حزب الدعوة الاسلامية طبخة كثر طباخوها فشاطتالشيخ علي الكوراني العاملي

وعندما أصدر جمال عبد الناصر حكم الإعدام على سيد قطب سنة 1963، كنا نحن في حزب الدعوة ، أهل العزاء كالإخوان في مصر!

وكان السيد الصدر شديد الانفعال فقد أغمي عليه مرات في تشييع أخيه السيد اسماعيل، وكان تأثره في إعدام سيد قطب مشابهاً ، وقال هو والسيد العسكري والسيد طالب الرفاعي وغيرهم ، إنهم لم يناموا ليلة أعلنوا حكم إعدام سيد قطب ، وكنت أنا من أقلهم تأثراً !

وكان السيد الصدر أقنع خاله الشيخ مرتضى آل ياسين بأن يرسل برقية باسم جماعة العلماء في النجف الأشرف الى جمال عبد الناصر ، يستنكر فيها حكم الإعدام ويطالب بإلغائه .

وعندما أعدم أقيمت له الفاتحة في مسجد الهندي حيث تقام الفواتح المهمة .

وقال السيد طالب الرفاعي ( برنامج إضاءات – قناة العربية) إنه الذي اقترح على المرجع الراحل السيد محسن الحكيم إرسال برقية استنكار الى جمال عبد الناصر ، فقال له السيد محمد جمال الهاشمي: تريد من السيد أن يستنكر إعدام شخص يتهم أمير المؤمنين ع بأنه كان يشرب الخمر؟

قال الرفاعي: فخفت أن يمتنع السيد ، فقلت له: هل أنت متأكد ، هل هو الذي قال ذلك ، أو أخوه محمد قطب . قال: لا أدري، فقلت إنه أخوه محمد .

وقال الرفاعي إنه استعمل الخباثة وكَذَب ، ولكنها بتعبيره كذبة بيضاء !

لكن الذي قال ذلك هو سيد قطب وليس أخاه محمداً ، قال في ظلاله (2/664): (ورواية الحوادث التي صاحبت مراحل تحريم الخمر في المجتمع المسلم ، والرجال الذين كانوا أبطال هذه الحوادث ، وفيهم عمر ، وعلي ، وحمزة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأمثال هذا الطراز من الرجال.. ثم قال: وفي سبب نزول هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ، ترد روايتان يشترك في أحداثهما علي وعبد الرحمن بن عوف ..).

وقد اتَّبع سيد قطب في ذلك مفسري الخلافة ، وأكثرهم من رواة بني أمية . ولايرى السيد الصدر بأساً في تولي سيد قطب رغم هذه الأخطاء ، لأنه برأيه معذور فيها ، فقد قلت له يوماً إني قرأت في كتاب معالم في الطريق لسيد قطب كلامه عن جيل الصحابة الفريد ، وفيه موضوع بعنوان: خط الإنحراف ، وقد وصل الى المؤامرة والإنحراف الذي وقع بعد النبي‘، ومعناه أنه فهمه ، فكيف يحاسبه الله تعالى على ولاية أمير المؤمنين ع؟!

فأجاب السيد الصدر بأن الأمر الذي لا يخطر ببال الإنسان حتى بنحو الاحتمال لا يحاسب عليه ، وقد كان سيد قطب معجباً بعمر بن الخطاب الى حد لا يخطر في باله أنه صاحب مشروع السقيفة ، بل كان يرى أن التشكيك في عمر يساوي التشكيك في الإسلام كله ، ولهذا يسقط عنه التكليف بولاية أهل البيت ع بالمعنى الذي نؤمن به ، لأن احتماله في ذهنه غير وارد .

ثم قال : إن حالته شبيهة بحالة بنت سافرة تعيش في مدينة نائية من كندا ولايخطر في بالها أن الحجاب واجب ، وأن الله تعالى يأمرها به ، فالتكليف بالحجاب ساقط عنها، وإن بقيت مكلفة بأن تبحث عن الإسلام .

وأضاف الشهيد الصدر: أما إذا كانت في جو لم تسمع فيه بالإسلام، أو سمعت بأنه يوجد دين اسمه الإسلام في مناطق من العالم ، أشبه بأديان قبائل إفريقيا الوثنية ، فلا بد من القول إنها غير مكلفة بالبحث حتى عن الإسلام ، وأن الله تعالى يكتفي منها يوم القيامة بمحاسبتها على ما وصل اليه عقلها من وجود الله تعالى وحلال وحرام ،وهذا معنى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا.

يومها ، قبلت هذا التحليل والفتوى من السيد الصدر ، لكني رأيت بعد ذلك أن قياس حالة سيد قطب بالبنت الكندية لا يصح ، لأن تقصيره في المقدمات الإرادية هو الذي سبب النتائج ، وإن كانت غير إرادية .

فعندما يختلف ابني مع غيره وأرى الحق مع ابني ، مع أنه الظالم والحق عليه ، فلا يصح القول إني معذور في الحكم لابني وموقفي الى جنبه ، لأني مقصـر في تزريق حب ابني في نفسي ، حتى صرت أرى أسوده أبيض وباطله حقاً !

ومن يرى شخصاً مقياساً للإسلام بدون نص بَيِّنٍ من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم مقصر في مقدمات رؤيته لأنه زرَّق في نفسه حبه فأنتج هذه النتيجة.

سألت الشهيد الصدر رضوان الله عليه يوماً عن الشخصيات التي أثرت فيه في أوائل نشأته وشبابه، وكنت أكثر تلامذته أسئلة له عن القضايا الفكرية بما فيها مكونات شخصيته ، فذكر لي إعجابه بالخطيب الشيخ كاظم آل نوح ، وأن مجالسه في صحن الحرم الكاظمي قد أثرت فيه كثيراً ، وأن صداها ما زال يرن في أذنه وهو يتحدث عن أمجاد تاريخ الإسلام ودولته وحضارته . وكيف شملت أكثر العالم ، وحققت أعظم الانجازات .

سألته هل كان يقرأ في ذلك الوقت الكتب المصـرية ، فلم يجبني بوضوح.

لكنه عاد ومدح الشيخ كاظم آل نوح وكيف كان يصور أمجاد الإسلام وأمته وحضارته ودولته التي كانت أكبر دولة في العالم، وكيف خسرها المسلمون لما ابتعدوا عن الإسلام ، وكيف يجب علينا العمل لإعادة أمجادنا .

وبحثت عن الشيخ كاظم آل نوح فوجدت أنه كان خطيباً بارزاً ، وله مؤلفات منها: طرق حديث الأئمة من قريش من الصحاح وغيرها. في نحو مئة صفحة .

وترجم له الزركلي في الأعلام فقال: (كاظم آل نوح ( 1302 – 1379): أديب ، من شعراء العراق ، من أهل الكاظمية . له ديوان شعر، وديوان في أهل البيت ومحمد والقرآن ،وملاحظات تاريخية حول كتاب تاريخ الأمة العربية ).

ومثل هذا الشخص لا يتغنى بأمجاد الخلافة ويدعو الى إعادتها كما نفعل نحن أعضاء الدعوة ، بل يذكر أمجاد الإسلام باعتبار أنها أمجاد حققها المسلمون ، فيما بقي عندهم من الإسلام ، رغم انحراف الخلافة عنه ، فكيف لو لم تنحرف !

وقد فكرت في أعجاب السيد الصدر بمجلسه في صحن الكاظمية ، فقلت في نفسي إن ما سمعه منه السيد عندما كان عمره بضع عشـرة سنة قبل أن يأتي الى النجف ، لا بد أن يكون من هذا النوع ، فهو التزامن بين الأفكار التي تأثر بها من كتب الإخوان ، وبين مجالس هذا الخطيب التي ضربت على وترها ‍.

وكان مؤسس الدعوة أبو عصام أكثر الأعضاء القياديين تأثيراً في الدعوة ، في الجانب الفكري والعملي . وكان أكثرهم إعجاباً بفكر الإخوان المسلمين وثقافتهم ، بينما كان أبو حسن محمد هادي السبيتي ، والشيخ عارف البصري معجبين أكثر بحزب التحرير ، لأنهما كانا عضوين فيه مدة ، ووصلا الى عضوية ولاية العراق ، كما يسميها حزب التحرير .

كان أبو عصام يرى أن حزب التحرير أنضج من الإخوان في التحليل السياسي ، فكان يميل الى طريقته . أما في التنظيم فيرى أن الشيوعيين متقدمون على غيرهم ، وكان ينتقد الوضع التنظيمي للإخوان في عهد الصواف ، ثم في عهد عبد الكريم زيدان ، وينتقد الوضع التنظيمي لحزب التحرير عند الشيخ تقي النبهاني ، ثم عند الشيخ عبد القديم زلوم .

ولذلك حرص على أن تكون في ثقافة الدعوة وتنظيماتها حسنات هؤلاء ، وأن يجنبها نقاط ضعفهم ، فتبنى ثقافة الإخوان ، ودرَّسَ في حلقات الدعوة كتاب شبهات حول الإسلام لمحمد قطب ، ومعالم في الطريق لسيد قطب .

وأذكر أني يومها كتبت ملاحظات نقدية على كتاب معالم في الطريق ، فقد ألفتني فيه عنوان فصل: الانحراف التاريخي ، ورأيت أن سيد قطب أدرك الانحراف الذي وقع بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم، خاصة بملاحظة قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ. (البقرة:253).

وطرحت ذلك مع أستاذنا السيد الصدر فأجاب بأن سيد قطب ليس مكلفاً بالبحث عن ولاية أمير المؤمنين ع لأنه لا يحتمل في حق فلان وفلان أن يكونوا خالفوا النبي‘!

وأما أبو عصام و السبيتي ، فلم يرضيا بنقد كتاب سيد قطب وقالا: نحن بحاجة إلى نقد الفكر الجامد ، لا نقد الفكر الحركي !

أقول: طبعوا كتاب معالم في الطريق، وحذفوا منه هذا الفصل ! ويظهر أن الهوى الوهابي لفح الإخوان ، فحرفوا بعض كتبهم ليوافقوا هوى الوهابية .

كما أن جواب السيد الصدر يعني تطبيق قاعدة حسن الظن والحمل على الصحة لكن هل يطبقها على من يرى أن حزب الدعوة حزب ضلال ، ويرى أن مؤسسيه ضالون ، يجب البراءة منهم ومعاداتهم وحربهم ؟!

وكذلك أمر جواب أبي عصام وأبي حسن ، فمتى كانت حركية الكتاب فوق صحته الفكرية ، وبأي دليل يجب علينا السكوت على أخطائه لأنه حركي ؟

لكني يومها لم أجب السيد الصدر والأخوين ، لأني لم أنتبه الى وجه الحق في المسألة.

كان أبو عصام معجباً بسيد قطب، لكنه معجب أكثر بشخصية حسن البنا فكان يقول: سيد قطب لا يصل إلى مستواه أبداً !

وفي عقيدتي أن شخصية أبي عصام أقوى من شخصية حسن البنا وسيد قطب والشيخ تقي النبهاني وغيرهم ، بل هو من الشخصيات التاريخية النادرة ، في قوة فكرها وطموحها .

كان أصدقائي يقولون إني أقاوم التعب والنوم ، لكن أبا عصام كان أقوى مقاومة مني، وقد تواعدنا يوماً في منزلنا بعد الظهر لنرتب مواضيع ، فجاءني بعد الظهر في صيف النجف، ففتحت الباب ورأى أني كنت نائماً فقال مستنكراً: أنا تصورت أنك لا تنام بعد الظهر ،قلتَ: أنا موجود في أي ساعة ، فتفضل! فقلت له: نعم قلت إني موجود ، ولم أقل إني مستيقظ حتى تأتي !

كان أبو عصام معجباً بالمستوى التنظيمي للحزب الشيوعي ، فأخذ منه ما يراه حسناً للدعوة ، فجاء شكلها يشبه تنظيم الحزب الشيوعي ، فالحلقة خمسة أعضاء يرأسها مشرف ، واللجان المحلية وبقية اللجان الهرمية ، تشبه التنظيم في الحزب الشيوعي .

أما التحليل السياسي، فكان ينتقد تحليل الشيوعين المملوء بتعابير الإقطاع والطبقية والبرجوازية والرأسمالية . إلى آخر منظومتهم .

ولا يعجبه تحليل الإخوان ويقول: يغلب عليه السطحية والعاطفية ، ويعجبه تحليل حزب التحرير ، الذي يتناول القضايا من زاوية الصراع بين المسلمين والمستعمرين خاصة الإنكليز الذين حكموا المنطقة وما زالوا يحركونها ، وهم يُوَرِّثُون نفوذهم طواعية للاستعمار الأمريكي الجديد. أو يضطرون للخضوع لهم ، وقد صار ذلك طابع التحليل في حزب الدعوة .

وبعد مدة اكتشفت ما فعله بنا أبو عصام ، وأن تنظيمنا شكله التنظيمي من الشيوعية ، وثقافته من الإخوان المسلمين ، وتحليله السياسي من حزب التحرير، ونحن شيعة !

فاعجب لهذه الطبخة، التي تعودنا عليها وأحببناها !

هذه الطبخة التي كثر طباخوها بعد أبي عصام ، فشاطت !

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter