خطاب شعري يريد صاحبه أن يفهمه الجميع قيس مجيد المولى

عندما تكون حركة الشاعر داخل النص وضمن معطيات موجوداته التي بنى عليها نصه، فهو ينحاز كلياً الى يقينه الشعري في وجوب تسطيح المؤثرات الأخرى التي تُخرج النص خارج كيانه المتمثل بالقبض على الفكرة وعدم النزوع الى تشعبات خارجة عن المضمون، حيث ارتأى الشاعر أن يكون خطابه في إيصال قضيته الوجدانية خطابا لتعنيف الذات.

يختار كامل سواري ضمن مركز اللغة (حيل وياي) وهما مفردتان لا تحتاجان لدالة لتعريفهما كونها ضمن الموروث من التراث الشعبي، وكذا شيوع استخدامهما لتأنيب النفس.

وتشكل (حيل وياي) الشريان الناقل لدم جسد النص أي من خلالهما يتم إثراءه دخولا وخروجا وتوقفاً ومستويات أخرى تقريبية من المتحول، المتحول نحو البعض من الإستذكارات التي تعني فرضية الخسارات المسبقة وما تعنيه من العيش في مساكن الأحلام بدلا من إدراك الواقع.

يستمر كامل سواري في تجواله مع نفسه ومع الآخر عاكفا في كل مشهد شعري على الإنصياع لندم الذات وإحلال توابع الصور الشعرية بعد كل توقف أو ابتداء في تكرارية مفيدة لــ (حيل وياي)، ويمكن تعقب انزياحات المعنى ثم ترابطه ثم التقنين في الإيقاعات الموسيقية كي يكون مستوى التأثير الصوتي ذا نبرة استعطافية لدى المتلقي حين يرسل الشاعر رسائله تلك مغتنما فرصته في مساحة شعرية واسعة بفعل المد العاطفي وإرهاصات الولوج الى المشاهد المؤثرة للشعور بالوحدانية أمام نكوص الآخر وفوقيته.

إن الشاعر قد تحدث شعرا وأطلق مخبوءة من الاحتضارات النفسية، وقدم لغته التي عنت وسيلته للتخاطب، وكأنه ضمن ذلك يقول هذا أنا فما ترون:

حيل اصيحن حيل …..

لا بهداي

حيل وياي

تيهت الشريعة

وعانديت الماي

حيل وياي

لأن فرجه صرت

للرايح وللجاي

لان مافكريت

وتيهيت الراي

كبل ماعرفتك اغني

ومن عرفتك بطليت اغناي

وكبل ماعرفك

فلا مرة بجيت وجربت مبجاي

حيل وياي

على لمعة سراب الماي

بيدي وطشريت الماي

غراني هواك

وخادعاني هواي

لا شفت الثريا الفوك

لا شفت الثرى الجواي

إن العثور ضمن النص على مؤثر ما يعني أن هناك مؤثرات أخرى تقود إلى استكمال الصورة الجمالية لبنية النص وليس لأجزاء منه، ويتطلب ذلك التوقف عند الصور الشعرية التي تشكل روابط لبعضها البعض وليست روابط إنفصالية مبعثرة، ونجد أن سواري ضمن (حيل وياي) قد ركز على هذه المداولة ووضعها بالحسبان إستنادا لموضوعة النص ومتطلبات اشتغاله سواء بما يعزز قيمتها كمتداول موروث أو قيمتها بما يريد الشاعر إنتاجه من خلالها.

فالنص هنا غير متشعب وفيه قدر فعال من التركيز، والنص رغم رومانسيته ليس فضفاضا بل مشحونا بالشحنات العاطفيه، ومعبرا عن إيضاحات أراد الشاعر تقديمها للقُراء، أعني هنا أن الشعر الشعبي يستطع مجاراة النفس البشرية وتحقيق وحدة الإتصال ما بين الطرفين عبر تقديم إغراءاته وتجنيد ما يمكن من القدرات الخلاقة وأسئلة الذات، ولا شك أن هناك شيئا من المؤانسة، شيئا من التبجيل للذات المندحرة، شيئا من توزيع الهموم على مساحة النص:

حسبالي صدك هاي الحياة

وانت اعز مثواي

عمت عيني غشيم

و تيهيت الراي

يا اهات …

ياويلات…

ياسهر بليالي شتاي

والشوغات واللوعات

والنار التشب بحشاي

حيل وياي

يا اصبع ندم…

يالوم …ياممشاي….

حيل وياي ….حيل وياي

يقوم تأكيدنا على صحة تجوال الشاعر في محيطه الشخصي مما أراد من اللغة أولا ومما أحسن في تنظيمه كردود أفعال متزنة وهادئة رغم إطارها الحزين ومضامينها المؤلمة متحمسا لمسافاته لإخصاب لحنه الرثائي الموسيقي تاركا للمخيلة التحسس بأفعالها المؤثرة ضمن مستويات غير محدودة لقدراتها التهيجية وهو يقدم مقدماته التي يريد أن يفهمها الجميع.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter