حمورابي يزوج شباب العمارة!


عبد الامير المجر

في العام1984 قرأت كتاب (قصص القرآن) لمؤلفه جاد المولى علي جاد المولى، وبينما كنت
مستغرقاًَ مع القصص التي كنت أعيش تفاصيلها القادمة من أعماق التاريخ، توقفت عند سطر، وردت فيه عبارة وضع عليها المؤلف جاد المولى اشارة، تحيل القارئ الى شرح اسفل الصفحة.. كانت العبارة هي (نول) أما الشرح الذي جعلني أندهش، فهو ان مفردة (نول) تعني في اللغات القديمة ، الاجرة! والقصة التي هي قيد الشرح، تدور احداثها في العراق طبعاً، ومرجع دهشتي هي ان العجائز عندنا في قرى جنوب ميسان وما يجاورها، يسمين الاجرة (نول) وهذه التسمية مازالت تسري على ألسنة الباقيات منهن على قيد الحياة حتى الآن، وقد كانت هذه الاشارة التاريخية احدى البراهين التي تدلل على أصالة أهل تلك المناطق وعدم مجيئهم للعراق في القرون العشرة الأخيرة أو قبلها بقليل كما يذهب البعض ممن يتحدثون عن أن عرب العراق، جاؤوا من الجزيرة العربية واستوطنوا المناطق التي هم فيها الآن، بعدما يسميه البعض بـ(الغزو العربي للعراق!!) ممن لم يقرؤوا تاريخ العراق جيداً وكيفية تنافذه الأزلي مع محيطه العربي والانساني منذ أزمنة سحيقة..

مناسبة هذا الكلام، ماقرأته مؤخراً في كتاب بعنوان (الملك حمورابي-مجدد وحدة البلاد) لمؤلفه الدكتور فوزي رشيد ، العالم المعروف، وبينما كنت أقرأ بعضاً من نصوص الشريعة  الشهيرة المعروفة بـ(شريعة حمورابي) توقفت عند مفردة جاءت في المادة (128) منها، تقول ((اذا اتخذ رجل زوجة له ولم يدون عقدها، فان هذه المرأة ليست زوجة شرعية)).. ولا أريد أن أتحدث عن البعد المدني ومستوى التحضر الذي كان عليه أجدادنا في ذلك العهد، بل ان في (الترجمة) الحرفية لهذه العبارة ترد العبارة كالتالي ((اذا أخذ رجل زوجة… الخ)) وأجزم ان مفردة (أخذ) يتداولها أهل الجنوب عند قولهم ان فلاناً تزوج ، فيقولون بما نسميه باللهجة العامية (فلان أخذ مرة) أي تزوج من امرأة، ومفردة (أخذ) مستقرة في الوعي الجمعي بأنها تعني (تزوج) وتعني أيضاً، وقوع المعاشرة الزوجية، وهو ما تشير اليه المادة (128) من الشريعة التي تربط فعل المعاشرة أو (الأخذ) بالعقد لتصبح شرعية.. وهو ما يتطابق مع القيم السائدة في مجتمعنا، قبل الاسلام وبعده، والذي يجعلنا نخلص الى نتيجة، تقول، ان بقايا اللغات القديمة ومنها لغة بابل وسومر، المتداخلة قد ترحلت الينا الكثير من مفرداتها كما هي، بينما تم تطوير مفردات أخرى لتنسجم مع لغة الأمة المتمثلة بآخر تجلياتها، لغة القرآن الكريم، ما يكشف وبجلاء أصالة شعبنا مثلما يكشف حالة التطور المستمر في اللغة وغيرها.
ومبارك لكل شاب في العمارة (أخذ مرة) ودوّن عقدها، تنفيذاً لتعليمات شريعة جده حمورابي ومن ثم شريعة الاسلام الحنيف وبالرفاء والبنين!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter