حوار العوائل نافذة سعادتها

هل يمكن القول إن البيوت السعيدة هي البيوت التي لا صوت لها كما قال الدكتور مصطفى محمود في كتابه “الروح والجسد”، ونذهب بعيدا في التهويم اللغوي والنفسي ونقول إن المحب قادر على السمع بلا أذن والكلام بلا نطق؟ وهل يستطيع المحب الصامت أن ينقل مشاعره وحبه إلى الآخر بدون لغة تعبير، خاصة وأن الكلمات هي الوسيلة الأسرع والأكثر تأثيرا في النفس، وهل يمكن اعتبار اللغة بين المحبين أداة تضليل وحجب والتباس فهي لا تترجم الأحاسيس والمشاعر، ولا تدل بصدق على مكنونات ذواتنا تجاه الآخر خاصة عندما يكون حبيبا أو شريكا.
هذه أفكار تهويمية في الحقيقة بعيدة كل البعد عن الواقع، ولا يعني الصمت في البيوت بين الأزواج إلا بداية النهاية، فما أن يصمت أحد الزوجين في البيت وغالبا ما يكون الزوج ويصوم عن الكلام حتى يواجه بسيل من الاتهامات من الزوجة، فالصمت هنا لا ينقل إلا مشاعر الإهمال وردة الفعل الصارخة في البيوت، وتشتعل معركة بين الخرس والصراخ، ولا يفوز فيها غالبا إلا القطيعة.
الصمت أو الخرس الزوجي ظاهرة أو لنقل مرض يصيب العلاقات الزوجية بعد سنوات قليلة من الزواج، حيث يفقد الزوجان اللغة للتواصل مع بعضهما، فيصبح الملل والسكوت العلامة الفارقة في غرف البيت، ويصم الرجل غالبا مسامعه ويغلق فمه عن الكلام، فيما تواصل الزوجة الشكوى وتحاول جاهدة استنطاق الزوج، ومع مرور الوقت وتمكن اليأس من الزوجة يصبح الصمت سيد البيت، وتصاب العلاقة الزوجية بالفتور الكامل، ولا يعود عند أحد الطرفين الرغبة في فتح الباب لأي حوار سوى ما يخص متطلبات البيت والأولاد.
تنشأ هذه الحالة الزوجين حين يسيطر الروتين على حياتهما، وينشغل كل واحد فيهما بعمله أو بالأولاد، ويهملان تماما متطلباتهما الروحية والنفسية والحاجة إلى خلق حوار خاص بينهما، فاللغة هي وعاء التعبير، والكلام هو الطريق للانسجام والتفاهم وإذا فقد بين الزوجين فقدت الوسيلة إلى معرفة احتياجات ورغبات الآخر.
وتظهر هذه الحالة أحيانا بين الزوجين عندما تختلف ثقافة واهتمامات كل منهما عن الآخر لعوامل كثيرة منها فارق العمر بين الزوجين أو اختلاف مستوى التعليم بينهما أو اختلاف التربية التي تلقاها كل واحد منهما، وهنا يشعر المتكلم أن المخاطب لا يصل إليه أحيانا ما يريد إيصاله من حوار ما، وأن الكلام لا طائل منه فيصمت، ويفضل الخرس على الثرثرة التي يرى فيها مضيعة للوقت.
ويصاب أحد الزوجين بهذا المرض بفعل عامل الخوف، الخوف من عدم تفهم الآخر لكلامه، وعدم إيلائه الاهتمام والانتباه وبالتالي يفضل الصمت على الشعور بالإهمال، وخاصة إذا كان الكلام يخص مشكلة ما او صعوبات فإنهما إيثارا للسلامة وبعدا عن الخلافات والنزاعات يؤثران الصمت ويكبتان تداعياتهما ولا أحد يبوح فيهما للآخر.
اختلاف الطباع بين الزوجين يعد من أسباب الخرس الزوجي، فإذا كان من طبيعة الرجل قلة الكلام والصمت غالبا فإن المرأة غالبا تميل إلى التعبير بالكلام أكثر من الرجل، فإذا كان أي واحد منهما يتمتع بطبيعة صامتة أو انطوائية بعيدا عن أية أسباب أخرى، والآخر يتمتع بطبيعة تستسيغ التعبير الكامل بالنطق الدائم فصمت الآخر يثير التدهور في العلاقة تماما مثل ثرثرة الآخر ورغبته في الكلام.
يقول خبراء شؤون الأسرة إن تبادل الحوار بين الزوجين يعد من أقصرالطرق إلى قلب الزوج، فالكلمات البسيطة تشعر الآخر بأنه موضع اهتمام وحب وتمنع تسرب الملل إلى حياتهما، وقد تكتشف الزوجة من كلمة عابرة تقولها وتشد انتباه الزوج ويعلق عليها مثلا بها أنه يعاني من مشكلة ما قد يجد صعوبة في مناقشتها في حوار جاد، وقد تمتص الكلمات أي شعور بالضيق أو الغضب لدى أحد الشريكين أو كليهما، في أعقاب حدوث خلاف حاد بينهما.
كما يفيد الكلام عن الأحداث اليومية البسيطة كما يقول خبراء الأسرة، في تخفيف التوتر الاسري والقلق الذي ينجم غالبا من شعور الزوج أو الزوجة بالخوف من مستقبل العلاقة بينهما ويتيح الحوار بين الزوجين معرفة أبعاد جديدة في شخصية الشريك الآخر ووجهات النظر وأحاسيس معينة تجاه موضوع الحوار.
ويقترح علماء الاجتماع أن على الزوجين إذا لاحظا تسرب هذه الحالة إلى حياتهما أن يحاولا قدر الإمكان التقرب إلى بعضهما من جديد، ويحاولان اختيار وقت أسري ملائم لفتح حوار بينهما عن ألاسباب التي أوصلت علاقتهما إلى هذا الصمت.
وعلى كل منهما البحث ضمن هذا الحوار عن أهم مسبب جعل الآخر يتفادى الحديث معه، ويحاولان معا تفادي المسببات، وكسر الروتين اليومي بالتغيير في شكل التواصل، وشكل التفاصيل اليومية ويحاولان تجديد المشاعربتقديم خطوات من كلا الطرفين.
ويشير الخبراء إلى أن الحوار له تقنيات معينة حتى ينجح ويوصل هدفه إلى الطرف الآخر، فمكان ووقت الحوار عامل مهم في إنجاحه، كما أن على المتكلم أن يسعى إلى استعمال حواسه جميعها في الحديث،فالأذن والعينان والشفتان واللسان وحركة اليدين جميعا وسائل مهمة في الحوار وتدلل على الاهتمام وعلى رغبة الزوج أو الزوجة في إيجاد صيغة للتفاهم.
والإصغاء الجاد أيضا من العوامل الهامة في جلب الانتباه وترسيخ الاعتقاد بأهمية وجدية الحديث، والرغبة في التواصل وإنهاء القطيعة الكلامية، والإصغاء بالضرورة لا يشمل فقط الإصغاء للحديث وإنما يشمل الإصغاء للغة الجسد في التعبير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter