ديمقراطيات الكوارث

النظام النيابي نظام قيصري واحد اشكال الانظمة الطغيانية

د. ابراهيم أبو خزام

صورية المجالس النيابية وهامشية دورها .
يقوم النظام النيابي على دعامة أساسية هي ممارسة السيادة من قبل نواب الشعب ، فالشعب الذي لايستطيع ممارسة السيادة بصورة مباشرة ، فإن ممارستها يجب أن تؤول إلى ممثليه على الأقل ، غير أن ما آل إليه النظام النيابي هو التنامي الشديد لدور الحكومات على حساب المجالس النيابية التي تحولت إلى أجهزة لإضفاء الطابع الشرعي على أعمال الحكومات ، فرغم الصورة البراقة التي تحاول إيهامنا بأن المجالس النيابية هي مستودع السلطة ومحط السيادة إلا أن التحليل القانوني يظهر هشاشة دور البرلمانات . إن الأمر لايستحق التفكير الواسع أو التحليل المعمق لإثبات محدودية دور البرلمانات مقارنة بالحكومات ، وهي غير منتخبة شعبياً.
إن البنيان الدستوري الحديث ، في جميع الدول النيابية ـ بصرف النظر عن أنواعها ـ يظهر بصورة واضحة وصريحة أن السلطة التنفيذية هي المحرك الفعلي للدولة المعاصرة ، فالنظرة السريعة للدستور الفرنسي تبين أن الحكومة وليس الجمعية الوطنية هي المشرع والسيد الحقيقي ، وليس للجمعية الوطنية غير دور تشريعي محدود مقارنة بتشريعات الحكومة ، وفي بريطانيا فإن الوزارة المصغرة “الكابنت ” هي السلطة الحاكمة ، وحتى الولايات المتحدة ، التي يقوم نظامها على أساس فصل السلطات ، فإن الرئيس وحكومته هما من يمارس السيادة والتشريع . إن تحليل النظم النيابية بالدقة السياسية والقانونية يظهر مزيداً من مراكز التناقض بينها وبين الديمقراطية الحقيقية ، وهي مراكز تعمق باستمرار هذا التباعد ، فظهور الأحزاب وقوى الضغط وسطوة وسائل الإعلام الخاصة وتزايد أهمية رؤوس الأموال في صناعة الحكم أضعف بدرجة خطيرة النظام النيابي و ذهب بما تبقى من روح الديمقراطية فيه . إن هذا يقودنا إلى إجراء تقييم تاريخي لأداء النظام النيابي ، من حيث تطوره أو انتكاسته ….

النظام النيابي .. مزيد من التدهور !..

كما قلت سابقاً ، فإن المضمون الديمقراطي للنظام النيابي كان ضعيفاً في الأصل عند استخدامنا للقياس التاريخي ، ومع ذلك فإن هذا النظام يسير نحو مزيد التدهور .
لقد مر النظام النيابي ـ خلال تاريخه ـ بثلاثة أطوار رئيسة ، الطور الأول هو طور البناء الذي استمر معظم القرن التاسع عشر وكانت ديمقراطية مولودة ضعيفة لكنها أكثر صفاء من نظام اليوم ، كانت نيابة صادقة وأكثر تمثيلاً للطبقة البرجوازية الحاكمة ، لم تتشوه كثيراً بألاعيب الأحزاب وسطوة رأس المال وكان يمكن أن تتطور في طورها الثاني في النصف الأول من القرن العشرين عندما وسعت حق الاقتراع العام وابتكرت وسائل جديدة للاقتراب من النظام الديمقراطي كالاستفتاء والاعتراض الشعبي ..إن النظام النيابي بدأ يتدهور بشكل شديد في النصف الثاني من القرن العشرين ليتحول إلى أحد أشكال الأنظمة الطغيانية ويتجرد من الثقة ليس من الجماهير التي أصابها الإحباط واليأس بل من المفكرين والسياسيين الذين فقدوا الأمل في تطوره ..في مطلع الستينيات كتب الأستاذ الفرنسي الأصل الأمريكي الجنسية ” أموري .د. رينكور ” كتب أحد أفضل الكتب في تقييم الديمقراطية الغربية ، كتابه ،” القياصرة القادمون ” انتهى فيه إلى أن النظام النيابي قد بدأ في التحول نحو النظام القيصري ، وهو تحول لن يتم عن طريق الثورة والاستيلاء على السلطة بالقوة أو نتيجة لطموح فرد طموحاً جارفاً ، بل إن النظام النيابي سيتحول بشكل غير محسوس للحكم الأوتوقراطي ..وتقوم أطروحة «رينكو» على المقارنة التاريخية بين ما آلت إليه الديمقراطية الكلاسيكية في اليونان إلى الحكم القيصري في الإمبراطورية الرومانية ، وما ستؤول إليه الأنظمة النيابية التي نشأت في أوروبا إلى القيصرية الحديثة التي ستنشأ في أمريكا .إن أوروبا اليوم هي يونان العصور القديمة وأمريكا اليوم هي روما العصور القديمة ، ومثلما ظهرت الديمقراطية وازدهرت في اليونان وانتكست في العصر الروماني وتحولت إلى القيصرية ، فإن التاريخ سيعيد نفسه ، فالنظام النيابي الذي ظهر في أوروبا ـ في الطور الديمقراطي الأول ـ بدأ ينتكس في الإمبراطورية الرومانية الحديثة ، الولايات المتحدة الأمريكية ، مهد الحكم القيصري الحديث .إن تحليلات ” رينكور ” لاتستند فقط على المقارنة التاريخية ، بل على التحليل المعمق لسير مؤسسات الحكم النيابي التي تميل إلي التركيز المستمر لسلطة في يد الأقلية ثم الفرد وذلك بشكل بطئ وغير محسوس ثم تتسارع وتيرته بالحروب والثورات والأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية . إن تحليلات ” رينكور ” قد صدقت تماماً عندما يقول ” سوف يظهر قياصرة المستقبل في واشنطن لافي لندن أو باريس أو برلين ” فالواقع أن النظام النيابي الأكبر قد أصبح نظاماً قيصيرياً تتركز فيه السلطة في الواقع في يد رجل واحد . إن “رينكور ” ليس مفكراً معزولاً فقد ظهرت في العالم الغربي سلسلة من الكتابات المشابهة ، وهي مازالت تتدفق ، ومن بينها ماكتب الأستاذ الفرنسي ” جان ماري جيهنيو في كتابه الشهير ” نهاية الديمقراطية ” فالديمقراطية الغربية في نظره في طريقها للنهاية لأسباب ذاتية كامنة فيها وعلل تنخرها من الداخل ، وهي في حقيقتها ، ليست نهاية التاريخ ـ كما ذهب بعضهم ـ بل إنها ليست سوى فصل من فصول تاريخ التطور البشري وتنظيمه السياسي ، لذلك فإنه يدعو إلى البحث عن نظام ديمقراطي حقيقي يقوم على أسس عقيدة جديدة تستوحى من العصر المؤسساتي الآفل ، قاصداً العصر اليوناني . إنني لاأريد الإفاضة ومتابعة مايقول أهل الفكر والسياسة في العالم الغربي عن أزمة هذا النظام ومحنته ، يكفي أن نحيل على ” آلفن توفلر ” عن تحول السلطة والحاجة إلى قفزة جديدة للتاريخ ” نعوم تشو مسكي ” في” ردع الديمقراطية ” وختاماً مايقول ” جيسكار ديستان ” في” الديمقراطية الفرنسية ” أو الرئيس السابق ” جاك شيراك ” في كتابه المعروف ” فرنسا جديدة .. فرنسا للجميع ” فكلهم يجمع على أزمة هذا النظام والحاجة إلى تغييره ، أما كيف ؟ فذلك لايعلمونه بدقة ..
عودة إلى تناقض القيم والمؤسسات .. إن مكمن الخلل في النظام النيابي والفكر الليبرالي بشكل عام هو حجم التناقض الهائل بين مايطرحه من قيم نظرية وعجز المؤسسات التي يقيمها عن استيعاب هذه القيم وترجمتها عملياً ، فلا يمكن الجدل كثيراً حول سلامة معظم القيم النظرية المطروحة في الفكر الغربي ، لكن المؤكد هو عطب المؤسسات وعدم مقدرتها على التجاوب وتجسيد ماهو مطروح من قيم نظرية وكذلك في كل الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
إننا في هذا البحث القصير ، لايمكننا عرض جميع القيم النظرية وكيفية تناقضها مع المؤسسات المقامة لتجسيدها ، ولكننا نورد بعض الأمثلة التي يصح القياس عليها لإظهار التناقض بين القيم والمؤسسات .
 المشاركة السياسية :   
تزعم النظم النيابية أن هدف النظام النيابي هو إقامة نظام يقوم على المشاركة السياسية بإتاحة الفرص أمام المواطنين جميعاً بالمشاركة في الشؤون العامة وتتضمن الدساتير النصوص الواضحة التي تعطي المواطنين حق المشاركة على قدم المساواة وعدم حرمانهم من تولي الوظائف العامة أوترشحهم للمجالس النيابية فما من دستور يحرم على المواطنين هذه الحقوق إلا بشكل ضيق ولتجسيد هذه المشاركة فقد أقيمت المجالس النيابية والحكومات للتمتع بهذه الحقوق ، وهي مفتوحة أمام المواطنين جميعاً . إن القيمة النظرية هنا سليمة تماماً ، أما المؤسسة السياسية ” المجلس النيابي “فهوعاجز تماماً عن تجسيد هذه المشاركة فحق المواطن هنا يغدو نظرياً لا قيمة له فأقصى ما يتيحه النظام النيابي للمواطن هو حق الانتخاب تعبيراً عن المشاركة ، فإذا أضيفت إلى ذلك الأعباء المالية ـ وهي كبيرة جداً ـ في العصر الحديث فإن التناقض يظهر جلياً بين القيمة النظرية والمؤسسة التي شيدت من أجل تجسيدها .
 حرية التعبير
تزعم النظم النيابية أنها نظم تضمن حرية التعبير ، فلكل مواطن الحق في التعبير عن رأيه والجهر به وتضمن الدساتير والقوانين هذه الحرية وتسمح من أجل ممارسة هذه الحرية ، بإنشاء الصحف الحرة ووسائل الإعلام المختلفة ، فالمواطن حر في إقامة هذه الصحف واتخاذها منابر للتعبير عن رأيه والدفاع عن أفكاره .
إن القيمة النظرية هنا سليمة تماماً ، أما مؤسسة تجسيدها فهي معطوبة كلياً ، فحرية إنشاء الصحف أو المجلات والإذاعات مجرد حرية نظرية لاقيمة لها في ظل نظام احتكاري من الناحية الواقعية لايسمح لغير الأغنياء بإقامة هذه المؤسسات وبالتالي فإن حرية التعبير تصبح لهم وحدهم .
 حرية الملكية :
تدعي النظم الليبرالية احترامها وتقديسها لحرية الملكية للمواطنين على قدم المساواة وتضمن ذلك نصوص الدساتير والقوانين ، فالمواطن له حرية التملك وبدون حدود ، لكن الملكية كغيرها من الحقوق والحريات لاتتجاوز الحق النظري ، فطبيعة النظام الاقتصادي الاحتكارية لاتسمح لغير القلة ـ واقعياً ـ بالتملك فهم وحدهم من يملك ومن يحكم في نهاية المطاف ، فالتناقض واضح تماماً بين الأطروحة النظرية والمؤسسة المفترضة للتعبير عنها .
إن ما عددناه ليس سوى أمثلة يصح القياس عليها ، فالخلل الأساس في النظام النيابي هو التناقض الصارخ بين قيمه ومؤسساته ، وعجز هذه المؤسسات عن تجسيد هذه القيم وتفعيلها عمليا

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter