاء لمسات ساحرة على الخردة وتحويلها الى تحف فنية بحرفية بارعة.

عمل بعض الفنانين الشباب من الخردة تحفا يدوية ساحرة الجمال وتصاميم فنية جميلة ومبتكرة تعبر عن حالات التحول في المجتمع العراقي.

بعض الفنانين الشباب أكدوا أن هذا الفن موجود وشائع في أوربا ولكن لا توجد نماذج عراقية منه، كما يقول الشاب عبد القادر النائب وهو صاحب ورشة لفن الخردة الذي قال إن فن الخردة فن عالمي واشتغل عليه فنانون كبار وأنتجوا تصاميم معبرة ورائعة.

ويضيف أن هذا الفن يساهم في الحفاظ على البيئة من خلال تحويل النفايات إلى تحف فنية ممكن أن تباع او توضع في المعارض وان الفكرة مأخوذة من الفن العالمي وتعتمد على  تكرير النفايات او الخردة التي ليست لها قيمة وتحويلها إلى تحف ذات قيمة خصوصا مع توفر المادة الخام في العراق بكثرة. 

النائب أوضح انه لا يوجد إطار معين أو قالب جاهز لتحويل الخردة إلى تحف فنية لأن تحويلها يعتمد على أفكار الأشخاص وتفاوت قدراتهم وأذواقهم.

ويضيف أن احد الأصدقاء دعمه بالمال والمستلزمات المهمة في العمل لكنه لم يحصل على أي دعم حكومي في مجال عمله، وهو ومنذ سنوات يعمل على تطوير نفسه وانجازه في هذا المجال متأملا النماذج العالمية لكن من دون محاولة تقليدها.

ويسهب النائب في شرح عمله قائلا إنه يقوم بجمع الخردة من الشوارع وورش التصليح ويحصل من بعض الأصدقاء على قطع الغيار التالفة الخاصة بالسيارات والدراجات النارية والمحركات.

ويشير الفنان إلى انه بعد حصوله على الخردة يفكر مسبقا في طريقة لإعادة صياغة ما حصل عليه منها وتحويله إلى تحف فنية وأشكال تعبيرية مختلفة.

النائب قال إن الهدف من ذلك هو تعريف الناس بضرورة الحفاظ على البيئة والإفادة من الأشياء التالفة وتحويلها الى أشياء مفيدة، ويعرب عن سروره لما تحظى به أعماله من قبول لدى الناس واستحسان.

وأكد عبد القادر في ختام حديثه انه يشارك في المعارض المحلية ويبيع معروضاته من دون أن يحدد لها ثمنا لكنه يترك للزبائن تقدير أثمانها.

محمد العامري زميل النائب ويساعده في عملية جمع ونقل الخردة وصف عبد القادر بالإنسان المثابر والصبور وصاحب أول ورشة لصناعة الخردة في العراق.

العامري أكد أن عبد القادر لا يتعب ولا يتذمر من عمله فهو يخرج صباح كل يوم لجمع الخردة من مختلف المناطق ويعود إلى الورشة ليقوم بفصل الأغراض وتجهيزها من اجل إعادة صناعتها بشكل جديد وجميل.

 ويبدو أن فن الخردة من الفنون غير المعروفة على نطاق واسع في العراق، فكثير من الناس يستغربون هذا الفن الذي لا يجد تسويقا له إلا في نطاق ضيق، وتعد صفحات التواصل الاجتماعي أفضل وسيلة للموهوبين لترويج منتجاتهم وأعمالهم.

عمر عبد الله شاب من مدينة البصرة حاصل على دبلوم في الفنون الجميلة موهوب هو الآخر في مجال فن الخردة.

 يقول عمر انه يحصل على قطع الخردة من أماكن النفايات المعروفة بالسكراب ومن بعض الأصدقاء الذين يحاولون مساعدته في جمعها.

بدأ عمر العمل في هذا الفن خلال فترة دراسته التي تضمنت تعليمه فن النحت ونال إعجاب وتوجيهات أساتذته، واستطاع أن ينجز أول عمل فني له من قطع الخردة ولاقى استحسان الكثيرين من زملائه في الكلية. 

 

يقول عمر انه يحب هذا الفن كثيرا وقرر الخوض فيه بعد اطلاعه على نماذج فنية عالمية في الانترنت، وانه حاول صناعة شيء يشبه ما يصنعه الفنانون العالميون من الخردة حتى تكونت لديه المعرفة الكاملة التي تمكّنه من إنتاج الأعمال بطريقة احترافية.

“من ابرز ما تتصف به هذه الأعمال هي تحقيق الصدمة لدى المشاهد والسؤال عن طريقة صنعها عبر إتقان تجميع القطع بشكل يتناسب والرؤية البصرية، وهذا العمل هو فرصة للابتعاد عن الاوضاع السياسية والأمنية المتردية في العراق وما يترتب عليها من قلق ورعب” يضيف عمر.

ويقول أيضاً إن هذه الأعمال الفنية ليست أشكالاً جميلة تعرض وتباع فحسب، بل فيها أيضاً من الإيحاءات والرموز التي تتناول القضايا الأساسية المتعلقة بالحياة.

ويبدو واضحا أن هذه الأعمال التي يصنعها الشباب لا توفر فرص عمل في بلد تنتشر فيه البطالة بشكل واسع لكنها فرصة أمام الشباب للابتكار والخلق والتطوير والتعبير عن الضغوط داخلهم.

وفي سياق متصل تحرّك مجموعة من الشباب الموهوبين بالرسم لتلوين عدد من الحواجز الكونكريتية في بعض مناطق بغداد وهم يسعون بذلك إلى منحها روحاً مختلفة وهدفا غير ذلك الذي شيدت لأجله في عزل المناطق وتكوين حاجز أمني بينها.

يحاول بعض الشباب في بغداد منح مشهد الحواجز الإسمنتية الذي يقبض النفوس شيئاً من الحياة والجمال عبر فرشاتهم والوانهم التي تحاكي عمق الحياة في أعماقهم.

وفي هذا الاطار اتفق عدد من طلبة معهد الفنون الجميلة الذي يضم رسامين وخطاطين على نفض الغبار عن جدران العاصمة وتنظيفها وتلوينها وغسل آثار الانفجارات عنها.

يشارك العديد من الشباب الذين يجيدون الرسم بحملة التنظيف والرسم هذه وجذبت هذه الحملة  كثيرا من الشباب الآخرين ممن لا يجيدون الرسم لكنهم يشاركون فيها بهدف بث الحياة في بغداد.

يعود استخدام الرسومات على الحواجز الإسمنتية في بغداد إلى عام ألفين وخمسة عندما اشتعلت نار الطائفية في العاصمة والتي دفعت الحكومة إلى تقطيع جسد المدينة وفصل المناطق بعضها عن بعض بجدران إسمنتية كثيرة.

زينب الحلي رسامة وطالبة في معهد الفنون الجميلة تتحدث عن فريقها التطوعي وتقول إنها وزملاءها يقومون بالرسم على الجدران والحواجز بعد رفع النفايات وإزالة الإعلانات الملصقة على الجدران وإعادة ترميمها وصبغها.

زينب تؤكد ان الهدف من تلك الرسوم هو الدعوة الى السلام والوحدة والتكاتف ونبذ العنف والقتل ودعم القوات الأمنية في معارك التحرير فضلا عن نقش شعارات وطنية مستقلة. 

وتضيف زينب أن هذه المبادرة الشبابية جاءت بجهد ذاتي ولا توجد جهات داعمة لها ويتم جمع المال بين الشباب أنفسهم لشراء المواد المطلوبة للرسم، لافتة إلى أن المشاركين من كلا الجنسين وحسب المواهب.

وتابعت زينب حديثها بأنها قامت برسم نوتات موسيقية تعبر عن النشيد الوطني العراقي على جدار الجامعة المستنصرية.

ليث صبري وهو احد الشباب الرسامين المشاركين بمثل هذه المبادرة قال إن الحملات تبدأ من مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك اذ يتم الإعلان عن الحملة وموعدها والغرض منها بغية فتح باب انضمام عدد كبير من الشباب لها.

ويعرب صبري عن سعادته لمشاركته بهذه الحملات الشبابية والرسم على الجدران لأنه يقدم بذلك شيئا ولو كان بسيطا الى وطنه كما يقول.

ويلفت ليث هذا الشاب المتحمس الى ان بعض المواطنين يستهزئون بهذه الحملات ويعتبرونها عديمة الجدوى وانها لاتسمن ولا تغني من جوع بسبب الأزمات الحادة في البلاد على ان سخرية البعض لا تكسر عزيمة الشباب.

ويضيف أن الهدف من هذه الحملات والرسوم هو بث روح التسامح والجمال، ويحث الجميع على الالتزام بحب الوطن والخير اضافة الى عرض مواهب الشباب في الرسم بعد الإهمال الحكومي للشباب الرسامين والفنانين.

ويستطرد في حديثه عن سرد تفاصيل هذه المبادرات والحملات بالقول إن التجربة بدأت بعد أن اتفق معه أربعة من الشباب على إنشاء صفحة في موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك أسموها ببصمة خير.

 ويصف الصفحة بأنها متنوعة وتتضمن توزيع المساعدات على الفقراء والمحتاجين والقيام بتنظيف الشوارع وتلوين الجدران والرسم على الحواجز الإسمنتية وإزالة النفايات والأنقاض.

ويواصل أن عدد المتطوعين لهذه الحملة ازداد حتى بلغ أكثر مئة وخمسين متطوعا وان هذا العدد قابل للازدياد اذ اعرب كثير من الشباب عن رغبتهم في الانضمام لهذه الحملات في العطلة الصيفية.

التشكيلية مها القيسي كانت من أوائل الشباب الذين انضموا إلى الفريق وقامت برسم ثلاث عشرة لوحة على الجدران منذ تأسيس الفريق.

تقول مها إنها تشعر بالفخر والسعادة والابتهاج لتركها رسوماتها على جدران العاصمة فهي بالنسبة لها تعني بصمة ذاتية وإنسانية في آن معاً.

ويتجمع الشباب كل شهر بعد أن يتم الاتفاق على تحديد مكان التجمع على موقع التواصل الاجتماعي والعمل الذي سيقومون به.

وبعد تسجيل أسماء المتطوعين يؤخذ من كل متطوع عشرة آلاف دينار او اكثر قليلا لشراء المعدات التي يحتاجونها بعملهم ويتوجهون بعد ذلك الى المنطقة المحددة للعمل التطوعي.

وبخصوص مدة العمل التطوعي وأوقاته تقول مها إنها قد تمتد لأكثر من اسبوعين وفي الغالب يكون وقت العمل بعد غروب الشمس بسبب ارتفاع درجات الحرارة بشكل لا يطاق.

مها تشير الى ان أكثر المواطنين لا يهتمون بنظافة الحواجز او الشوارع  ولا يكترثون لجهودهم اذ سرعان ما تعود المناطق التي يقومون بتنظيفها وتلوينها الى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة.

وعن مواضيع الرسوم التي يختارها الشباب في حملاتهم تقول مها  إنها متنوعة ومرتبطة بمعالم عراقية وبغدادية مثل الشناشيل والنخيل والمناظر الطبيعية.

وتؤكد ان الشباب لا يتركون أي حاجز إسمنتي من دون تلوين بهدف إخفاء لون الجدران الباهت الذي يبعث الحزن والكآبة.

من جانبها قالت منال الصالح التدريسية في الجامعة المستنصرية إنها تشعر بالفرح الشديد جداً لرؤيتها شبابا متطوعين يقومون بأعمال رائعة تكسي الجدران الباهتة بالجمال.

وتبين الصالح أن الورود التي تم رسمها على الجدران تحقق أهدافاً نفسية بين المواطنين  وتحثهم على ضرورة الاهتمام بمدينتهم.

وتضيف الصالح أن الشباب من الرسامين المرهفين عندما توجهوا إلى ثكنات الحواجز الكونكريتية  أرادوا أن يسبغوا جمالية الفرح على قتامة الحجر، والبهجة في عيون البغداديين التي تستمتع حتما بانعكاس صور السلام اللونيّ.

ووصفت الصالح الشباب الرسامين بانهم مقاومون اصلاء لوباء الإرهاب والتكفير والطائفية وان ليس من قبيل المبالغة أو الغلو أن تصف رسومات الشباب بأنها أجمل وأروع من جميع الرسوم لأنها نابعة من رغبة عارمة في الحب الحياة والرغبة الصادقة في بلسمة جرح العراق العميق.

شيماء مطر ناشطة في منظمات المجتمع المدني قالت انها تكبر في هؤلاء الشباب استقلاليتهم عن أي جهة سياسية او حكومية ولا هدف لهم سوى اشاعة الحب والسلام والجمال واعادة الحياة الى الشارع والغاء مظاهر العنف قدر الامكان.

شيماء أضافت ان العمل التطوعي لهؤلاء يعطي درسا رائعا في الحب والجمال والسلام والتلاحم الوطني وهذه المفردات تغيب عن كثير من اسماء المشهد السياسي.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter