حياة قيد الاعارة

ذكرى محمد نادر

 

اليوم ذو نهار مذهل تلاحقت فيه المفاجآت ، ولفرط غرابتها ارتعش باهتياج، وسرور نهضت كما افعل عادة منذ سنوات القرون الخشبية كانت السماء لما تزال بعد مفرقة بظلام شفيف ، ولمحت من خلف الستائر مجاهدات الخيوط الشمسية للانطلاق أشعلت عود ثقاب للموفاة وأعددت الشاي… ثم… حسنا هل أتابع أم أنه مضجر كم أن أعيد تفاصيل كل ما فعلته في صباحي الباكر ، ليس هناك من أجد لا خاطبه ولكني اعتدت أن أخلق مني صديقة أحدثها، وبما أنه نهار مذهل.أنه سيحتاج إلى آلف صديق لسمعني بوسعي أن تتحدث ما شئنا عن صباح مختلف، وهو صباحي بالتأكيد سيلذ لي حتما أن اسمع شيئا عن صباحات الأصدقاء وثرثراتهم، كفت استعد بحذر وحرص شديد في أناسا لا صاحبهم وبما أني لم اسمع شوى من أحد، وأن أي مخلوق لم ينتبه لغياب أو فقدان شيء منه فقد رأيت من الأفضل أن استمر بعملي، وسأعيد كل ما اشعر به (كما أفعل دائما) بأمانة ودقة إلى مكانه القديم . لقد احترفت بعيني أتقنتها ، لكم أن تثقوا بهذا فهو ليس وليد اللحظة بل له تاريخ طويل معي .

بعد أن غابت أمي قالت جدتي لأبى :

-(أنها ذهبت لشانها مع عابر سبيل!)

فشقيت سؤ حظي أني أشبه أمي كثيرا، زعموا أن لي عينيها ولون بشرتها، فحملني هذا عذاب مروعا من جدتي . كانت تصرخ بي:

– أنت كأمك !

الحق اقل لكم أني لم افهم خطيئة – أن أشبه أمي – لكني كرهت أمها ولم اصبح أما … أنا أعرف كيف .. اسمحوا لي أن احتفظ بسري هذا فهو خطير جدا ! كما أنه من يثرثر بأي حال من الأحوال في صداقتنا، إلا أنني اعتنيت كثيرا بأخي الصغير الذي لم يعد موجودا الآن.

عدت من مدرستي في ظهيرة مريرة.. كانت جدتي تولول وتضرب رأسها، وأبي يسعل، ويمسح دموعاً تجري فوق صفحة خده الملئ بشعر خشن.. فراش الصغير خاليا، ناضلت كثيرا لكي استعير فراشه، لكنهم منعوني كنت أريد أن أتشمم فيه رائحة لعبتي اللطيفة، بشعرها الناعم، وطلباتها التي لا تنتهي، وكلما مدت إلى وسادته الناعمة .. تسربت إلى كيف تلك الحمى التي عصفت به .. قيل أنها هي الاشتياق لثدي الأم . لن أفرض عليكم أن لا تلدوا أطفالا، لكني أنصحكم أن لا تدعوهم يشبهونكم، كانت جدتي من خلف أسنانها المتهدمة المحروقة تصرخ بي:-

– هيه أنت يا شبيهة أمك اتركي الصغير بسلام..

اذكر، أصابعه الوردية النحيلة تناديني ..(تعالي!)

ليس هذا من أريد أن أحدثكم به ، أنه لسبب لا أدركه يؤلمني نتحدث عن صباحا المختلف .

– ياله من برد لذيذ

احب البرد .. ليس البرد تماما هو ما احبه .. بل تلك القشعريرة التي تدفعك للبحث عن الدفء حين ابرد .. هكذا يبدو لي كأني احتمي بحنان النار فهي تحمل حرقة حانية، فتمضي خيول الحلم تحمل توقي إلى غابة، وموقد حجري، وجمر يهسهس، وحكايات تشوي الزمن القاتل، تلذغ فراغه تكوي غياب البشر والكلمات.

رن الهاتف وقال صوت : – صباح الخير .

أنه هو .. يا اله الرحمة .. أنه هو لا أستطيع أن أجزم تماماً، لكنه صوت يشبه صوت الرجل الذي استعرنه من التلفاز لأهواه. أتظنون أنها سذاجة ؟ لا بأس .. لكم هذا، لكن كان يسليني، اسمعه يقرأ لي وحدي تفاصيل نشرة الأخبار، وأن أقرأ تقاطيع وجهه، وأبدا بحل تفاصيل نهاراته ، وأخمن أنه كان متعبا، أو سعيدا .

أصنع له قهوته وأجلس وإياه نتحدث طويلا عن العالم بقطيبه فهو غني بالأخبار ، لكني بأس شديد كفت عن استعارته . فقد نظرا لي زوجي (هكذا يطلقون عليه اللقب واسميه الرجل الذي استعارني) ذات مرة نظرة صارمة تحمل معنى مرعب وقال .

– سمعتك تتحدثين .. مع من يا ترى .

انخسف قلبي المتوجع، اعتصرته قبضات الخوف لا شيء من الكلمات أنساب على لساني، وشفتاي ترتعشان.. من أين له أن يعرف أني استعرت رجل الأخبار؟!

حرضني ذكائي على الصمت، فلا أظنه يملك يقينا قاطعا، والا لكان الأمر مختلفا .. ومع هذا وتحسباً لما قد يطرأ من مجازفات غير محسوبة .. توقفت لم اعد اجلس أما الشاشة لا تابع الرجل الذي منحني العالم، ولا أبتسم له حينما يتمنى ليلة سعيدة. كانت خسارتي له مؤلمة.

كيف حصل على رقم هاتفنا مرة أخرى أعد اصدق :- صباح الخير .

أقفلت الخط بجنون همجي، كلفني سعادتي الطاغية.. في أن اسمع صوته طازجا ينساب إلي وحدي، لم أقو على الإجابة لا امتلك الشجاعة، قد أفكر أن أستعيرها من أحدكم وسأعيدها بلا شك . بإمكانكم أن تثقوا بهذا…

اسمحوا لي أن أتغيب قليلا فقد حان وقت أعداد الرز العصافير على السياج تلتقط الفتات الذي نشرته لها فغط أجنحتها مثير للدهشة، والفرح .أنها تلتقط الفتات، وعيونها تدور بحذر.. لن أغيب طويلا .. سأضع القدر على النار وأعود، فليس هناك أمتع من حديث مع الأصدقاء عندي لكم غير مذهل . اكتشفت رسالة حب بالمصادفة، حدث هذا عندما كنت أرتب مكتبة ابنة زوجي، أنها من مرحلتها المتوسطة، تماما في عمري نفسه حينما استعارني أباها، وتخيلت كم من المرات مسحت عيناها الكلمات، وتذكرت الفتى الوردي الذي كان يسقط رسائله الصغيرة.. قرب قدمي المتسببة.. كنت أراه في أول الشارع ينتظر بغير ملل كل يوم، يحمل كتبه.. في الموعد نفسه.. اعتقد أنه كان يكبرني ببضع سنوات، في الليل في ينام أبى، ويرتفع شخير جدتي، كنت أراه مختبئا تحت الوسادة بصوت هامس متشوق اسمعه يخاطبني، ألا أني لا أنبس بحرف واحد. لئلا يسمعني أحد

اعذروني لحظة علي أن أتفقد الرز، أخشى أن يحترق فيغضب زوجي.. أنه يلقبني ب(المعتوهة).. انتم تعرفون أني لست كذلك، ولا أبه كثيرا لما ينعتني به.. حمقاء.. بليدة.. نفاية.. لا شيء من هذا يؤلمني. أترك كلماته تنساب بعيداً عني.. سمحت لنفسي أن تخترع قناة خارجية أدفع عبرها كل ما يؤلمني. الرسالة التي كتبها فتاها لم تك معطرة كرسائلي.. أنها مكتوبة بخط ردئ، لكنه حنون قال لها : يا ملاكي .. زهرة عيوني وحياتي.. ترى ماذا كان في رسائل الفتى الوردي؟

قرأت رسالتها مرات عدة لم اشعر برغبة في استعارتها.. لم؟ و ما أدراني بإمكاني أن اشعر لا أن أفسر، أعدتها أن مكانها، لها أن تطمن فأنا لن أبوح بسر فتى الناصية، والرسائل لوردية.

لم يتبق الكثير من الأعمال سأضع الغسيل على الحبال، وأعود. سأعد لكم شاياً. عندي شجرة توت لا تثمر، لكنها وارفة ملئيه بفوض العصافير، وضعت تحتها معقدا لي، أنه ملكي صنعته بيدي، وأحبه كثيرا سأدعوكم إلى جلسة مريحة تحت ظل الوارفة العملاقة غابتي السحرية..

لا بأس.. ما تزال الشمس لذيذة الدفء بإمكانكم أن تستمتعوا بضجيج دفئها.. سأعلق الملابس على الحبال، و أحدثكم عن نهاري.. أنه نهار مذهل ألم أخبركم بذلك

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter