خفايا واسرار من عهد البكر وصدام القسم الاول

كيف اخفق ابن البكر في قتل صدام داخل القصر الجمهوري؟

 

صدام يقضي على معلمه الروحي وشريكه في محاولة اغتيال قاسم.

 

 

كشف صلاح عمر العلي، العضو السابق في مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب البعث في حوار صحفي عن اسرار وذكريات ومواقف واراء حيال موقفه من النظام السابق وغيره.
وقال العلي: “كنت جالساً في مكتب السيد النائب صدام حسين حين ابلغوه ان الرجل الثاني في دولة عربية يريد التحدث اليه. هممت بالخروج لكن اشارة منه ارغمتني على البقاء. تبادلا حديثاً ودياً. ولدى انتهاء المكالمة نظر صدام الي بابتسامة مغموسة بالخبث وقال: نحن رجال الصف الثاني نحرص على تبادل وجهات النظر”.
و عما اذا كان صدام يقيم فعلاً في الصف الثاني أجاب العلي: “دعني أروي لك واقعة ولك ان تستنتج ما تريد. في 1974 دخلت مكتب الرئيس أحمد حسن البكر وكانت علاقتي به وثيقة. شرحت له ظروفي وقلت انني جئت لتقديم استقالتي. نهض البكر فجأة ووقف وراء الكرسي واختلطت مشاعر الغضب والألم في عينيه. قال البكر (…) على هذه الكرسي. ما هذه الرئاسة؟ أخ ما أغباك يا أبو هيثم (عن نفسه)  كيف قبلت معهم ان تتولى هذا المنصب. كم كان أفضل لو لم تفعل”.
ويضيف العلي: “انتابتني حال من الذهول الكامل، فالمتحدث هو أحمد حسن البكر الرجل الذي يرفق اسمه كلما ورد بأرفع الألقاب الرسمية والحزبية والعسكرية. وهو رجل معروف وصاحب تاريخ ويفترض الآن انه صاحب الكلمة الأخيرة. أدرك البكر ذهولي فسارع الى القول: جئت لتقديم استقالتك؟ لا أنت تستطيع الاستقالة ولا أنا استطيع. إننا أسرى”.
وأضاف االعلي: “في السنوات الأخيرة كان البكر يعرف تماماً انه صار محاصراً من كل الجهات. كان يعرف ان ولاء حراسه صار للسيد النائب. لم يعد يجرؤ على التحدث عن صدام بشكل سلبي لا في مكتبه ولا في منزله خوفاً من ان تكون للجدران آذان”.
لا غرابة ان يغدر الرجل الثاني بالرجل الأول، لكن ما فعله صدام مع الرجل الذي رعاه واتكأ عليه يفوق الوصف فعلاً. كان صدام يأمر وسائل الاعلام بتبجيل “الأب القائد” لكنه كان يعمل لنزع ما تبقى من أنياب لديه. وكان البكر يتألم صامتاً فقد صار رئيساً للجمهورية في عهد نائب الرئيس.
وكشف العلي ان محمد النجل الثاني للبكر أدرك مبكراً خطورة صدام، وكان يردد باستمرار: “لن يقتله أحد غيري سأخلص الشعب العراقي منه”. ونقل عن مصادر وثيقة جداً ان مشادة وقعت في القصر بين محمد وصدام شهر خلالها الأول مسدسه واطلق النار. لكن حظ محمد سيء كحظ كل من عارضوا واعترضوا. ذات يوم اعترضت شاحنة سيارته فقتل مع عائلته. قصم “الحادث المؤسف” ظهر “الأب القائد” الذي توجع بصمت.
وروى العلي  قصة عن واحدة من ماسمي بالمؤامرات الكبرى والتي سميت مؤامرة اللواء عبدالغني الراوي والتي تبعت الإعلان عنها إعدامات : قيل إن تلك المؤامرة مجرد أكاذيب ومفتعلة. قصة المؤامرة حصلت في 1969. أحياناً تدعوك بعض الوقائع والكتابات إلى التشكيك. خدمة للحقيقة سأقول الآتي. في 1992 ذهبت إلى السعودية لتأدية مناسك العمرة. بالصدفة التقيت عبدالغني الراوي الذي كان خارج الجيش لدى تسلمنا السلطة. جلسنا وإذ بعبدالغني الراوي يحكي لي القصة كاملة من باب الأمانة للتاريخ. روى لي تفاصيل المؤامرة بالساعات والأسماء، وهي مؤامرة كان يقودها ضد الحزب مع مجموعة من الضباط والمدنيين بدعم من الاستخبارات الأميركية. قال لي الراوي إن إيران كانت طرفاً في تلك المؤامرة التي استهدفت إطاحة النظام. عندما أعلن عن المؤامرة كان الراوي خارج العراق. طبعاً الراوي معروف بانه تولى منصب نائب رئيس الوزراء في عهد عبدالسلام عارف ووزير زراعة ثم تقاعد.
ووفقا للعلي واستنادا للرواي فان الانقلابيين أعدوا لعملية عسكرية ضد النظام. اكتشفت الخطة فاعدم عدد وسجن عدد آخر. هذه العملية كتب عنها الكثير باعتبارها محاولة من البعثيين لتصفية بعض الناس. أنا شخصياً كدت اقتنع بهذا الكلام وقلت اننا ربما استغفلنا يومها وصدقنا الرواية. إنها الصدفة جمعتني بالراوي. قال لي إنه كان يتردد مع آخرين، أورد اسماءهم، على منزل شاه إيران وكان يطلب منهم أن يتصلوا بزعماء عشائر وشخصيات كردية لتحضير الجو للعملية.
قصة انكشاف المؤامرة نفسها غريبة. كان عبدالغني الراوي يتصل باثنين من العسكريين ويكلفهما مهمات في إطار هذه المؤامرة. لم يخطر بباله أن الاثنين ينتميان إلى الحزب وأطلعاه عليها. طبعاً لم يعد ثمة مجال للتشكيك. أي مصلحة للراوي أن ينسب هذه المسألة إلى نفسه إن لم تكن صحيحة. قال الرجل إنه كشف الأمر لي أمانة للتاريخ. إن نفي وجود مؤامرات بالمطلق غير صحيح تماماً كنفي وجود جواسيس. أما أن يكون هناك من ظلم فإنني لا استطيع أن أؤكد أو أنفي. وعن استبعاد عبدالرزاق النايف بعد انقلاب 17 تموز 1968 قال العلي: بعد التخلص من رئيس الوزراء عبدالرزاق النايف ومجموعته تغيرت تركيبة مجلس قيادة الثورة. رفض النايف تولي منصب سفير وذهب إلى بريطانيا. أما وزير الدفاع عبدالرحمن داود فقد عُيّن سفيراً في اسبانيا لفترة ثم غادر إلى السعودية. بعد وقت قُتل عبدالرزاق النايف في لندن. من خلال ما سمعته فهمت أن المخابرات العراقية قتلته. اعتقلت السلطات البريطانية أشخاصاً وأبعدت عدداً من العاملين في السفارة العراقية في لندن. وهناك شخص أمضى فترة طويلة في السجون البريطانية ولا أعرف ان كان افرج عنه أم لا.
واضاف العلي:على مدى 34عاماً قتل كثيرون. عشرات من قياديي وكوادر حزب البعث قتلوا. وقتل أشخاص عدة ممن شاركوا مع الحزب في السلطة. أما إذا أردنا الحديث عن القتل عموماً، فيمكن الحديث عن عشرات الآلاف  ومن ابرز الذين قتلوا على يد النظام عبدالكريم الشيخلي الذي كان عضو قيادة قومية وقيادة قطرية وعضو مجلس قيادة الثورة وتولى بعد 30 تموز 1968 حقيبة الخارجية ، وقد ادخل الشيخلي إلى السجن ثم افرج عنه. بعدها بفترة قصيرة كان متوجهاً مع زوجته وأطفاله إلى دائرة الكهرباء لتسديد فواتير. اوقف السيارة وحين غادرها اقترب منه ملثمون وأردوه قتيلا.

وتابع العلي: ان الشيخلي كان من الأصدقاء التاريخيين لصدام. نحن نعرف هذه العلاقة. كان الشيخلي بمثابة الأب الروحي لصدام. رجل مثقف وبنى نفسه بالجهد. واسع الاطلاع على أمور كثيرة. ذات يوم وخلال إحدى الرحلات كان معنا قائد القوة الجوية العراقية نعمة الدليمي، وهو ضابط مشهود له بالخبرة، وحصل نقاش بينه وبين الشيخلي حول الطائرات العسكرية ومزاياها. اذكر أن الدليمي قال للشيخلي في آخر الحديث: “ادهشتني دقة معلوماتك وانني اتساءل لماذا عينت أنا ولدى القيادة من هو أفضل مني”.  ، كان الشيخلي صاحب ثقافة واسعة. في الأوقات الصعبة وحين كنا نحتاج إلى إعداد تقرير مهم ورفيع المستوى كانت المهمة توكل إلى الشيخلي. ونظراً لما كان يكنه لصدام كان الشيخلي يساعده ويوسع آفاقه.
وعن سبب استبعاد الشيخلي من مناصبه قال العلي: لفهم هذه المسألة لا بد من العودة إلى المشكلة الأم، وهي اتفاق البكر وصدام استناداً إلى صلات القربى، على استبعاد أي شخص قوي يمكن أن يشكل بديلاً أو يطالب بأن يكون شريكاً. اتفقا على الامساك بالسلطة من دون أي شريك ، وكان عبدالكريم الشيخلي من عائلة معروفة في بغداد. رجل ذكي وشجاع ومطلع. شارك في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم مع صدام وهربا معاً إلى دمشق. علاقتهما كانت قوية وحميمة. والشيخلي نفسه كان يقول نحن شخص واحد في جسدين، أي روح واحدة في جسدين. كان يستخدم هذه العبارة لكن كل ذلك لم يشفع له لاحقاً.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter