سلطة الشعب …. وانتصار إرادة الجماهير

أ‌.      مرعي علي الرمحي

 

ترى النظرية الجماهيرية بأن السلطة هي المهدد الرئيس للحرية إذا كانت تعمل في النهاية للوصول لحكومة أو نخبة ائتلافية أو جماعة أو طائفة مصلحية ” نخبوية” وبغض النظر عن مدى إخلاص تلك الفئات للجماهير الشعبية ؛ فالحكومة تزول وتحل محلها أداة حكم أخرى قد تستبد بالجماهير وتسلب حريتها .

ويصف الفقيه الفرنسي ” فيدل ” هذا الشك في السلطة بقوله ؛ إن هنالك نوعاً من الإحساس بأن السلطة ظاهرة سيطرة إنسان على أخرين ؛ وطبقة اجتماعية على الطبقات الأخرى هي ظاهرة عفوية متجددة بشكل طردي . لذلك ينبغي استئصالها بصورة دائمة ولايتم التخلص منها الإ بالسعي الدؤوب من أجل تحطيم كل مظهر لها وحماية الاشتراكية والحرية .

 وقد تناولت النظرية الجماهيرية هذه الإشكالية المتمثلة في واقع تداول السلطة داخل المجتمعات الإنسانية من خلال رؤية عالمية جديدة من خلال ثلاثة عناصر رئيسة وهي كالتالي :

 (أ) العنصر البيولوجي – حيث تظهر حاجة الراغب في تملك السلطة تبعاً للمراحل التاريخية إلى القوة البيولوجية أو المهارة الشخصية أو قوة التأثير الدعائي حتى يستطيع أن يمتلك تلك السلطة ويتقلدها ؛ مع مراعاة أن ذلك الشخص أو النخبة أو الطائفة أو الطبقة تظل حاجتها قائمة إلى تلك العوامل حتى تتمكن من تفادي أية محاولات لسلب السلطة منها .

(ب). عنصر القوة – وترى النظرية الجماهيرية أن القوة في هذا الإطار لا تقتصر المعنى اللفظي لها أي القوة البدنية فقط ؛ بل يشمل المعنى كل قوة يمكن أن تحقق التفاف المحكومين حول السلطة ؛ ومن ثم قد تتمثل في قوة العقيدة الدينية التي تكون السلطة تجسيداً لها . بالإضافة إلى تأثير وسائل الإعلام والدعاتية التي تحوزها الحكومات المعاصرة.

(ج). عنصر العقيدة – من المهم الإشارة إلى حقيقة موضوعية مفادها :

” أنه ينتفي وجود سلطة ترتكز على القوة المادية البحتة “فلا تخلو سلطة مهما بدت مستبدة أو مطلقة من ركيزة ولو كانت بسيطة من رضاء المحكومين بها “.

ولعل هذه الحقيقة قد أكدها ” مونتسكيو” من خلال تأكيده على أنه من الخطأ أن نعتقد أنه توجد في العالم سلطة بشرية مستبدة على كل الأصعدة ؛ وأن مثل هذه السلطة لم تيوجد البتة ولن توجد على الإطلاق .

 أما النظرية الجماهيرية- فإنها تعرف السلطة بأنها : كافة التصرفات الدكتاتورية التي تمارسها أدوات الحكم اليوم؛ والإمكانات السلطوية التي تمتلكها أدوات الحكم هي التي سوف تنتقل إلى يد الجماهير بقيام سلطة الشعب “.

 ونلاحظ هنا أن التعريف الذي قدمته النظرية الجماهيرية قريب من التعريف الذي صاغه “ماكس فيبر” من حيث كونها علاقة سيطرة رجال على رجال آخرين بالاستناد إلى قوة تزعم الشرعية”.

والنظرية الجماهيرية ترغب في أن تتحول تلك العلاقة إلى شكل جديد يتمثل في علاقة سيطرة الرجال على الأشياء بدلاً من سيطرة الرجال على الرجال ؛ عندها تفقد السلطة السياسية طابعها الاستلابي القائم على مزاولتها نشاطاً احتكارياً مقصوراً على فئة محددة من محترفي العمل السياسي .. فمثل هذا الشكل التقليدي من السلطة ينحدر بالأفراد إلى مستوى الأشياء السلبية ؛ ويخدم المصالح الخاصة لمجموعة متميزة تسخر طاقات المجتمع لخدمها أهدافها المحددة . ولهذا تدعو النظرية الجماهيرية إلى زحف الجماهير على السلطة وهي تدرك في ذات الوقت “أن الأغلبية الساحقة منها غير ثورية في كل مكان في العالم ؛ فالقوة الثورية المؤمنه تكون عادة صغيرة.

فالمحرك قد يكون أصغر قطعة في القطار أو الآلة ولكنه القوة الدافعة لهذه الآلة لكي تتحرك .

وترفض الفلسفة الثورية التي قدمها الكتاب الأخضر الطابع الحزبي في ممارسة العمل السياسي ” السلطة ” على اعتبار أن الحزبية إجهاض للديمقراطية ؛ فالديمقراطية تعني وصول الشعب وليس جزءاً منه إلى السلطة وممارستها بشكل تلقائي مباشر ؛ كما ترفض الفلسفة الثورية فكرة الحزب لاعتبار آخر يتمثل في أنه قد يقوم الحزب باسم الدين في حين أن الدين علاقة فردية بين الفرد وربه لا تقود إلى السياسة ؛ بل إن إنشاء حزب باسم الدين يتناقض وماهية الدين من حيث كونه إيماناً روحياً .

وتقدم الفلسفة الثورية للنظرية الجماهيرية  مرحلة جديدة تعرف ب ” مرحلة ما بعد الحزبية أو مرحلة سلطة الشعب ” التي تقوم على مبدأ الديمقراطية المباشرة على اعتبار أن الحكم هو ” سوس الحياة الخاصة لكل فرد وبرمجتها في ظروفها المختلفة سواء في السلم والحرب في المسكن والعمل ؛ حيث يقتضي أن تقوم هذه الجماهير بتلك المهمة مباشرة دون أن تترك مصيرها يقرره لها غيرها طالما كانت حرة وقادرة على تقرير مصيرها بنفسها “. ولهذا ترى النظرية الجماهيرية أن مسألة الديمقراطية المباشرة هي بمثابة الأسلوب الذي يسود مرحلة ما بعد الحزبية ويحقق مقولة الشعب المسلح أداة الحكم ؛ وذلك على اعتبار أن الجماهير العادية قادرة على التعبير عن ” حاجاتها؛ إدارة شؤونها ؛ رسم مستقبلها للأجيال القادمة ” وليس لأحد أن يحكم نيابة عنها وان وجود حالة من التشكيك يعني تقييد حرية الجماهير وفرض الوصاية عليها .

 وفي الإطار تؤكد النظرية الجماهيرية بأن سلطة الشعب تتحقق بقيام المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية وأداتها اللجان الثورية ؛ وهي لاتقبل مشاركة جهات أخرى في السلطة لأن ذلك يعني وجود حكومة ” وبالتالي لا يمكن قيام سلطة الشعب إلا إذا امتلكت الجماهير السلطة والثروة والسلاح.

كما تؤكد أن نموذج المؤتمرات الشعبية هو النموذج الأمثل للممارسة السياسية في كافة المجتمعات الإنسانية على اختلاف أجناسها وألوانها ومعتقداتها الدينية ؛ وذلك على اعتبار أنه وفق النموذج الجماهيري فإن السلطة الشعبية يتمثل فيها الشعب بشكل منتظم في مؤتمرات شعبية يمارس من خلالها السلطة .

 أن مصطلح المؤتمرات الشعبية ليس من صنع الخيال أو من صنع طبقة أو نخبة مصلحية ولكنه نتاج للفكر الإنساني الذي استوعب كافة التجارب الإنسانية من أجل الديمقراطية ؛ بل إن السلطة الشعبية تعني مسؤولية وسيادة أفراد المجتمع ؛ وأن سيادة الشعب لاتتجزأ ولا يمكن التنازل عنها أو عن جزء منها ؛ وبالتالي فلابد أن يمارس الشعب سيادته كاملة وينفذ سلطته بشكل مطلق دون شريك له فيها . حتى ولو ترتبت على ممارستها خسائر مادية . فهي خسائر مقبولة مقابل أن تتحقق سلطة الشعب ويصبح الشعب سيداً ومسيراً لأ موره ذاتياً بدون حكومة وبدون نواب.

 وتوافق فكرة المؤتمرات الشعبية أدبيات الإسلام – فالآية القرآنية ” وأمرهم شورى بينهم “- تفسر على انها تعني أنه على المهتدين أن يتشاوروا في أمرهم وتطبيقها الصحيح هو المؤتمرات الشعبية كون أن الإسلام جماهيري بطبعه ودليل ذلك يظهر في مناسك الحج وصلاة الجمعة إلى غير ذلك من المظاهر الجماهيرية .

 ومن هنا تأتى تسمية سلطة الشعب في النظرية الجماهيرية ب ” ديمقراطية إسلامية جديدة ” تتحقق في عصر الجماهير بعد تحطيم حكم وسلطة الفرد والطبقة والعشيرة والطائفية الدينية والنخب التي تمتهن العمل السياسي داخل المجتمعات الإنسانية المعاصرة

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter