جاموسة المعيدي وبقرة الهندوسي …!

نعيم عبد مهلهل

 قبل 3 اعوام زرت مدينة حيدر آباد الهندية .وهي مدينة ذات اغلبية مسلمة .ولكنها انموذج رائع للتعايش بين الاديان ( المسلم والهندوسي ) وفيها شواهد حضارية رائعة المعمار اسسها ملوك المغول ومنها واحدة من اعلى المنارات في العالم بناها احد ملوك حيدر اباد تكريما لزوجته ويسمى هذا الصرح  (شار منار ) ( أي المنارات الاربعchar minar fibermanco ( مثلما فعل جيهان شاه في اقامة ضريح تاج محل تكريما لزوجته في مدينة اكرا شمال الهند …وفي حيدر آباد مسجدها الشهير ( مكة مسجد ) وهو من بعض اقدم مساجد الهند الاسلامية ويمتاز بطراز معماري فريد .في هذه المدينة يوجد معبد هندوسي كبير وعلى رابية عالية وبمعمار هندسي رائع يدعى  ( بيرلا ماندير ) لفت انتباهي فيه رجلا  من طائفة الهندوس ، يتمدد على التراب ويبكي بحرارة كمن فقد في لحظة قصف امريكي عائلته كلها …وقربه كانت جثة لبقرة ميته .وبين حين يتحسس مهبلها الكبير المتهدل ما بين فخذيها ويمسح وجه ويعود ثانية يمسحهُ …!لم أسأل مرافقي ،فأنا قد ادرك السبب فهذه التي فقدها وماتت هي معبودته والهته .وانه يرى في جهازها الانثوي مصدر خير وبركة ووفقدانه بالنسبة له خطبٌ وحزن عظيم ..والذي يطلع على الميثولوجيا الهندية والمعتقدات بين طوائف هذا الشعب البعيد في العراقة الروحية والحسية يقرأ ويرى العجب … فكل شيء له انعكاس من هاجس خفي ومغري يعبد في الهند …ولكن الهندوس يرون في البقرة حيوانهم الالهي المقدس وهي بالنسبة لهم كما فسره لي ذلك هندوسي متحضر : الضرع الذي نشرب منه حياتنا لنعيش .لهذا اطول صلاة وامنية يقضيها الهندوسي عندما يشعر ان بقرته تعيش ساعة الطلق والولادة فأنها حسب اعتقاده تأتي لنا بآلهة صغير …اتذكر الالهة الصغار تلك التي اتخيلها في كتاباتي عن عالم الأهوار ..ففي واحدة من قصصي في شهوة عاشقين من عشاق قرى الأهوار ، كان الالهة الصغار المولدين حديثاً من رحم اسطورة او منادمة غرام فاضح بين عشتار واحد عشاقها الذين تغرم بهم في متابعتها اليومية لأناس الارض .فيأتي النتاج الهاً صغيراً .فيه شيئاً من ادمية البشر وشيئاً من نقاء الالوهية كما عند جلجامش وانكيدو أو أي بريء يسقط ضحية في ساحة حرب من حروب هذه البلاد التي قادت بقراتها لسنين عجاف ورخاء وفي النهاية لم يبق لأحلامها سوى النعوش والدموع واحلام المتغيرات الحضارية الجديدة .!وهكذا قدس الهندوس البقر لشعورهم انها تنجب لهم كائنات مقدسة تجدد فيهم الحياة والامل ، ولم يجعل الهندوس من كائنهم المقدس هذا طريقاً الى فردوس بل وضعوه في خانة الهيبة منها ومن مهبلها وحجمها وخنوعها اللذيذ لثورها .فتشكل عندهم اندهاشاً لكائن ينبغي أن يقدسوه …ويقال ان الهندوس من جنود الحملة البريطانية الذي اتوا مع الانكليز في افواج السيخ في احتلال العراق في الحرب العالمية الاولى ..كانوا يصرون على اخذ اجازات مسائية من مرؤوسيهم ليذهبوا الى حضائر بيع الماشية في مدينة البصرة ليتأملوا الابقار بحنان وشوق ..وكانوا يبكون بصمت عندما يشاهدون بقرة تذبح امامهم ….في حيدر اباد رجل يبكي قرب بقره …وذاته المشهد تكرر في ذكريات قديمة عندما رأيت معدياً ( بدشداشة سمراء ) يبكي قرب جاموسة ميته …يرى المعدان في الجاموس كائنهم المدلل .والجاموسة في المرتبة التصنفية للمعزة والغلا في قلبه تأتي بعد افراد عائلته ولذلك هو يحبها كعاشق .ويداريها كحبيبه .ويحزن عليها مثل حزن اولاده عندما تمرض .( ولكنه لا يعبدها ….!)يرى المعدان في جواميسهم كافلة العيش الأولى ، ولهذا يصل تقديسهم للجاموس عند حدود الجوع وتوفير سبل العيش لهم بالحد الادنى والابسط من الحياة ، حيث لايسكن المعدان سوى في بيوت مصنوعة من القصب تسمى ( الجبائش ) ، ولايأكلون في اغلب غذائهم سوى الخبز التمر والحليب والرز ، معتمدين على منتج المكان ولذلك يقلل المعيدي من هاجسه ورغبته للذهاب الى المدينة إلا للضرورة القصوى التي تستدعي مراجعة طبيب لمرض خطير ،لأنهم مثلا لايجدون في صداع الرأس والحمى بشيء ذي بال ، وعندما  كتب عنهم ثيسكر كتابه المهم ( المعدان ) ، وأعطاهم حبة الاسبرين في بعض ضيافتهم له في بيوتهم . كان هذا الدواء قد مثل لديهم مثل السحر الذي يخفي بدقائق الم الرأس ، فصاروا يثقون فيه ويطلبون اليه مداواتهم في كل شيء حتى ختان ابناءهم ….و هنا يقع تقديس المعيدي لبقرته في التضاد من التقديس الهندوسي للبقرة .فالهندوسي واقع تحت تأثير الرهبة الروحية والطقوسية المنتمية الى تفكير بدائي بأن هذا الكائن هو اصلا المكون السحري لعملية الخلق .وبين الجاموسة التي يقترب الاهتمام بها الى التقديس ولكن بحدود انها ضرورة العيش الاولى والمعيل الوحيد .ولاحزن في الدنيا يغلب حزن المعيدي عندما يصيب الاذى جاموسته ..!بين جاموسة المعيدي وبقرة الهندوسي آصرة مودة تختلف في قصديتها وتتشابه في قيمة الأعتناق .غير انهما يختلفان في طبيعة المعتقد .فالمعدان في الهاجس العقائدي يمتلكون فطرة الانتماء الى الخالق السماوي بفعل توارثوه عن حس وفطرة ودون هاجس مثيولوجي كما عند الهندوس …فهم اكتسبوا الانتماء الى المعتقد من طبيعة المكان المنتمي الى هاجسه الروحي ذو التراكيب الاجتماعية المتكورة بالتفاعل التاريخي .بالرغم من انهم خضعوا بفعل فطريتهم وانعدام التعليم بين ابناءهم الى هيمنة المسيطر الموجه الديني وبعضها خاضع للتأويل والخرافة وآخر خاضع لحسابات استغلال فطرية ونقاء وبساطة وبكر الذاكرة الطيبة لهؤلاء الناس الذي يشابه في بعض مواقفها عناد عجيب يشبه عناده وهو يخوض في مياه برك الاهوار المليئة بالقصب ليعيد جاموسته الغائرة فيها الى حضيرتها ..!غير ان هاجس المكان يكاد يجمع التأثيرين معا في الخانة الروحية .حيث أن البقر له موطناً اصلياً هو الهند .والجاموس ايضا قيدَ بقطعان كثيرة من موطنه الاصلي ليدجن في العراق ولكن منذ العهود السومرية القديمة …ولكنه ربما لم يكن في سفينة نوح في رحلة طوفانه ..لانه ملتصق بالبيئة وطبيعتها ويحتاج الى اجواء حارة ورطبة نوعا ما .وسفينة نوح في رؤى التاريخ عنها ابحرت من المناطق الحارة الى المناطق الباردة ولهذا لايمكن لذلك الكائن ليعيش هناك .ففضلَ اهل سومر ان يجعلوه معيلاً لهم بحليبه الدسم الذي يكاد يعوض عن القيمة الغذائية للكثير مما يفقده في مائدته..!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter