خيالات طاهر توفيق العاني وأكاذيبه سعد محمود شبيب

العاني يزعم شتم صدام امام عبد حمود والوقوف على بابه متحديا

 

 

بدلاً من أن يكون السيد طاهر توفيق شاهدا على العصر في كتابه: انهيار العراق (المفاجئ) وتداعياته.. (فوجئنا) بالعاني وهو يجعل من العصر شاهدا عليه ومتغنيا بفضائله ومناقبه الشريفة، وعوضا عن أن يكون الكتاب سردا لسيرة البكر وصدام بقلم المؤلف، أصبح الكتاب برمته سردا لسيرة طاهر توفيق وبطولاته بقلمي احمد حسن البكر وصدام حسين اللّذين – وكما يبدو- لم يكن لهما من شغل شاغل سوى استرضائه واللهاث خلفه والتغني بصفاته الحميدة والاستنارة بآرائه الرشيدة! .

وحينَ تطالع صفحات هذا الكتاب المدهش المتناغم مع قصص الخيال العلمي، ستكتشف وأنت فاغر الفاه ان طاهر العاني عبارة عن كائن اسطوري مذهل كالعنقاء، فهو البعثي الملتزم، وهو المؤمن المتدين، البطل الجريء الشجاع الذي لا يخشى الموت ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهو المهندس الفذ والفلاح المحترف، والوزير المقتدر والمحافظ الأول والزاهد التقي العابد.. هدية ثانية من هدايا البعث للشعب العراقي، تضاف الى صدام حسين.. هبة السماء لأرض الرافدين.. على حد وصف مؤسس الحزب ميشيل عفلق لصدام! مسألة غريبة غير أن الغريب في الأمر هذا، يكمن في كون المؤلف وهو يقدم نفسه كشخصية خارقة متفردة ومؤثرة أشد التأثير إبان حكم البعث، فانه بالمقابل لم يرد اسمه في أي كتاب وُضِعَ عن تلك الحقبة ولو على سبيل الإشارة أو المجاملة، كما ولم ترد سيرته على لسان أي قيادي بعثي سابق مثل تايه عبد الكريم أو حامد الجبوري وسواهم، والأغرب: أنه ورغم كونه مديرا لمكتب البكر لسنوات طوال، إلا أن أسماء أدارت مكتب البكر ورافقته أمثال شفيق الدراجي وإبراهيم الدليمي وطارق حمد العبد الله، قد بقي صدى مواقفها يدور في الذاكرة ويقفز متصدرا كتب ذلك العصر، دون أدنى ذكر له أو لمواقفه (العظيمة) التي ادعاها، سوى وروده مرة واحدة في كتاب جواد هاشم، بطلا لقصة مخزية لا تشرفه مجرد عملية سردها.

لسنا بحاجة الى جهد كبير كي نكتشف ان السيد طاهر العاني يعاني من حالة تضخم الذات والنرجسية المرضية المفرطة، حتى تخيل نفسه بطلا مغوارا لأحداث لم تقع، لأنها ببساطة لا يمكن أن تقع، فلا تكاد تخلو صفحة من كيل المديح لنفسه بمناسبة وبدون مناسبة، إذ يصف نفسه بأنه عمل طوال حياته بنزاهة وإخلاص ونظافة يد، وانه كان يرفض المناصب الوزارية الكبيرة التي عرضت عليه بعد عزله من عضوية القيادة، كمنصب وزير العمل وأمين بغداد ورئيس ديوان الرئاسة.. في حين يبرر رضاه بمنصب محافظ الموصل لكونه يعشق أهل الموصل وتطيب له نسائم أجواء مدينة الحدباء العليلة! كما وانه – وفق ما كرره كثيرا- اعتاد على الوقوف بكل حزم ضد بعض الممارسات الخاطئة للبكر وصدام دون خوف حتى وصل به الحال لشتم صدام أمام عبد حمود طالبا من الأخير نقل شتيمته للرئيس، بل وبقي ينتظر عند باب صدام متحديا ردة فعل الأخير دون جدوى! .

غير أن الواقع يشير الى خلاف ذلك تماما، فظهوره الوحيد وهو في مواجهة صدام على شاشة التلفاز، كان وصدام يوبخه بكل عنف وقسوة في مؤتمر أمام الجميع وهو مرتعب تماما وممتقع الوجه دون ان ينبس ببنت شفة، تماما مثل تلميذ خائب كسول تؤنبه معلمته وهي تشد أذنيه، وذلك قبل ان يقوم صدام بطرده شر طردة من القيادة وتجريده من جميع مناصبه في المؤتمر القطري التاسع للحزب عام 1982!

تبلغ خيالات المؤلف قمتها حين ادعى انه كان المعترض الوحيد على استقالة البكر حتى غضب منه صدام أشد الغضب وتوعده شرا (!)، ولا ندري إذا ما كان هو المعترض الوحيد على هذه الاستقالة، فلم لم يقم صدام بقطع رأسه المبارك فورا والتخلص منه، بدلا عن تركه معززا مكرما في مناصبه بعدما ارتكب مجزرة قاعة الخلد الفظيعة وأعدم العشرات ممن يشتبه مجرد اشتباه بكونهم معترضين؟ والأدهى من ذلك ان طاهر العاني يفضح نفسه بشكل محير في الصفحة -177- من الكتاب، ولا أدرك – على المستوى الشخصي – كيف سوغ العاني لنفسه أن ينشر هذه الحادثة التي تدينه بالمشاركة المؤكدة في مذبحة عام 1979، والتي تتلخص بقيامه بنقل أخبار لصدام حسين عن وجود مجالس خمر ليلية ((للخماسي القيادي المتهم بالتآمر)) في دار محمد عايش بحضور عدد كبير من البعثيين (وقد اعدموا جميعا والحمد لله!)، وتنبيهه لصدامَ الى ان عايش كان قد أقرض أحد رفاقه الحاضرين مبلغا من المال، وهو الخبر الذي أوحى لصدام أن يصوغ قصة المؤامرة المزعومة ويتخيل طريقة تمويلها الساذجة، تمهيدا لارتكابه أقذر وأبشع مجزرة يمكن ان يرتكبها قائد بحق رفاقه دون ذنب أو جريرة.. حتى انه قد أشاد امام الجميع بدور (الرفيق طاهر) في مراقبة وكشف (المتآمرين) بوضوح تام لا يحتاج الى برهان! يتفاخر طاهر توفيق برسائل بعث بها الى صدام منذ عزله عام 1982، وقام بنشرها بعناية فائقة وهو سعيد بها كل السعادة كفصول ملحقة بكتابه، وهذا أمر أغرب من الغرابة، فهو يعتبر التقارير الحزبية التي تؤدي الى التهلكة والضياع مجرد رسائلَ للنصح والتقويم، متناسيا أنه يقوم بدور (المخبر السري) لصدام، مرتضيا لنفسه وهو صاحب التأريخ القيادي الطويل أن يمارس الوشاية الرخيصة على رفاقه بكل ما طوت نفسه من شرور، إذ يسرد لصدام في تقاريره خبرا عن ذلك القيادي الذي يبغضه ولا يرى فيه قائدا كفؤا للشعب، وذاك الذي يتراقص طوال الليل على انغام الغجر وثالث يقاسم مهربي الأغنام والماعز والأباعر مكاسبهم وسواها من التهم الخطيرة والمخزية دون دليل أو بينة، ويستغرب السيد العاني من عدم أخذ صدام بأي من أقواله، ونستغرب نحن بدورنا من استمراره بالوشاية ومحاولات الإيقاع بالآخرين لعشرين عاما برغم عدم أخذ صدام بأيّ من أقواله!!

حفل هذا الكتاب المدهش بعشرات من الأخطاء التاريخية والافتراءات التي لا يصدقها عاقل، فالرجل يجهل تاريخ وفاة البكر وإعدام صدام، ويدعي أن صدام أمر بـإطلاق النار على محمد نجل البكر نهاية عام 1978 علما ان محمدا كان قد انتقل حينها الى جوار ربه منذ عام، وهو يمتدح أولاد البكر ويصفهم بالاستقامة والتواضع والابتعاد عن السياسة، لكنه يعود ليصف هيثم بالتكبر والتعالي والعجرفة، وأنه يلتقي بالإرهابي والمجرم العالمي كارلوس ويتهامسان سرا في إحدى زوايا القصر الجمهوري! والأغرب من هذا هو ادعاؤه أن إبراهيم الداود (أول وزير دفاع عقب انقلاب 1968) كان قد اعتقل في قاعدة (H3) العراقية، بينما يعلم الجميع انه كان في جولة تفتيشية للقطعات العراقية في الأردن عند اعتقال النايف، وقد سفّر منها الى الخارج بمعونة الملك الحسين بعدما رفض اللواء حسن النقيب اعتقاله وتسليمه لسلطات 17 تموز ا.

(الاستشهاد بالموتى هي أفضل طريقة كي يصدقك الأحياء)، هذا هو المنهج الذي اختطه مؤلف كتاب (انهيار العراق المفاجئ وتداعياته)، فجميع ابطال قصص طاهر العاني قد رحلوا الى جوار ربهم بدءا بالبكر وصدام وليس نهاية برمضان وعبد حمود، وهي الطريقة الأضمن – وفق تصوراته – ليمرر مفترياته على القارئ ويحظى بمكاسب معنوية ومادية وقد مات كل من يحتمل أن يكذّبه، لكن السيد العاني نسي أمرا مهما للغاية، نسي أن الفترة التي يكتب عنها لم نزل نعيش تداعياتها ونعلم جميعا خباياها وأوزان رجالها، فهو لا يصلح شاهدا على التأريخ لأنه بقي رمزا من رموزه السلبية التي تزين أفعال صدام في الندوات والاجتماعات الحزبية حتى النهاية، وهو لا يصلح أن يكون ناصحا لصدام كون الأخير أسوأ ألف مرة ممن كان العاني يشكو سوء أفعالهم عنده، ولا يصح لمن يدعي الاستقامة والإيمان أن يتخم صفحات كتابه بالانتقاص من الآخرين ومدح النفس حد التكرار المقرف والعُجُب الذي حرّمه الإسلام وجعله من الكبائر، ولا يمكن ان تكون الأشعار وبحورها التي أقحم بها المؤلف صفحات كتابه، لا يمكن ان تكون شواهد تدعم ما جاء به، ما دام الشاهد الأساس في القضية غارقا حتى أذنيه في بحور الكذب والأوهام والخيال والهراء، والله من وراء القصد!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter