رأي : مصطلح(الرواية) داود سلمان الشويلي

ان تضع مصطلح ” رواية ” ، والشيء نفسه ينطبق على القصة والشعر ، على غلاف الكتاب الذي طبعته اسهل من شرب الماء ، الا ان الصعوبة تكون ، وهي كائنة ، في متن هذا الكتاب ، في ما يضمه ، في مجريات الاحداث ، في التعامل الصحيح والفني مع الشخوص ، في الوصف ان تطلب الامر ذلك ، في تعاملك مع الزمان والمكان ، في الاستباقات واللواحق ، في ان تمسك بجمرة الموضوع ذاته ، انها صعوبة في كل شيء تريد ان تسطره في هذا الكتاب الذي اسميته ” رواية ” .

كتابة الرواية تختلف عن نقل خبر ما ، او قصة ما ، او ” سالفة ” على السلاطين او الجن ، هي ليست خبرا ينشر في جريدة او مجلة او موقع الكتروني ، انها بناء متكامل يسمى ” رواية “، فرق كبير بين ان تقدم ” قصة ” ، او ان تقدم “حكاية ” .

وعلى سبيل المثال ، ان الرواية ، كفن سردي ، تعتمد – حالها حال الفنون السردية الاخرى – اساساً ، من ضمن ما تعتمد عليه ، على عنصرين مهمين – من ضمن عناصر كثيرة – هما الزمان والمكان ، على الرغم من نسبية هذا الاعتماد ، وتأثيره في مسيرة السرد ، وان من السرود ما يعتمد اساساً على الزمن ، حتى صيّره البعض بطلاً في بعض النصوص.

وقد توصلت المناهج النقدية الحديثة التي درست النص من داخله ، الى اهمية الزمن ، كعنصر فاعل فيه ، فضلاً عن ابراز تنوعاته العديدة ، وصيغ تجلياته .
ان للزمن دور كبير في عملية السرد . اذ انه يقوم بوظيفة هامة وخطيرة ، هي وظيفة تحويل ، تحويل الحدث ( الخام ) ، أي الترتيب الطبيعي للاحداث كما جرت بالفعل ، حقيقة ام تخيلاً ، الى حدث مسرود ، اضافة لذلك ، فأن وجوده في النص ، لم يكن وجوداً مستقلاً ، ذلك لأن عناصر النص الاخرى ، ترتبط ارتباطاً وثيقاً به ، فالشخصية مثلاً ، لا يمكنها ان تعيش وتنمو وتتطور في النص خارج نطاق الزمن ومساره ، والحدث كذلك ، لا وجود له خارج النص ، اذ لولا الزمن لما كان هنالك حدثا ما ، والقول نفسه ينطبق على المكان ، وعلاقته بالزمن اوالشخصية او الحدث .
ان تنوع وتعدد اوجه السرد ، يتأتى اساساً من تنوع وتعدد بناء الزمن في النص ،
وهكذا يحظى الزمن بالاهمية ، فضلاً عن اهمية تحليله ودراسة تركيبه كما يتجلى في النص .
و علينا التنبيه الى مسألة هامة عند دراسة تشكل الزمن في ( الحكاية ) واختلافه كما هو عليه في ( القصة ) ، هي ان النصوص السردية الحديثة تقوم بتشكل زمنها بصورة معقدة جداً ، خاصة اذا كان النص من نوع الحكايات ذات الشكل السردي الذاتي الى حد ما ، و / او الذي يستخدم ضمير المتكلم في تقديم الاحداث … ويكون التعقيد شديداً عندما ينبني النص على تعدد الاصوات بتعدد وجهات النظر ، او وجهة تقديم الحدث .

اكتب هذه السطور لانه يصلني الكثير من الكتب التي سطرت على غلافها كلمة ” رواية ” وهي ليست برواية وانما هي اما ان تكون خبراً عاديا ينقل لك حادثة ما ، اوان تكون واحدة من ” حكايات جداتنا ” ، كما عند بعض كتابنا الذين عندهم ازمة في التفكير وازمة في التعبير.

لقد ساعدت دور النشر الموجودة في العراق وسوريا ولبنان على طبع مثل هذه الكتب وانتشارها ، وتقع مهمة فرز الرواية عن غيرها على عاتق النقاد ، ليس في ان نقيّم ونقوم هذا الكتاب ام ذاك بقدر ما هو دراسة الروايات الحقيقية وترك ” الروايات ” غير الحقيقة التي  تنوء تحت غائلة التفكير والتعبير.

الكثير مما تصوره كاتبها على انها رواية هي ليست كذلك ، انها تعيدنا الى السنوات الاولى من الكتابة الروائية في العراق خاصة ،  وليس الى سنوات التأسيس ، انها تسطير خبر ما عن حادثة او حوادث ،او ان يكتب مذكرات خاصة بالكاتب ذاته وقد قدمها باسلوب صحفي او اسلوب علمي جاف .

اقول رفقا بالرواية ، فالرواية فن قبل كل شيء.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter