رامبو سامي مهدي

علي السوداني

 

 

وهذا كتاب آخر من منزلة الكتب التي تقرأ بليلة واحدة ، لا تثنى ولا تزاد ولا تتتنبل ولا تتكاسل ولا تتبطر فتذهب الى مضيعة ، تنفر العين وتبلّد العقل وتسوقه الى مائدة القطيع . ألكتاب اسمه المختار المنتقى المصفى هو ” آرتور رامبو … ألحقيقة والأسطورة ” وثمة نصف سطر شارح دليل كما عكاز أعمى ، انرسم كي يضيء لمن يقرأ ، ما سوف يذهب اليه هذا النص الذي هو حقاَ ” قراءة مختلفة لسيرة رامبو وشعره وتفوهاته النظرية ” أما مؤلفه ومنتجه ، فهو سامي مهدي ، الشاعر الرافديني الذي لا يكتب عن هوى ، انما هو الدارس العامل الرائي الممحص الكاد الترجمان ، الذي اتكأ في هذه المعمعة المدوخة ، متكأ علم ونبش وصدق وحجة وبرهان ، فكان له ما لم يكن من قبل ، لخليل خوري وهنري ميلر وخزعل الماجدي ، وأيضاَ للفتى نصيف الناصري ، الذي شال خشمه مرة فوق حواجب ومواليد ومجاهيل جيل قصيدة النثر ببغداد ، وصاح بهم متبختراَ ، أن في خزنتي ، كلّ رامبو ، وكل سليم بركات ، وصحائف ومجلدات مدهشات ، الرب يعلمهم وانا . أيامها ، كنا عصبة طيبة بكرا ، من جلاس مقهى حسن عجمي المعروفة برصافة بغداد ، على مبعدة شمرة عصا ، أو تذويبة حفنة سكّر ببطن استكان شاي ، من ” عيون المها بين الرصافة والجسر ” وكان القياس الرامبوي قد فعل فعله وخلقه في ثلة من صبيان شعر وأغضاض أدب ، ومن صبيات غاويات تابعات ، حتى بلغنا مبلغ خلع الجورب الصوف ، وترك القدم عارية تتعفن ببطن المركوب ، وتطششنا ، ثملين منتشين حافظين مركب رامبو ، الشاعر الفرنساوي الحلو الوسيم ، ودلفنا آمنين مطمئنين سكارى ، الى ملاذات بديعة ومهاجع وغرف من مثل ، غرف ، كاظم غيلان ، وجان دمو ، ومحمد تركي النصار ، ونوري أبو رغيف ، وركن الدين يونس حمادة ، وسلام سرحان ، وكمال العبدلي ، وجواد الخباز ، وضياء سالم ، وزهير المالكي ، وحسين حسن ، وصلاح زنكنة ، واحمد المانعي ، وابراهيم البهرزي ، وعلي رستم ، ثم اتسع مشهد التشرد ، وأنرش فوق جغرافيا الشتات بعمّان وضواحيها ، فأنولدت غرف رامبوية جديدة أشهرها ، غرف ، فاضل جواد ، حسب الشيخ جعفر ، أياد صادق ، حيدر المحروق ، صاحب أحمد ، غسان مفاضلة ، نازك ضمرة ، مدين مصطفى ، محمد هبة ، كريم شعلان ، وأخريات تجر أخريات ، من بغداد ، الى أرصفة الوحشة والسماوات الغريبة ، حتى ساحت العدوى فكادت تصنع أسطورة رامبوية جديدة ، وربما نجحت بعض نجاح في هذا السعي المجيد ، مع واحد من مشاهير مدرسة بغداد للصعلكة ، أسمه جان دمو ، لكن الرجل كان خذل مريديه وجلاسه وسميّيه ، فلم يلد سوى مجموعة شعرية صغيرة بسيطة مبسطة ، اسمها الأصلي ” أسمال الملوك ” وظهرت مطبوعة فقيرة تحت عنوان مبتور هو ” أسمال ” وبها حافظ المتشرد الطيب جان ، على منزلته بوصفه ظاهرة اجتماعية فوضوية اعتراضية ، لم ينجز عظيم شعر أو كبير تنظير ، اذ تآكلت أيامه وتهتكت على رنين الكؤوس وشحة الدنانير وفقدان الأمل والجدوى ، وخدر أيام النطر ، حتى ساعة موته ودفنه في أرض أستراليا ، على مقربة شهقة من مريده ، الفتى المشاكس حسن النواب . زبدة فتح سامي مهدي هذا ، هو فض الأشتباك بين رامبو الذي تمت أسطرته على يد دراسه وفاحصيه وتابعيه ، ورامبو الذي قال شعراَ خالصاَ مصفى ، مع ملحوظة أن سامي مهدي ، لم يغص عميقاَ في بعض تاوبوات الشاب الباريسي الجميل ، وأشهرها مسألة شذوذه الجنسي ، ربما خشية من هجمات عاشقيه ومقلديه الذين يميلون الى صورة رامبوية ملائكية عاطرة سامية ، فشذوذ الصبي انما هو محض ” نزوة عابرة ” كما رأى جان ماري كاريه . هذه ليلة انطباعية مستعجلة قد تفتح الروازين على قول من قرأ وتخصص وتحت يمينه النقد المبين ، وختامها المسك هو أن هذا الكتاب قد صدر بعمّان عن دار دجلة ، التي منحتني أياه من دون قرش أو منّة أو تعبيسة أول الصباح !!

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter