حزب الدعوة نسخة من الإخوان المسلمين ـ القسم الثاني ـالشيخ علي الكوراني العاملي

حزب الدعوة اخواني الثقافة شيوعي التنظيم

 

ناظم كزار يلقي مؤسس حزب الدعوة في حوض (اسيد التيزاب)

 

 

 

كان أبو عصام شخصية عجيبة ، فمع أنه لا يملك إلا شهادة ثانوية ، لكنه كان واسع الثقافة كثير المطالعة ، وكل ثقافته بجهده الشخصي! والأهم من ثقافته قوة شخصيته وفكره ، وقوة حضوره في أي مجلس أو عمل يقوم به ، وقدرته على الحوار ، والإقناع ، وطول نفسه على التجزئة والتحليل ، فكان الجميع يحسبون حساباً لآرائه وإشكالاته المنطقية .

وقد أخبرني أبو حسن السبيتي أنه كان يتردد عليه في بغداد ، أيام كان أبو حسن في حزب التحرير ، وأن أبا عصام التقى بالشيخ تقي النبهاني مؤسس حزب التحرير ، وجرى بينهما نقاش مقتضب ، فقد اعتقل النبهاني في العراق في زمن عبد الكريم ولم يعرفوه ، وغادر الى لبنان وبقي فيها متخفياً ، حتى توفي سنة 1977، ودفن في بيروت باسم آخر .
ثم التقى أبو عصام مطولاً بخليفة النبهاني الشيخ عبد القديم زلوم .

ويظهر أن أبا عصام أثَّر على أبي حسن السبيتي ، فترك حزب التحرير واتجها الى تأسيس تنظيم الدعوة ، وكان أبو حسن يثق بفكره ورأيه الى حد كبير، ويسميه صاحب النجف! فكان أبو عصام زميله ، وبمنزلة أستاذه .

وعندما كتب الشيخ تقي النبهاني كتابه «الخلافة» الذي سموه فيما بعد «نظام الحكم في الإسلام» أرسله الى النجف ، فرآه السيد الصدر وأبدى عليه ملاحظات شفهية ، ورأيته كتيباً في نحو مئة صفحة بالقطع العادي ، وتعجبت من أنه لا يتضمن آلية لنصب خليفة في عصرنا ، وأنه ليس فيه رأس سطر ولا نقطة ولا فاصلة ! فقلت: هذا كتابٌ كله سطر واحد ! فأعجبت كلمتي السيد الصدر ، وكان يعيدها ويتبسم !

وأراد زلُّوم وبعض جماعته أن يأتوا الى النجف ليبحثوا إشكالات علمائها على الكتاب ، فقرر أبو حسن والسيد الصدر أن يجلس معهم أبو عصام ، ورأيته قبل الجلسة وقد دون ملاحظاته على عدد من صفحات الكتاب . وجلس معهم تلك الليلة وناقشهم حتى تعبوا ، وكان أبو حسن يقول: ناقشهم أبو عصام حتى أعجزهم ، وتعب بعضهم وغلب عليه النوم !

كان السيد الصدر يحترم أبا عصام كثيراً ويعامله كأخ أكبر، وإذا دخل عليه فرَّغ له وقته وسمعه ، فكان يعرف أن وقته ملئ وأنه جاء لعمل مهم ، ولم أرَ السيد الصدر اعترض عليه يوماً ، بل كان يُرجع اليه في المسائل الحركية .وقد كنت أراجع السيد الصدر في بعض القضايا ، وأعتبر أن رأيه كافٍ لأنه في القيادة ، لكنه كثيراً ما كان يقول لي: أنظر ماذا يقول أبو عصام ، فأنت تعرف أنا لا نؤمن بالقيادة الفردية بل بالقيادة الجماعية ، وأننا إذا قال أبو عصام نقبل قوله !
لكن السيد الصدر تغير رأيه في القيادة الفردية والجماعية بعد ذلك .
وكان حيوي الذهن لماحاً ، متطور الفكر ، وليس كالذين يجمدون على رأي ، والكلام عن فكره والتطورات التي مر بها يحتاج الى حديث مستقل ، لكن حديثنا هنا عن مؤسس الدعوة أبي عصام .

*إعجابنا جميعاً بالإخوان المسلمين !

كان أبو عصام معجباً بالإخوان المسلمين وفكرهم أكثر من حزب التحرير ، وكان يميل أكثر الى منهج حزب التحرير في التحليل السياسي . أما في الفكر التنظيمي فكان يرى أن الشيوعيين متقدمون فيه أكثر من غيرهم ، وكان ينتقد الوضع التنظيمي للإخوان في عهد الصواف ، ثم في عهد الدكتور عبد الكريم زيدان ، وينتقد الوضع التنظيمي لحزب التحرير عند الشيخ تقي النبهاني ، ثم عند الشيخ عبد القديم زلوم .

ولذلك حرص على أن تكون في ثقافة الدعوة وتنظيماتها حسنات هؤلاء جميعاً ، وأن تتجنب نقاط ضعفهم ، فأشبهت ثقافتها ثقافة الإخوان بل تبنت عدداً من كتب الإخوان للتدريس في حلقاتها ، مثل شبهات حول الإسلام لمحمد قطب ، ومعالم في الطريق لسيد قطب .

وقد كتبت يومها إشكالات على كتاب معالم في الطريق خاصة على عنوان «الانحراف» وناقشت بعضهم فيه.. فلم يرض بذلك أبو عصام وأبو حسن السبيتي وقال: نحن بحاجة الى نقد الفكر الجامد لا نقد الفكر الحركي.. ولا مجال هنا للإفاضة في هذا الحديث..

ولإعجاب أبي عصام بالمستوى التنظيمي للحزب الشيوعي ، أخذ أحسن ما يراه منه للدعوة ، فكان شكل تنظيمها يشبه تنظيم الحزب الشيوعي، فالحلقة تتكون من خمسة أعضاء يرأسها مشرف ، واللجان المحلية وبقية اللجان الهرمية ، تشبه التنظيم في الحزب الشيوعي .

أما التحليل السياسي ، فكان أبا عصام ينتقد تحليل الشيوعين المملوء بتعبيرات الإقطاع والطبقية والبرجوازية والرأسمالية والبروليتاريا ..الى آخر منظومتهم ، ولا يعجبه تحليل الإخوان الذي يصفه بأنه يغلب عليه السطحية والعاطفية ، ويعجبه تحليل حزب التحرير الذي يتناول القضايا من زاوية الصراع بين المسلمين والمستعمرين خاصة الإنكليز الذين حكموا المنطقة وما زالوا يحركونها ، وهم يورثون نفوذهم طواعية ، أو يضطرون للتخلي عنه للاستعمار الأمريكي الجديد . وقد صار ذلك الطابع للتحليل السياسي في حزب الدعوة .

وكان أبو عصام معجباً بسيد قطب ، لكنه معجب أكثر بشخصية حسن البنا ، فكان يقول: سيد قطب لا يصل الى مستواه أبداً !  وكان يوماً يتحدث عن حسن البنا ، ويتعجب من أنه ركب الطائرة ست ساعات وبقي مستيقظاً يفكر ، ولم ينم ! فقلت له: مالك معجب به الى هذا الحد ؟! أنت أقوى منه شخصية وأعصاباً !

وهذه عقيدتي في شخصية أبي عصام ، وأشهد أنه أقوى شخصية من الشيخ حسن البنا وسيد قطب والشيخ تقي النبهاني وغيرهم ، بل هو من الشخصيات التاريخية النادرة ، في قوة فكرها وطموحها .  ومع مقاومتي للتعب والنوم ، فقد كان أبو عصام أقوى مقاومة مني ، وقد تواعدنا يوماً في منزلنا بعد الظهر لنرتب مواضيع ، فجاءني أبو عصام بعد الظهر في صيف النجف، ففتحت الباب ورأى أني كنت نائماً فقال مستنكراً: أنا تصورت أنك لا تنام بعد الظهر ، أنت قلت: أنا موجود بعد الظهر في أي ساعة ، فتفضل! فقلت له: نعم قلت إني موجود فتفضل ، ولم أقل إني مستيقظ حتى تأتي!
وقد ظهرت كفاءة أبي عصام القيادية والإدارية بدرجة عالية ، فكان يدير كل تنظيم الدعوة ويوجهه ، من أكبر شخص الى أصغرهم ، في النجف ، وبغداد ، وبقية مناطق العراق ، وخارج العراق ، وكان يأتينا الى الكويت . كان وحده يمسك كل خطوط التنظيم ويتابع أموره الداخلية والخارجية، ومع ذلك يعمل في التجارة ، فيشتري ويبيع داخل العراق وقد يستورد . وكان يهتم بأمر المناطق والوكلاء ، وهو الذي كان رتب أمر الشيخ عارف البصري ، فجاء به من البصرة الى النجف ، وبعد إكماله كلية الفقه ، أخذ له وكالة من السيد الحكيم عالماً في منطقة الزوية بالكرادة .
وكتب السيد مهدي الحكيم في مذكراته/36 ، أنه كان في الخمسينات قبل ثورة تموز يفكر في إنشاء تنظيم ، وأنه تحدث في ذلك مع أبي عصام والسيد طالب الرفاعي فوجدهما يؤمنان بهذه الفكرة ، فاتصلوا بالسيد الصدر لهذا الغرض ، فتجاوب معهم .

وذكر أن السيد طالب الرفاعي كان على علاقة بالشيخ عارف البصري والسبيتي وهما في حزب التحرير ، وأن الشيخ عارف جاء الى النجف ليفتح فرعاً لحزب التحرير ، فناقشه السيد مهدي ليثنيه عن ذلك . وذكر السيد مهدي أنه التقى في الكاظمية بفلان ويقصد أبا حسن السبيتي ، وكان متخرجاً يومها من الجامعة (هندسة كهرباء) وناقش معه إنشاء تنظيم بدل عمله مع حزب التحرير ، فوجد منه تجاوباً .

وكل ذلك صحيح ، لكن ينبغي التنبيه الى أن هذه المفردات كانت بعد ثورة 14تموز وبدء موجة الشيوعيين ، وأن المحرك الأساسي لهؤلاء كان أبو عصام ! ويكفي أن نعرف أن كبيرهم السبيتي كان يعامل أبا عصام كأنه أخوه الأكبر وأستاذه ، مع أنهما في سن واحدة .

أما الشيخ عارف فكان أصغر منهما سناً ، وكان السبيتي في حزب التحرير مسؤوله أو بمثابة مسؤوله .  وأقدر أن أبا عصام هو الذي أقنع الشيخ عارف أن يستفتي السيد الحكيم في بقائه في حزب التحرير، فقد سمعت الشيخ عارف يقول: أنا خرجت من حزب التحرير بفتوى السيد الحكيم . ولعل تفكيره بفتح فرع لحزب التحرير كان في سفرة سابقة الى النجف .

فقد كان الشيخ عارف يومها في البصرة ، ثم جاء الى النجف ، وانتسب الى كلية الفقه ولبس العمامة ، ولما أكملها ذهب الى بغداد عالماً في منطقة الزوية وكان أبو عصام مهتماً بأموره .

ومن صفات أبي عصام أنه لا يتبجح بأعماله ، بل يحرص على سترها لكي تسير الأمور بشكل جيد . وكم من ابتكار واقتراح له على السيد الصدر ، والسيد مهدي الحكيم ، أخذ طريقه الى العمل ، ولم يقل إنه منه .

*وكان أبو عصام قوي الفراسة نافذ النظرة في تقييم الأشخاص ، وقد لمست ذلك عدة مرات ، وثبت لي أنه صَرَّاف شخصيات . فقد كنتُ أعطيت مسؤولية الى شخص مثقف ذكي ، عملي ، من عائلة معروفة ، فقال لي أبو عصام: هذا لا ينفع ، إنه لِعْبِي ! فلم أقبل منه وقلت في نفسي: لعل انطباعه عنه خاطئ لأنه يناقشه كثيراً .

لكني بعد مدة اكتشفت صدق تقييمه ، وأن ذلك الشخص أهل لعب وليس أهل عمل ، فهو يهتم بالإشكال على الآخرين وعلى عملهم ، وينقدهم شخصياً لا ليصحح عملهم ، ويُقَيِّمُ الشخص والأمر بنقطة ضعف فيه ويترك مجموع جوانب قوته ! وكأن هدفه من عمله أن يثبت للآخرين أنه مصيب وغيره مخطئ ! وهذا هو اللعب والغرق في الذات !

وقد ظهرت قدرة أبي عصام على الكتابة ، فكتب موضوعات عديدة للنشرة الداخلية «صوت الدعوة» أولها عن المرحلية وأهمية المرحلة التغييرية ، وهي نظريته . وكان يراجع ما يكتبه أبو حسن السبيتي، والشيخ عارف ، وكاتب هذه السطور ، وكذا ما يكتبه السيد الصدر .
وينبغي أن نسجل هنا أن المجلدات الثلاثة التي هي ثقافة الدعوة ، كتب قليلاً منها السيد الصدر ، وأكثر منه أبو عصام ، وأكثر منه الشيخ عارف ، وأكثر منه كاتب هذه السطور، وأكثر من الجميع أبو حسن السبيتي ، وأن بقية القياديين من أصدقاء القيادة ، أو من الصفوف الأخرى لم يكتبوا سطراً واحداً من ثقافة الدعوة .

وكان أبو عصام يقوم بأعمال كبيرة بعلاقته بالسيد مهدي الحكيم ، وكانت علاقتهما مميزة ، فهم جيران في النجف ، وعائلة دْخَيِّل لها علاقات مع العلماء والمراجع ، وهي من عوائل الوجاهة المحترمة في النجف . وكان السيد مهدي حيوياً نشيطاً ، مبرزاً في أبناء السيد الحكيم شجاعاً ناشطاً في مواجهة الموجة الشيوعية .

وعندما أرسل البعثيون حسين الصافي الى المرجع السيد الحكيم بأسلوب تهديدي خبيث ، وحرَّم على أولاده دخول الأحزاب ، لتبقى المرجعية ومن يتعلق بها في موقع الاستقلال والأبوة لكل الناس ، وترك السيد مهدي والسيد باقر الدعوة.. يومها بقي أبو عصام على علاقته الحميمة معهما ، وقدر ظرفهما ، وكأنه لم يتغير شيء !

وعندما انتقل السيد مهدي الى بغداد كان أبو عصام يزوره باستمرار ، ويتداول معه في الأمور ، وقد يكلفه بأمر فلا يرد له طلباً ، ولو طلب منه مالاً لأعطاه ، فقد كان السيد مهدي سخياً ، أميراً من أمراء بني هاشم ، لكن أبا عصام كان وقوراً عالي النفس كزعماء بني شيبان.
وقد يكون طلب منه مساعدة لبعض الأعمال ، مثل مواكب طلبة الجامعات الى كربلاء ، الذي نظمه أبو عصام من مختلف المحافظات .

وكان أبو عصام في معتقله وشهادته ، نموذجاً لصمود المؤمنين ، ثابت الجنان قوي الأعصاب ، عالي النفس ، وكان خبيراً بأمر أعدائه ، يستصغرهم ويحتقرهم !

ومن الثابت عنه أنه كان في السجن يتحدى مدير الأمن المجرم ناظم كزار ، وأنه أمر بتعذيبه تعذيباً وحشياً في حضوره ، وهو يقول له: إعترف ! فقال له أبو عصام: شوف يا ناظم كزار: كل أسرار الدعوة بصدري ، وشْما تسوِّي ما راح تعرف منها ولا حرف ! وعندما عجز ناظم كزار عن إجباره على الإعتراف بحرف ، اغتاظ من صموده وشموخه ، وأمر به فألقي في حوض (أسيد التيزاب) ! وهذا الفصل من حياته يستحق أن يكتب بالتفصيل ، ويصنع بفيلم .

 

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter