سهرة على مائدة موت علي السوداني

أحتاج إلى ألف عامٍ ونيّفٍ وسبعة أيام ، ومعمل ضخم ينتجُ سجائر بغير حساب، كي يبرأ قلبي وتُستعاد روحي من ثقل جبل القهر الذي أكلتُهُ بمشاهدة فلم سهرةٍ لعين.
لا أعرف من الممثلين سوى أحدهم وقد شاهدته بغير شريط وشرائط . ما تبقى منه أربعة وهم امرأة عنقاء مثل أريل تلفزيون منسيّ فوق سطح الدار ، وشابّان من الصنف الذي يُستعان به في أفلام الشذوذ الجنسيّ المريض ، وطفل غضّ دمعاته السواخن تكاد تذيب الشاشة .
رحلة عائلية إلى بيت ريفيّ مزروع بسلام على شاطئ هادئ مثل نبيٍّ مخذول ، ماكادت تبدأ حتى ينطرق باب الدار وينفتح على منظر شابّين ملفّعين بملبوسات تشبه تلك التي يستعملها لعيبة التنس والغولف . وجهان مسالمان وكمشة جمل مهذبة ، ثم تنعطف الثيمة على باب تضاد سخيف ، فيقوم أكبرهما بكسر ركبة الأب بمضرب حاد ، لتنتج تلك الليلة أحطّ وأقسى سادية شاهدتها في حياتي . فكّرت في الهروب من هذا الشريط المنفّر صوب شاشة أخرى ، لكنّ الشابّين القذرين كانا أمعنا بتعذيب العائلة مستعملين طرقاً لا تخطر ببال حتى جند أمريكا الوغدة بمحبس أبي غريب الرافدينيّ المشهور . مع كلّ قضمةٍ من الفلم ، يتحول قلبي التعبان إلى طبل يكاد يصيح ، وتتجدّد فيَّ الرغبة لترك هذه المجزرة ، لكنني أتراجع وأواصل المشاهدة ، على أمل ملحاحٍ هو أن ينهض بطل الفلم من كبوته أو البطلة من عريها ، ويقومان بإحراق وفرم هاذين الكائنين الشريرين ، وينتصران عليهما وتكون النتيجة سعيدة كما هو حال كلّ الأفلام ، فتشفى روحي المعذّبة وأنام آمناً مطمئناً سالماً متطهراً من كل الكدمات التي خلّفها هذان النغلان على ذاكرتي .
زمان الفلم يسير ببطء ودبق ، وأنا ما زلت أنطر البطل المخلّص ، الذي لم يكتفِ بالغياب ، بل زاد في خذلانهِ ونومه وموته حتى قبل أن ينفنيَ جسده . كان عليَّ أن أخبركم بعنوان فلم السهرة وسأفعل الآن وفق ترجمتي الإنكليزية المكسّرة . ربما كانت الترجمة تشير إلى عنوان الألعاب المضحكة أو الممتعة ، لكنّ المعنى بدا سوريالياً وغير جوهري ، فملتُ الى تسمية الألعاب الغريبة أو الشاذة أو شيء من قاموس سوء الحظّ والفهم .
بدأ حفل العذاب بتخيير العائلة المنكوبة بلعبة اختيار طريقة موتها . ألتفاصيل بعد ذلك ليست مهمة . تمّ الطلب من الأُم أن تقوم بخلع ملابسها ففعلت باكية نائحة وبخاطرها انقاذ زوجها وطفلها . ضحك الشاب الأكبر بطريقة تجعلك تشتهي أن تدوس على صدره بحادلة ثقيلة من النوع الذي يستعمل في تبليط وتزفييت الشوارع . قال لها أنه كان يعرف بضمور الكيسين الدهنيين على صدرها . ربما وصفهما بالورمين النائمين تحت حمّالة الأثداء . لم يشفع للأم المهانة نحيبها ولا جسدها الذي بدا غير شهيٍّ حتى تم قتل الطفل بطلقة ضاحكة . أما الأب فقتل بطريقة غرس السكاكين مرات في أحشائه ، أما هي فأبقياها إلى أن لفظ الفلم آخر دقائقه وماتت عشر ميتات وانتهتْ مكبّلة مخنوقة ببحر الظلمات .
يا إلهي ، لقد أنهى المخرج الأدبسز ، فلمه من دون ظهور البطل المنقذ . لا روبرت دي نيرو ولا شين كونري ولا جاكي شان ولا بروس ولس ولا سلفستر ستالون ولا شامي كابور ولا أميتاب ولا ميل جبسون ، ولا حتى فريد شوقي أو شكري سرحان أو أحمد رمزي أو رشدي أباظة . انتهى الفلم بضحكة قوية من الشاذّين ، وبكآبة لن يزيحها عن صدري سبعون واحداً من نوع حمودي الحارثي وأياد راضي وماجد ياسين وعدنان أبو السمك

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter