حرب الثلاثة تريليونات دولار

تدخل حرب العرق في شهر أبريل الجاري عامها الثامن. وقد حاول الاقتصاديون تحديد تكاليف تلك الحرب، ولكنها كأي حرب أخرى من الصعب تحديد التكاليف المباشرة لها فكيف بغير المباشرة؟ ولذلك تتباين التقديرات تبايناً كبيراً.
ومن أهم الكتب التي خصصت لهذا الأمر كتاب "حرب الثلاثة تريليونات دولار: التكاليف الحقيقية للنزاع في العراق" The Three Trillion Dollar War: The True Costs of the Iraq Conflict للاقتصادي الأمريكي المشهور جوزيف ستيجليتز Joseph Stiglitz بالاشتراك مع البروفيسورة ليندا بلايمز Linda Blimes. ومع أن البروفيسور ستيجليتز محسوب سياسياً على يسار الوسط هذه الأيام، إلا أنه اقتصادي مرموق من الناحية المهنية، كان كبير الاقتصاديين في البيت الأبيض خلال الفترة 1995-1997، ثم كبير الاقتصاديين في البنك الدولي خلال الفترة 1997-2000، واضطر إلى مغادرة البنك بعد أن انتقد بعض سياساته المتعلقة بالعولمة، ولكنه سرعان ما حصل على جائزة نوبل عام 2001، وهو اليوم أستاذ بارز في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك.
ويقدّر ستيجليتز وبلايمز في كتابهما تكاليف حرب العراق في السنوات الخمس الأولى فقط (2003-2008) بثلاثة تريليونات دولار، وهو ما يفوق بعدة مرات كل ما قدمته الولايات المتحدة من مساعدات خارجية منذ إنشاء برنامج المساعدات الخارجية ، أي منذ مشروع مارشال من نحو 60 عاماً.
ومن باب المقارنة، فإن تكلفة الحرب في العراق المقدرة على هذا النحو تعادل، على سبيل المثال، ميزانية دولة كبيرة مثل المملكة العربية السعودية لنحو 25 سنة.
ويناقش المؤلفان عدة أسباب أدت إلى ارتفاع تكلفة حرب العراق، منها:
– زيادة الاعتماد على جنود الاحتياط والمدنيين المتعاقدين مع الجيش، مقارنة بالجنود النظاميين، ففي حالة جنود الاحتياط تلتزم الحكومة بدفع مرتباتهم المدنية بالإضافة إلى بدلات الخدمة العسكرية، أما المتعاقدون فقد تزايد الاعتماد عليهم مع انخفاض عدد الجنود وارتفاع نسبة الأخطار التي تواجه الوجود الأمريكي، فعلى سبيل المثال تدفع الحكومة نحو 4 مليارات دولار سنوياً لتأمين حراسة خاصة لموظفي وزارة الخارجية فقط. وتبلغ تكلفة الحارس الواحد من شركات الحراسة الخاصة حوالي 1,222 دولارا يومياً، أو 445 ألف دولار سنوياً، في حين أن ما يتلقاه الجندي أو العريف من مرتبات وبدلات لا يتجاوز مجموعه 70 ألف دولار سنوياً.
– تحويل المبالغ المخصصة لإعادة الإعمار للاستخدامات العسكرية، فقد التهمت آلة الحرب الكثير من المبالغ التي خُصّصت لمشاريع إعادة الإعمار. وذكر الكتاب عدة أمثلة من ذلك، حيث يقوم الكونجرس بتخصص عشرات المليارات من الدولارات لمشاريع محددة، ولكنها بعد فترة يجري تحويلها إلى مقاولي وزارة الدفاع ويتم صرفها لأغراض عسكرية، هذا بالإضافة إلى الفساد، والذي يتفشى عادة في ظروف الحروب وما تتطلبه من إجراءات طارئة وسرية، وهذا موضوع يجب أن يُفرد له مقال خاص.
– ارتفاع تكلفة الأسلحة الحديثة التي تم تطويرها خصيصاً لحرب العراق، أو تم استهلاك كميات كبيرة منها في تلك الحرب، فبطبيعة الحال فإن شركات الأسلحة تضيف تكاليف تطوير الأسلحة على السعر المفروض على الحكومة، ونظراً إلى أن هذه الأسلحة يتم تصنيعها بشكل احتكاري، فإنه ليس هناك أي ضوابط للأسعار أو ما يسمى بالعلاوات premiums، وفي نهاية المطاف فإن هذه النظم العسكرية الجديدة لا يتم تأمينها عادة من خلال مناقصات تنافسية، بل تنفرد بها شركة أو شركتان.
وقد ظهر تأثير هذه الأوضاع إيجابياً على أرباح شركات تصنيع الأسلحة، ومن ثم على قيمة أسهمها في السوق المالية، فارتفعت قيمة سهم شركت هاليبرتون مثلاً بنسبة 229%، وسهم شركة جنرال دايناميكس بنسبة 134% وشركة ريثيون بنسبة 117% وشركة لوكهيد مارتن بنسبة 105% خلال السنوات الأربع الأولى فقط من الحرب (2003-2007).
ونتيجة هذا الإنفاق العسكري الذي لا يعرف حساباً، من المقرر أن تترك أمريكا العراق العام القادم، وربما حل محلها في النفوذ إيران، عدوها اللدود، مما يعني أن الحرب، مهما كان ذكاء مخططيها، ومهما كانت قدراتهم العسكرية والمالية، ليست مضمونة النتائج. ومما لا يشك فيه عاقل أن المبالغ التي أنفقت على الحرب في العراق لو أنفقت في السلم لعمرت المنطقة كلها، وليس العراق وحده، وربما كان باستطاعة أمريكا لو سلكت ذلك النهج أن تعزز نفوذها في المنطقة بدلاً من أن تفقد قدرتها على التأثير في مجريات الأمور.
ولعل في ذلك عبرة لمن يعتبر

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter