حقنة ملوثة بمرض السرطان تقضي على شاعر النشيد الوطني السابق – الحلقة الثالثة عشر ناظم كزار يجبر مصابين بمرض السل على البصاق بأفواه معتقلين

*شفيق الكمالي عضو القيادة القطرية والقومية وشاعر النشيد الوطني السابق:
ولد في عام ١٩٢٩ في مدينة البو كمال السورية ، أنتمى الى حزب البعث في اواخر الاربعينات ،وتخرج من كلية الأداب قسم اللغة العربية عام ١٩٥٥ ، كان هارباً في القاهرة مع صدام عن تلك الفترة ذكر الدكتور فخري قدوري في كتابه هكذا عرفت البكر وصدام
“عندما كان طالباً للماجستير في القاهرة رشح لرئاسة الأتحاد الوطني للطلبة العراقيين هناك ، فانتخبه الطلاب بالاكثرية فيما حصل صدام على صوتين فقط!
صاغ شفيق البيان الأول الذي تلاه البكر على الشعب من راديو بغداد صبيحة ١٧ تموز ١٩٦٨وكلف شفيق بحمل قرار تشكلية الوزارة الأولى بعد ٣٠ تموز الى دار الأذاعة لأعلانه وتسنم هو حقيبة وزارة الشباب.
وقد عين عضواً في مجلس قيادة الثورة في تشرين الثاني ١٩٦٩ واخرج منه عام ١٩٧٠ ، كما اعفي من وزارة الشباب وعين سفيراً في أسبانيا حيث بقي في مدريد للفترة ١٩٧٠-١٩٧١ ، ثم جرى تعيينه وزيراً للاعلام واعفي من المنصب أواسط ايار ١٩٧٢ وعين عضواً في مكتب الشوون التربوية التابع لمجلس قيادة الثورة.
حين كان وزيراً للثقافة والاعلام أسس داراً لثقافة الأطفال التي اصدرت مجلة مجلتي وانشأ دار الأزياء العراقية وامر بتشكيل الفرقة القومية للرقص الشعبي. . كان رئيس اتحاد أدباء العراق والامين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب ورئيس تحرير أفاق عربية.
وكتب عنه أيضاً جليل العطية في كتابه “فندق السعادة” “عندما تسلل صدام الى رئاسة الجمهورية عام ١٩٧٩ كان الكمالي ضمن لائحة التصفية ، ونجا بأعجوبة من أكبر مجزرة علنية شهدها العراق الحديث، وراح ضحيتها القادة الحقيقيين للحزب الحاكم.

انهار الكمالي ، ووجد نفسه مضطراً لكتابة قصائد مديح ركيكة للرئيس الجديد!

وراح المغنون يغنون قصائده في تمجيد صدام بينما كانت السلطات الأمنية تقمع الألوف من المواطنيين وتزجهم في المعتقلات والسجون، مما أثار استهجان واستغراب محبيه ومقدري مكانته الأجتماعية.

في هذه الفترة انزوى لادارة دار أفاق عربية وبدأت أعراض الضغط والسكر والقلب تتناهبه ووجد صعوبة بالغة في ترك التدخين – بناء على نصائح الأطباء- وكان يتألم لكل ما يجري داخل العراق بينما لايزال يحمل منصباً حزبياً هو : العضو المساعد للقيادة القطرية !
التقيت بصديقي العتيق شفيق في الكويت أثناء أحدى زياراته لها ، انفردت به في مقهاة تطل على البحر، وكنت كعادتي احتفظ بقصاصات مما نشره في تلك الفترة المحزنة.سألته :- لماذا أبا يعرب تكتب خلافاً لرأيك الحقيقي في صدام . تقول في قصيدة محجلة تلقيها بنفسك في تلفزيون بغداد ، “رأيت الله في عينيك؟”

سقطت الدموع من عينيه ونفث سيجارة- رغم المنع الطبي الشديد واعترف لي قائلاً :- أسمي على لائحة التصفيات، ولم يبق سوى تحديد موعد التنفيذ ، وانت تعرف حقده علي وعلى أمثالي ممن يعرفون ماضيه.

قلت له:أنت ألان خارج العراق فأبق حيث أنت يمكنك العيش

أجابني بحزن عميق:واسرتي؟… لقد فكرت كثيراً بالابتعاد ، ولكنني أعرف أنه سيبيد عائلتي كلها..”.

ويكمل فخري قدوري ” أدرك شفيق قبل رحيله بسنوات أن الحكم بات يناصبه العداء لارائه وانتقاداته المريرة ، لكن لم يكن له  بد سوى الأذعان لانحسار دوره في الحزب والدولة خشية مما هو أعظم. في آخر لقاء جمعني به في داره ببغداد يوم ٢٩ حزيران ١٩٨٢ تحدث عن سياسات الحكم الطوباوية بقلب مليء بالاسى وعينين تراقبان أياماً سوداء أتية. قال لي : يا فخري ، لقد نفد الصبر ولم يعد لي ألا تجنب ما يحاك لي في الظلام ، ولم يعد يهم حتى العمل بالبقالة في عمان بضمير مرتاح! وفي ختام حديثه ألح علي بعدم العودة الى بغداد ، دفعاً لما قد يدبر ضدي أنا الأخر من مكائد.
كان شفيق يعلم “أن صدام لا ينظر الى الرفاق الذين سبقوه انتماءاً الى الحزب ويحضون بمكانة أجتماعية بعين الرضا، فاستخدم شعره ، في اطراء صدام والنظام لكن هذا لم يجده في شيء فدفع الثمن الباهظ الذي دفعه غالياً السابقون والذين لحقوا به”.
ففي “أوائل شهر تموز ١٩٨٣ ألقت أجهزة الأمن العراقية القبض أولاً على نجله الأكبر يعرب- الطالب في كلية العلوم جامعة بغداد- أمام منزله واقتادوه الى سيارة أمن كانت تنتظر .
وعلم ابنه أثناء التحقيق والتعذيب أن السبب يكمن في شريط مسجل له مع بعض زملائه خلال تبادل دعابات ساخرة بالسلطة وبعض رموزها.
قبع الأبن في أقبية اجهزة الأمن اسابيع دون أن يتمكن والده من فعل شيء ، فقد كان هو الاخر مغضوباً عليه من قبل صدام ومراقباً من قبل أجهزة الأمن والمخابرات.
وبعد مضي نحو شهر اضطر الأبن ، تحت تأثير التعذيب ، للاعتراف أن كل ما ردده في الشريط المسجل كان مقتبساً من والده ونحو الساعة الثالثة بعد ظهر أول أيام شهر أب ١٩٨٣ توجهت أجهزة المخابرات الى دار شفيق بهدف القاء القبض عليه.

وحين لم يجدوه اقتادوا زوجته وجميع من كان في المنزل أنذاك الى أحدى السيارات الأربع أمام الدار.
في ذلك الوقت كان شفيق مايزال في مدينة الموصل ، ويبدو أن المخابرات خشيت افلاته من قبضتها ، فرددت اشاعة حول نيته الهرب الى سوريا.
جيء بشفيق الى المخابرات في بغداد عند الساعة الحادية عشرة والنصف مساء. وفي منتصف الليل أخلت المخابرات سبيل الزوجة والمحتجزات الأخريات وتركتهن أمام البناية في حيرة …
منعت المخابرات زوجة شفيق من العودة الى منزلها نتيجة قرار بحجزه وبقية املاكه الأخرى.
من المفارقات التي يصعب على الأنسان استيعابها أنه فيما كان النشيد الوطني العراقي (وطن مد على الافق جناحا..) يذاع صباح مساء وتردده ملايين الحناجر كل يوم كان مؤلفه شفيق الكمالي يئن من العذاب في المخابرات العراقية.
أطلق سراحه بعد ثلاثة شهور واضطر بعد ذلك الى المكوث في منزله لا يبارحه ، بعد أن منع من ممارسة نشاطه الأعلامي ، وشطبت عضويته في المجلس الوطني لغيابه ثلاثة شهور بدون عذر مشروع ! كما ورد حرفياً في قرار الشطب ، وهي الفترة التي امضاها في المخابرات مكرهاً.
وحتى تكتمل السبحة سحبت منه سيارته التي كان تلقاها من صدام في وقت سابق ، فبات يمضي وقته كئيباً منزوياً في منزله.
تعرض بعد أطلاق سراحه الى تغيرات صحية حيث اكتشف الأطباء اصابته بسرطان الدم مؤكدين أنه لن يحيا ألا فترة وجيزة .
أسر الى زوجته تلقيه حقنة أثناء وجوده في المخابرات على أساس مساعدته في خفض ضغط الدم الذي كان يعاني منه وظلت هذه الحقنة محل تساؤل الجميع بعد مغادرته المعتقل ثم وفاته بعد فترة قصيرة.

***

وليد محمد صالح الجنابي:
عنه كتب حسن العلوي في كتابه ” العراق دولة المنظمة السرية”
“كان وليد الجنابي معلماً في أحدى المدارس الأبتدائية حين استدعي في عام ١٩٦٨ عضواً في لجنة لدعم منظمة فتح الفلسطينية مرتبطة بنقابة المعلمين العراقيين ، التقيت به هناك حيث كنت المسوول الأعلامي عن اللجنة. بعد ذلك كان أحد أعضاء لجنة التحقيق مع المعتقلين في قصر النهاية وقيل أنه شارك في تعذيب عبد الرحمن البزاز.
روى لحسن العلوي ما يلي ” واحدة من المهمات الخسيسة التي كلفت بها والتي تطاردني أشباحها وانا في المغرب وانا على جبال البلقان فقد ابلغني المسؤول الحزبي بقرار نقلي من التعليم الى هيئة التحقيق في معتقل قصر النهاية وقد اشرفت على عمليات ألتعذيب ضد شخصيات معروفة من بينهم عبد الرحمن البزاز
وقد دعيت بعد منتصف ليلة الى غرفة ناظم كزار في قصر النهاية وكان الى جانبه عدد من أعضاء القيادة من بينهم صدام حسين وعبد الكريم الشيخلي وطلب الي ناظم كزار التوجه الى مستشفى التويثة (مستشفى التدرن الروئي) وجلب أربعة مرضى من المصابين بحالات ميئوس من شفائها ، فزودت بكتاب وقعه في الحال أحد الحاضرين صادراً من مجلس قيادة الثورة الى مدير المستشفى لاختيار العدد المطلوب من المرضى وتسليمهم لي على أن لا أترك كتاب المجلس هناك.

يقول الجنابي أن الأمر أختلط علي وانا في طريقي الى المستشفى فما علاقة هيئة التحقيق بمرضى السل ولم أفكر بأن مهمتي كانت لارسال هولاء المرضى للمعالجة في الخارج لكني كنت على يقين أن أجهزة جديدة أو أساليب جديدة لنزع الاعترافات ستجرب على هولاء المرضى ولم يكن لي أن أسأل عن شيء من ذلك اذعاناً لطقوس الحزب والتزاماً بمبدأ نفذ ثم ناقش وكان علي أن انفذ وقد لا يكون من حقي أن أسأل بعد التنفيذ.
حينما عدت بالمرضى في سيارة لاند روفر كنت أمد رأسي خارج النافذة وانا أسوق السيارة بسرعة طائشة خوفاً من ات تختلط انفاسهم بأنفاسي حتى اذا دخلت الى المعتقل وقد توضحت خطوط الفجر فوجئت بصف من الموقفين معصوبي العيون وهم من القوميين العرب والبعثيين المنشقين فبدا ناظم كزار يتحدث اليهم وكان صدام حسين مايزال في مكتبه في المعتقل ينتظر خطوات تنفيذ العملية (اننا قررنا الأفراج عنكم فاذا تسرب شيء عن حياتكم هنا فستعودون الينا حالاً وستتحملون مسوولية ما يصيبكم من عقاب) واشار الى المرضى الأربعة بالتقدم وواصل حديثه الى الموقفين بأنه سيودعهم بعد أن يفتح كل واحد فمه ليبصق الرفاق فيه.)
وتقدم المرضى فنفذوا ماطلبه ناظم كزار وعدت بهم فاستفسر احدهم عن سبب ذلك فقلت أن الحزب قرر ارسالكم للخارج للمعالجة فقال صاحب السؤال ولماذا بصقنا اذا في أفواههم؟ فقلت لكي ننقل المرض من أجسام المواطنين الطيبين الى أجسام الخونة والجواسيس وانتم مواطنون فقراء لايجوز أن تموتوا ليعيش هولاء الأثرياء أعداء الوطن ففرح الجميع وقالوا: الله ينصركم.
فسألته من أين تأتيهم هذه الأفكار : كيف فكروا بمرضى السل والبصاق في أفواه المعتقلين؟ قال : هذه أفكار عبد الكريم الشيخلي وزير الخارجية انذاك والطالب السابق في كلية الطب وهو يستخدم معلوماته الطبية في قضايا من هذا القبيل.
يضيف وليد الجنابي أنه لم يعد يستطيع الأستمرار في عمله بهيئة التحقيق. فقدم التماساً الى ناظم كزار بأن يسعى لارساله في أحدى الملحقيات الصحفية أو التجارية خارج العراق ، وهكذا وصل الى المغرب لكنه لم يتخلص من ذكريات قصر النهاية.وفي بغداد عين وليد الجنابي معاوناً لمدير عام وكالة الأنباء العراقية ثم أصبح مديراً عاماً لدار الثورة التي تصدر عنها جريدة الحزب اليومية ، فالتقينا مرة أخرى في الأجتماع الأسبوعي الموسع لمكتب الثقافة والاعلام القومي والذي يترأسه صدام حسين وقد سأل مرة عن رفيق غائب أسمر اللون بنظارات سميكة واشار الى مكانه فقيل له أن هذا الرفيق هو وليد الجنابي.
وعندما عاد الجنابي من سفره الذي حال بينه وبين حضور الأجتماع أخبرته عن استفسار السيد النائب والذي لم يكن يعرفك حتى وانت تحضر اجتماعات المكتب الأسبوعية فذعر وليد الجنابي وقال : ماذا يقصد السيد النائب.. أنه هو الذي أصدر قرار تعييني قبل عام مديراً لدار الثورة بعد مقابلتي له وقد مررت عليه في الأسبوع الماضي لمناقشة أوضاع دار الثورة والتي على اثرها سافرت الى الخارج.وحين هدأ روعه.. قال وليد الجنابي : أن شيئاً لا أعرفه وراء تجاهل صدام حسين معرفته بي فماذا أفعل ؟قلت : هذه مخاوف وقد يكون السيد النائب قد التبس عليه الأمر.
قال وليد : لا….أن الأمر يتعلق بدوري في قصر النهاية. وقد يكون صدام مستاءاً من موقف سابق لي معه في أحدى الموتمرات الحزبية عام ١٩٦٦ فأشار صدام الى خاصرته حيث موقع المسدس قائلاً :اتركوا الموضوع لي. فرديت عليه بعنف قائلاً :أن حزباً له تنظيمات قديمة ونظرية سياسية وتجربة كالحزب الشيوعي لا نستطيع القضاء عليه بالمسدس. ولدينا تجربة سابقة معه فلم ننجح واضفت أن علاقتنا بالشيوعين يجب أن تناط لمثقفي الحزب.
وتوقف الجنابي عن حديثه ثم قال سأطلب تفرغي من الوظيفة لاكمال دراستي الجامعية أو الأنتقال الى وظيفة صغيرة لاتجعلني أمام الضوء.وهكذا انتقل وليد الجنابي الى وزارة الصناعة وتقدم لدراسة الماجستير.
كان وليد الجنابي أحد الأشخاص الذين قرأ صدام اسماءهم في قاعة الخلد عام ١٩٧٩ كمتهم ومتآمر ضده ليعدم بالرصاص في أب من تلك ألسنة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter