رحيل هيكل: الشاهد والضمير

كانت آخر كلمات ‫محمد حسنين ‏هيكل، قبل وفاته: “الرحلة انتهت.. لا تعاندوا القدر”.

كان هذا هو الصوت الأخير للكاتب الكبير حين توفاه الله، الأربعاء، بعد معاناة مع المرض عن عمر ناهز الـ 93 عامًا.

وبرحيل هيكل، تختفي ذاكرة عربية، عن الفعل، لكنّها تظل خالدة في أحداث التاريخ.

ومهما كان الخلاف حول مواقفه، يظلّ هيكل، “الهيكل” التأريخي الذي تقصده أجيال متعاقبة من الصحافيين، لاستشراف تجربته، والاستفادة مما تركه من أثر في البحث، والتأسيس لخبر صادق، يتجاوز كونه معلومة، إلى فائدته كنص غني بالتحليل وقراءة المستقبل.

عاش الراحل كشاهد على 70 عاما من أحرج وأهم سنوات التاريخ العربي، فعاصر النجاح والفشل، الانتصارات والهزائم، وكان في كل ذلك ، لا مراقبا فحسب، بل صانع أحداث، تارة، ومحلل لتداعياتها تارة أخرى، فاستشاره صنّاع القرار، ودعوه إلى أن يكون مشاركا فيه.

وكان الكاتب الكبير قد تدهورت حالته الصحية خلال الأسابيع الماضية، وأجرى العديد من الفحوصات، كونه يعاني من “فشل كلوي”، استلزم إجراء عميلة غسيل، أكثر من مرة، في خلال الأسبوع الماضي.

وإذ تدهورت صحته في الأيام الأخيرة، رفض تناول الدواء والطعام.

هيكل من مواليد 1923، بقرية باسوس، إحدى قرى محافظة القليوبية، واشتغل في الصحافة منذ عام 1942، بالتحاقه بقسم الحوادث في صحيفة “الإيجيبشان جازيت”، وحينما قامت الحرب العالمية الثانية، وهو شاب في العشرين، تمكّن من كتابة اسمه، بحروف من نور في عالم الصحافة والكتابة.

ويتفّق خصومه وأنصاره، على انّه كان نموذجًا للصحافي الموسوعي، والتحليلي الواسع المعرفة، فقد تجاوز دور الإعلامي التقليدي، إلى كونه محللاً وحافظاً للشعر العربي، وقارئاَ للتاريخ، ومقارباً تاريخياً.

لم ينافق هيكل على رغم الاغراءات، في المال والمناصب، وكتب قناعاته فحسب، ما اكسبه احترام الجميع، ونال ثقتهم، وكان أبرز أولئك الذين أدركوا صدقه، ومبدئيته الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر الذي تحوّل هيكل في خلال فترة حكمه إلى منظّر للخطاب القومي.

وحين غادر عبد الناصر الدنيا، ظلّ هيكل مخلصا له على الدوام، حتى عارض سياسات خليفته أنور السادات بعد فترة توافق قصيرة الأمد، ليختلف مع مزاج أنور السادات تحت وطأة حراب مؤذية، ويغادر الأهرام في فبراير 1974، وكان ذلك مدعاة لان تتعرض مقالاته للمنع.

لكنه ثأر من السادات وحاشيته حين كتب عن والدة أنور السادات “السودانية”، في كتاب “خريف الغضب”.

أول كتاب صدر له كان في 1951 حمل عنوان “إيران فوق بركان”.

وفي 1957 بدأ عمله في الأهرام وكان أول عدد يصدر تحت رئاسة تحريره، في 1 أغسطس 1958.

وفي عام 1968 أسّس “مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية”، بتشجيع من الرئيس جمال عبدالناصر.

وفي عام 1970 عُيّن وزيرا للإعلام، ثم الحقت إليه وزارة الخارجية لفترة أسبوعين في غياب وزيرها الأصلي محمود رياض.

وفي 1974 أصدر الرئيس السادات قرارا في 2 فبراير بنقل خدمات هيكل من صحيفة الأهرام إلى قصر عابدين، مستشارا لرئيس الجمهورية، لكنه اعتذر، وخرج من جريدة الأهرام لآخر مرة في 2 فبراير.

بعد 1978 سُحب جواز سفر هيكل، ومُنع من مغادرة مصر، وحُول إلى المدعي الاشتراكي بناء على قائمة أرسلها وزير الداخلية النبوي إسماعيل. وبدأ المستشار الوزير أنور حبيب، المدعي الاشتراكي، التحقيق معه، فيما نُسب إليه من مقالات في الداخل والخارج، تمس “سمعة” مصر.

وكان هيكل ظلّ رئيساً لتحرير جريدة الأهرام، 18 سنة، وفى تلك الفترة أصبحت الأهرام واحدة من الصحف العشر الأولى في العالم.

أول مقال له في جريدة الأهرام، ظهر تحت زاوية “بصراحة” في 10 أغسطس 1957 بعنوان “السر الحقيقي في مشكلة عُمان”.

وكان آخر مقال له في الجريدة قبل استقالته، في 1 فبراير 1974 بعنوان “الظلال.. والبريق”.

وكان هيكل قد أعلن اعتزال الكتابة المنتظمة والعمل الصحفي في الثالث والعشرين من أيلول عام 2003، بعد أن أتم عامه الثمانين. وكان وقتها يكتب بانتظام في مجلة “وجهات نظر”، ويشرف على تحريرها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter