حكومة بغداد المقبلة: برأس واحد ام رأسين؟

اميركا تسحب دعمها لنوري المالكي بعد رفض دول الطوق العراقي لادارته

عادل عبدالمهدي ينال حظوة السعودية وايران وتركيا وسوريا معا بعد تراجع حظوظ علاوي


واشنطن اصرت على اشعال الواقع السياسي العراقي كي تبقى القوة المهيمنة الوحيدة

بعد مرور أكثر من 7 سنوات على الغزو والاحتلال الأمريكي لا ينفرد العراق هذا البلد العربي بتحويله إلى ساحة قتل ودمار وتهجير، وتقويض لأسس الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية ومرافقها الخدماتية فقط، بل أضحى بلداً تنهب ثرواته النفطية وتصفّى نخبه الفكرية والعلمية، وتتكرس فيه طائفية بغيضة، ودستور مشوه لهويته الثقافية والحضارية العربية. وتعبث فيه مجموعة سياسية جاهلة عاجزة وفاسدة، نصّبها أو أفرزها الاحتلال جعلت من العراق بلداً يحتل المراتب الأولى في قائمة الدول الأكثر فساداً، عدا عن كونه أخطر بلداً في العالم تتهدد فيه حياة الصحفيين وأخيراً وليس آخراً مكبّاً للمواد السامة والمشِعَّة والملوِّثة، التي يخلفها الاحتلال دون رادع أو وازع تفتك بحياة المواطنين وتسبب لهم الأمراض الخبيثة على نطاق واسع.

ومع كل انتخابات برلمانية جديدة تجري تحت الاحتلال ترتفع بعض الأصوات تتفاءل بإمكانية أن تفرز واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً يضع العراق على طريق الانتقال نحو تضميد الجراح وتخفيف الآلام، وأمل العديد من المتابعين والمراقبين أن تشكل الانتخابات الأخيرة والثانية منذ الاجتياح الأميركي، فرصة لتحضير العراق نحو حكومة أقل عجزاً وارتهاناً وفساداً، قادرة على إدارة البلاد في ظروف اقتراب استحقاق الانسحاب الأميركي الموعود في نهاية أغسطس 2010، لحوالي أربعين ألف جندي من الوحدات الأميركية المقاتلة التي تقدر حالياً بـ 90 ألفاً، ثم انسحاب ما تبقى من القوات الأمريكية قبل نهاية عام 2011، والذي أكدت على انجازه إدارة أوباما في موعده.

ولكن الانتخابات الأخيرة أسفرت عن واقع جديد معقد، يختلف عن سابقتها التي أفرزت كتلة كبيرة واحدة، سهلت تشكيل الحكومة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، فالنتائج أفرزت أربع كتل سياسية كبيرة متباينة فيما بينها من مجموع عدد الأعضاء الـ 325. هي:
أ – القائمة العراقية “أياد علاوي” وفازت بـ 91 مقعداً.
ب – قائمة دولة القانون “نوري المالكي” ولها 89 مقعداً.
ج – كتلة الائتلاف العراقي “عمار الحكيم” ولها 70 مقعداً “ضمنها الكتلة الصدرية بـ 40 مقعداً”.
د – التحالف الكردستاني 43 مقعداً.
هـ – وتوزعت الـ 32 معقداً المتبقية على أحزاب وكتل صغيرة ستكون عرضة للتجاذبات والمغريات بمنحها مناصب حكومية معينة لكي تدخل في ائتلاف مع إحدى الكتل الكبيرة، من بينها كتلة “التوافق” “6 مقاعد”، وكتلة “وحدة العراق” “4 مقاعد”.
و – دعمت سوريا وتركيا والسعودية القائمة العراقية في الانتخابات بوسائل مختلفة.

3- يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
– فازت “القائمة العراقية” بعدد من المقاعد في المحافظات الجنوبية.
– لم تحصل قائمة دولة القانون، أو “الائتلاف الوطني” على أي مقعد في المحافظات الشمالية الغربية “نينوى، صلاح الدين، الأنبار”.
4- ومنذ إعلان النتائج شهد العراق سجالاً سياسياً وقانونياً حول أحقية كل من أياد علاوي أو نوري المالكي بالتكليف لتشكيل الحكومة، وفق تفسيرات متضاربة لبنود الدستور.

ويتركز الخلاف حول النص الدستوري المتعلق بأحقية الكتلة الفائزة بتشكيل الحكومة، إذ ينص الدستور العراقي وفق مادته الـ 76 على أحقية الكتلة النيابية الأكبر عدداً في تشكيل الحكومة، فيما تصر قائمة “العراقية” برئاسة أياد علاوي على أن النص يشير إلى القائمة الفائزة بعد الانتخابات، في وقت يعتبر ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي أن النص يعني أي تكتل قد ينشأ نتيجة اندماج أو تحالف أي من الكتل الفائزة في الانتخابات.

كما ينص الدستور العراقي على أن يدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب الجديد للانعقاد خلال خمسة عشر يوماً من مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات، ويجب على المجلس الجديد أن يختار في جلسته الأولى رئيساً له ونائبين للرئيس، ثم يقوم مجلس النواب خلال مدة أقصاها ثلاثون يوماً بانتخاب رئيس الجمهورية، ويقوم الأخير خلال خمسة عشر يوماً بعد انتخابه، بتكليف مرشح الكتلة الأكبر في مجلس النواب بتشكيل الحكومة، ويكون أمام رئيس الوزراء المكلف ثلاثون يوماً لانجاز مهمته، فإذا لم ينجح يكلف رئيس الجمهورية شخصاً بديلاً عنه.

5- ولم يحسم الجدل حتى الآن وبقيت أزمة تشكيل الحكومة مفتوحة وعرضه للتجاذبات والتدخلات الدولية والإقليمية، ومساعي رؤساء الكتل لإبرام الصفقات الداخلية بين الكتل البرلمانية لتحسين شروط التكليف بتشكيل الحكومة.

6- وجاءت جلسة البرلمان القصيرة “لمدة 20 دقيقة” والتي أبقيت مفتوحة بعد مرور أكثر من مئة يوم على الانتخابات لتشكل برمزيتها إعلاناً صريحاً على بقاء الجرح العراقي مفتوحاً، واستمرار الأزمة الحكومية مفتوحة، دون أفق زمني واضح لإنهائها، وتكثر التكهنات بإمكانية استمرارها لأسابيع أو أشهر إضافية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن برلمان عام 2005 أبقى جلسته مفتوحة لمدة 41 يوماً.

الموقف الأميركي ودول الجوار

الولايات المتحدة: إن الأهداف التي تتوق الولايات المتحدة إلى أن تتحقق من خلال أية حكومة جديدة هي:
أ- عدم المس باتفاقيات النفط التي عقدتها الحكومة العراقية المنتهية ولا سيما مع شركات النفط الأجنبية والتي شملت جميع الحقول المنتجة و/أو الثابت وجود النفط فيها.

ب- أن تكون الحكومة الجديدة قادرة على الحفاظ على الأمن عبر انسحاب القوات الأمريكية “تشمل كل الكتل السياسية ما أمكن”، بحيث لا تحدث فوضى في العراق تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية السياسية عنها.

– لا تزال الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي في الوضع العراقي وشجعت إنتاج وضع انتخابي متنوع، لرغبتها بأن تُحضّر المسرح العراقي قبل انسحابها، بما يكفل قدرتها على إدارة وضع منقسم سياسياً لتكتلات متنافسة ترتبط بها وتعمد عليها، ولها تأثير، بدرجات متفاوتة، على جميع الكتل السياسية التي شاركت في الانتخابات الأخيرة.

– كانت رغبة الولايات المتحدة بأن يتمكن إياد علاوي من تشكيل الحكومة، ولا تزال تفضل هذه الخيار، ولكنها على استعداد لقبول أي شخصية أخرى تفرزها المفاوضات والمساومات، طالما أن هذه الشخصية تضمن تحقيق أهدافها المشار إليها أعلاه.

– تهتم إدارة أوباما بأن تتشكل الحكومة العراقية قبل موعد الانسحاب للوحدات القتالية في نهاية آب/أغسطس 2010، وستضغط في الفترة القادمة بهذا الاتجاه لأن حسابات أوباما والحزب الديمقراطي أن يتم الانسحاب في موعده، وأن يكون الوضع الأمني الميداني العراقي على درجة “مقبولة” من التدهور، كي لا تتهم الإدارة بالفشل في العراق، أو يستخدم الحزب الجمهوري “هذا الفشل” ذخيرة في حملته الانتخابية القادمة في نوفمبر للانتخابات النصفية للكونغرس.

إيران: ترغب إيران في أن تبقي الرابح والمستفيد الأكبر من تدمير الدولة العراقية وترحب بتخفيف القبضة الأميركية العسكرية على العراق.
– ستضغط على التكتلات االتي تربطها بها جميعها علاقات تاريخية للتحالف والتكتل، لضمان موقع مسيطر ومتنفذ في الساحة العراقية وما تشكيل “التحالف الوطني”، الذي أعلن عنه شكلياً، والذي يضم حالياً 159 مقعداً بعد ائتلاف الكتلتين “دولة القانون 89 مقعداً” و “الائتلاف الوطني العراقي 70 مقعداً” إلا مؤشراً على هذا التوجه، رغم أن هناك خلافات جوهرية قائمة داخل هذا التحالف، تعقّد الوصول إلى مرشح تسوية بينهما لتشكيل الحكومة.

– تهتم إيران بالالتفاف على العقوبات الجديدة الصادرة عن قرار مجلس الأمن 1929، ويشكل العراق ساحة نموذجية بالنسبة لها، ليكون أحد المنافذ الرئيسية لتخفيف الآثار السلبية لمفاعيل العقوبات الاقتصادية عليها، ولقد اعتادت على هذا الأمر.
– تعارض إيران تشكيل “الكتلة العراقية” للوزارة وتولي إياد علاوي رئاسة الوزارة، كما لا تثق بالمالكي وتعتقد أنه واقع تحت النفوذ الأمريكي.

سوريا: كانت ترغب ابتداء أيضاً في أن يتمكن إياد علاوي من تشكيل الحكومة ولكنها ستتعامل مع أي شخصية أخرى ما عدا المالكي الذي تعتبره ناكراً للجميل، ومعطلاً لتطوير العلاقات العراقية – السورية.
– تهتم سوريا بأن ينعم العراق بوضع مستقر نسبياً، ليساعدها في تخفيف عبء احتضان الجالية العراقية التي هجّرت أو نزحت إليها بسبب الاحتلال وتدهور الأوضاع الأمنية.
– لا تتطابق السياسة السورية مع الموقف الإيراني في العراق، وهناك خلافات فعلية ولكن دون أن تصل إلى حدود تهديد التحالفات بينهما على المستوى الإقليمي في قضايا تتعلق بالصراع العربي – الصهيوني ولبنان.

– ونظراً لأن أي مرشح توافقي لرئاسة الوزارة القادمة يجب أن توافق عليه أمريكا وإيران أيضاً، فإن خيارها الثاني والعملي هو الدكتور عادل عبد المهدي.
تركيا: تهتم تركيا بأن يتعزز دورها ونفوذها الإقليمي خاصة بعد تولد قناعة لدى قيادتها الحالية بأولوية التوجه نحو الوطن العربي وآسيا الوسطى، بدلاً من التركيز على انضمامها للاتحاد الأوروبي.

– تعاملت القيادة التركية مع تداعيات الغزو الأميركي للعراق بحذر، ولم توافق على استخدام أراضيها للهجوم البري رغم تقديمها للتسهيلات اللوجستية بموجب عضويتها في الحلف الأطلسي.

– لا تزال تركيا تهتم بمنع إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق، ولا توافق على اعتماد الفيدرالية، وترغب في الحيلولة دون سيطرة كردية على الموصل وكركوك.
– تعاملت تركيا مع المنطقة الكردية بعد الاحتلال الأميركي بما يضمن تعزيز مصالحها الاقتصادية والتجارية، وجعل الشمال العراقي معتمداً على هذه الروابط الاقتصادية والتجارية لتبقى في موقع مؤثر وضاغط على التوجهات الكردية، وقامت مؤخراً باستقبال حار لمسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان، لتمارس ما تريده من تأثير عليه وخاصة ما يتعلق بحزب العمال الكردستاني “التركي” ونشاطه في تركيا من خلال مواقعه في العراق.

– تهتم تركيا بالتنسيق مع الدول الإقليمية المجاورة للعراق، وخاصة سوريا وإيران والسعودية، وترغب في لعب دور الرعاية لتسوية الخلافات بين الكتل العراقية لتسهيل تشكيل الحكومة المقبلة، وكان تفضيلها ابتداءاً أن يشكل الدكتور إياد علاوي، رئيس الكتلة “العراقية” الوزارة، ولكنها إزاء المعارضة الإيرانية يبدو أن خيارها الثاني هو الدكتور عادل عبد المهدي من المجلس الإسلامي الأعلى وهو جزء من “الائتلاف الوطني العراقي”.

السعودية: تحاول السعودية مواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في الساحة العراقية، ولكنها لا تملك أدوات تأثير فاعلة، وكانت ولا تزال تدعم إياد علاوي لتشكيل الحكومة بالتفاهم مع الأميركيين والأتراك والسوريين.

وتخشى السعودية من تنامي نشاط القاعدة في العراق، خاصة بعد انخراط العديد من السعوديين الذين تسللوا من الحدود في تنظيم القاعدة، وإمكانية أن ينتقل نشاطهم إلى داخل السعودية، كما تخشى من تشجيع إيران عبر العراق للأقلية الشيعية في السعودية.

سيناريو المرحلة المقبلة

بعد تشكيل التحالف الوطني الذي ضم شكلياً حتى الآن “دولة القانون” و “الائتلاف الوطني العراقي”، والذي لم يتمكن حتى الآن على الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزارة المقبلة ولا على برنامج الحكومة القادمة وصلاحيات رئيس الوزراء، ومع إصرار تكتل “دولة القانون” على أن يكون المالكي مرشح “الائتلاف الوطني” وهو ما ترفضه مكونات رئيسية في “الائتلاف الوطني العراقي” وهي التيار الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى ومنظمة بدر، لذلك فليس من المؤكد أن ينجح هذا التكتل الجديد “التحالف الوطني” في الاستمرار، كما ستجري محاولات لإبرام صفقة مع التحالف الكردستاني، بالإضافة إلى محاولة شق القائمة العراقية، وسحب بعض التكتلات السنية منها.

ولكن حتى إذا توفر “للتحالف الوطني” عدد كاف للأغلبية في البرلمان، فإن الخلافات داخل تكتلاته لن تسهل التوصل إلى مرشح تسوية لرئاسة الحكومة، كما أن توزيع المناصب الحساسة الأولى لرئاسة الجمهورية، ونواب الرئيس والبرلمان، وبعض الهيئات الحكومية الهامة سيكون أمراً شائكاً. كما أن “الوصفات” والتخريجات للمساومات على المناصب تؤشر على أن هذه المرحلة معقدة وستطول زمنياً، قبل أن ترسي على صفقة شبه كاملة، فهناك أفكار تطرح حول تقليص صلاحيات رئيس الحكومة وتوسيع صلاحيات الرئاسة بالإضافة إلى تعيين نواب عدة “ربما أربعة لرئيس الوزراء”، كما أن هناك من يطرح ضرورة الاكتفاء بنائب واحد لرئيس الجمهورية، وتصل بعض التكهنات إلى طرح اقتراح حكومة مداورة برأسين أي أن يتم الاتفاق على حكومة لأربع سنوات يتناوب على رئاستها شخصان كل منهما لعامين.

ويبدو من رصدنا لآخر التطورات بالإضافة إلى معلومات متوفرة لدى خبراء ومتابعين للشأن العراقي، أن هناك ترجيحاً لحظوظ الدكتور عادل عبد المهدي، القيادي في المجلس الإسلامي الأعلى والنائب الحالي لرئيس الجمهورية، بأن يكون مرشح التسوية عن الائتلاف الوطني العراقي، وبالتالي يزيد من فرص التوافق عليه من قبل التحالف الوطني، وإن التحفظات التي تبديها أطراف داخلية وخارجية يمكن تذليلها قياساً بالتحفظات الشديدة على مرشحين طامحين آخرين.

أفادتنا مصادر مطلعة موثوقة نقلاً عن مشاركين في المفاوضات والاتصالات مع الأميركيين على المعلومات التالية:
– تخلت الولايات المتحدة تماماً منذ أسبوعين عن المالكي ورئاسته للحكومة لفترة مقبلة، وهي تميل إلى ترشيح عادل عبد المهدي من المجلس الإسلامي الأعلى نظراً للمعارضة الإيرانية لرئاسة الدكتور إياد علاوي.

– والصيغة الأخرى أن تكون رئاسة الحكومة مناصفة بين عبد المهدي وعلاوي لكل منهما سنتين، وسيدفع كل طرف في المعادلة لكي يتسلم الطرف الآخر السنتين الأخيرتين.
– رغم أن سوريا والسعودية وتركيا كانت تفضل الدكتور إياد علاوي لرئاسة الوزارة القادمة، إلا أنها بعد الاعتراض الإيراني عليه، فالمعلومات تشير إلى أنهم وافقوا مبدئياً على ترشيح الدكتور عادل عبد المهدي.

______________

“مركز دراسات الوحدة العربي

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter