ثورة العراق دعمت استراتيجية العرب

عالية محمد حسن

بدا ظهور العراق كوحدة سياسية على مسرح الشرق الاوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى عندما عين فيصل ملكاً عليه عقب خروجه من سوريا تحت ضغط فرنسا وبريطانيا .. ثم فرضت بريطانيا انتدابها عليه .. وقعت معه معاهدة صورية وظلت تسيطر بقواتها على سياسة العراق حتى قبل ثورة 14 يوليو سنة 1985 .. ولعل اشراك العراق في حلف بغداد بالصورة التي عرفت يعتبر دليلاً مادياً على مدى نجاح السياسة البريطانية في السيطرة عليه في الماضي.
اهمية العراق الاستراتيجية
أ- كان العراق دائما هدفاً استراتيجياً لكل من يتطلع الى منطقة الشرق الاوسط ، ولكل من يرنو الى الوصول براً الى الهند وابواب اسيا الغربية ، وذلك لوقوع العراق على الخليج العربي ولاحتوائه سهلا واسعا يصل بين الجبال الشمالية على حدود تركيا الى المياه الدافئة المؤدية الى المحيط الهندي المفتوح، علاوة على امكان الاتجاه شرقاً الى ايران ..وغرباً الى سوريا والاردن والبحر الابيض المتوسط .. وجنوباً الى باقي الجزيرة العربية .
ب- هذا .. مع امكان اجراء اية تحركات بعدة وسائل . سواء بالنقل المائي الداخلي او بالطرق البرية او بالسكة الحديدة او بالطائرات علاوة على ارتباطه بهذه الوسائل مع تركيا واوربا وايران.
جـ -اتصال العراق بشبكة واسعة من المواصلات الجوية العالمية بين اسيا واوربا.. وبالملاحة البحرية عن طريق ميناء البصرة .
د- وفرة موارد البترول فيه ، فقد بدأ اكتشافه عام 1927 في الشمال والجنوب ، ويبلغ معدل الانتاج اليومي 750,000 برميل يومياً وبلغت حصيلة العراق في عام 1955 مبلغ 235 مليون دولار وتوزع حصص الاستغلال للبترول في العراق بنسبة 23,75 % فرنسية ، 23,75 % بريطانية،  23,75% امريكية،  23,75% بريطانية هولندية ، 5% جنسيات اخرى وينتهي الامتياز عام 2000.
هـ- وجود خطوط انابيب لنقل البترول من شمال العراق الى كل من حيفا بفلسطين المحتلة وقد تعطل هذا الخط منذ 1948 ، وطرابلس بلبنان.. وهذه الخطوط الثلاثة تمر بالاردن ، وبانياس بسوريا، وقد تعطل في نوفمبر عام 1956 بمناسبة العدوان الثلاثي على مصر. وكان الاتجاه يرمي الى انشاء خط انابيب جديد من كركوك الى الاسكندرونة على البحر الابيض المتوسط عبر تركيا هذا فضلاً عن امتداد فرع من الخط السابق الى الجنوب ،حيث منطقة الزيت في الخليج العربي وفرع آخر الى الجنوب الشرقي حيث مناطق الزيت الجنوبية بإيران . وبذلك تكون هذه الشبكة الجديدة من الانابيب مع خط الانابيب المفتوح الذي يخترق تركيا بمثابة الطريق التبادلي الذي يمكن به نقل زيت الشرق الاوسط الى البحر الابيض دون حاجة الى مروره عبر قناة السويس ، ودون حاجة الى نقله بالبحر عن طريق رأس الرجاء الصالح مثلاً .
و- وجود القواعد بريطانية فيه ، وتعتبر بمثابة قواعد امامية للقوات الغربية التي تقف في وجه الخطر الشيوعي، مع امكان اقامة قواعد امريكية في العراق بعد دخولها كعضو في اللجنة العسكرية بحلف بغداد (اذ كان قد تقرر اشتراكها رسمياً نتيجة لمؤتمر برمودا في فبراير سنة 1957 ) تتمم ومثل هذه القواعد التي كان الحلف ينوي اقامتها تتمم الحلقات التي اقامتها امريكا في الظهران ، وتركيا ، وليبيا، والحبشة، وجنوب شرقي آسيا.
ز- اكتشاف موارد معدنية ضخمة ، اهمها الكبريت وبدئ في استغلاله على نطاق واسع .
ح- امكان توليد القوى الكهربائية بنسبة عالية خصوصاً بعد اتمام تنفيذ مشروع نهر الثرثار شمالي العراق . ومعلوم مدى الاهمية التي يمكن استغلالها من القوى المحركة ، وتوقع التوسع في تنمية وسائل المواصلات المختلفة ووسائل الانتاج.
ط- امكان التوسع الكبير في زراعة الارض اذا توفرت لها الايدي العاملة ، والقوى المحركة ، مما يساعد على صناعة السماد اللازم لتقوية الارض ، وبالتالي مما يضاعف انتاجها.
ي- وجود العراق كعضو مؤسس في حلف بغداد – باعتبار ما كان – قد اضفى عليه صبغة اقليمية خاصة من وجهة نظر الدول الغربية بالرغم من كون هذا الحلف اداة استعمارية خالصة ، الا ان اشتراك العراق فيه اعطى الفرصة الكبيرة للغرب للأدعاء بتعرض الشرق الاوسط لخطر الشيوعية وضوروة تأمينه ضدها ، الامر الذي شغل الرأي العام المحلي لبعض ساسة دخول الشرق الاوسط نحو الخطر الشيوعي ، وبذلك تحول اهتمام تلك الدول خلال السنوات الثلاث الماضية نسبياً عن مواجهة الخطر الصهيوني والخطر الاستعماري وبمعنى آخر كان قيام حلف بغداد سبباً مباشراً في مضاعفة الدعاية الاستعمارية الصهيونية نحو توجيه الانظار الى الشيوعية بدلاً من الصهيونية التي هي قائمة فعلاً في قلب الشرق الاوسط ، وانها لم تمارس اي مظهر مادي للتهديد المسلح على دول تلك المنطقة  – للآن على الاقل – كما فعلت اسرائيل بإستمرار عدوانها على مصر وسورية والاردن ، لذلك كان لحلف بغداد اهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل ، اذ ساعد قيام هذا الحلف على اختلاف وجهات النظر بين الحكومات العربية وشعوبها من جانب ، وبين حكومة العراق في عهد ما قبل الثورة من جانب آخر . فأمكن للدعاية الصهيونية ان تجد لها ميادين لنشاطها في حومة هذا الخلاف كما ان انشاء هذا الحلف اتاح الفرصة لبريطانيا بصفة خاصة وللإستعمار الغربي بصفة عامة لإستمرار ممارسة النشاط الاستعماري في منطقة الشرق الاوسط بصورة رسمية علنية في الوقت الذي كان ان يتم فيه القضاء النهائي على النفوذ البريطاني في هذه المنطقة ، وخاصة بعد جلاء الانجليز عن السودان ومصر والاردن ، مما كان سيؤدي في النهاية الى امتداد الحركة التحررية ضدهم في ليبيا والعراق وجنوب الجزيرة العربية ، فكان ان اسرعت بريطانيا بإنشاء هذا الحلف لتحجز به تدفق الوعي القومي عن العراق ، كما حاولت ان تضم الاردن الى هذا الحلف لنفس الغاية حتى تسد كل المسالك والمنافذ في وجه معركة التحرير المبعثة من وادي النيل .
اسباب دخول العراق حلف بغداد
ولقد كان دخول العراق في هذا الحلف عام 1955 نقطة تحول كبرى في تخطيط الاستراتيجية العربية لتأمين نفسها في نطاق الشرق الاوسط ضد اطماع الاستعمارية والصهيونية ، اذ بدأت تتفتح بعض الثغرات بين حكومة العراق البائدة .. وبين باقي الامم العربية مما اعان الاستعمار على التسلل منها لنشر السموم في كيان الامة العربية لإشاعة الفرقة فيما بينها ، ولتمزيق اوصالها حتى لا تستطيع المضي في الطريق التقدمي الذي بدأت تسلكه منذ بدأ تقلص النفوذ البريطاني في قاعدته التي كان قد احتلها بالسويس ، ثم بجلائه عنها تحت ضغط حركة التحرير المصرية .
ولقد ناهضت كل الدول العربية فلسفة نوري السعيد السياسية ، التي دفعته للإشتراك مع تركيا في هذا الحلف وان كان هو قد دافع عن وجهة نظره ولا شك انه كان يعلم قبل مولد هذا الحلف بأنه سيضم انجلترا وايران وباكستان ، كما انه سيلقى التأييد الكامل من الولايات المتحدة وبمعنى آخر ، كان يعلم انه بالاشتراك في الحلف ، انما يربط مصير العراق بمصائر الانجليز والاتراك والامريكان ، اي انه ارتضى لنفسه ان يقذف بحكومته وشعب العراق مباشرة الى الحظيرة الغربية ، فكسب بذلك اعداء الكتلة الشرقية ، التي لم تكن قد اظهرت اي عدوان عليه ، في حين انه كان يعتبر دائماً – كباقي العرب- تحت تهديد مطامع الصهيونية . فكأنه هادن او تحالف مع اسرائيل بطريقة غير مباشرة بإعتبارها وليدة الدول الغربية التي اوجدت حلف بغداد ، كما اوجدتها هي من قبل ومن معاني اشتراك العراق في حلف بغداد ، ان نوري السعيد ارتضى للعراق ان يكون كالكرة السابحة في الفضاء تتقاذفها كتلة حلف جنوبي شرق اسيا التي تنتهي غرباً بالباكستان (وهي عضو في حلف بغداد ) وكتلة حلف شمال الاطلنطي التي تنتهي شرقاً بتركيا (وهي ايضاً عضو في حلف بغداد ) . اي ان العراق احنى هامته السياسية لتكون بين اسيا واوربا عبر الشرق الاوسط ، لكي تستكمل قيام الاسوار والحواجز القائمة حول حدود الاتحاد السوفيتي ومعه الكتلة الشرقية من كل جانب .
ماذا حقق حلف بغداد
لم يمارس الحلف نشاطاً ايجابياً ، بل اقتصر نشاطه على الاجتماعات الدورية بين عواصم الدول الاعضاء ، وكان قيامه او وجوده سبباً مباشراً في نشاط الدعوة المضادة للإنطواء تحت الاحلاف .. وقويت كتلة التحرر من الاحلاف في حين ان دول الحلف شعرت بالعجز والحرج عندما قامت احدى الدول الاعضاء في هذا الحلف وهي بريطانيا بالاشتراك في العدوان المسلح على مصر ، مما اثار سخط العالم بصفة عامة ، واثار سخط الدول الغربية الراعية لسياسة الاحلاف وهي امريكا .. وقد تجمد الحلف وتوقف نشاطه . حتى ان العراق اعلنت مقاطعتها له وعدم اشتراكها في اي اجتماع تحضره بريطانيا ولم يستطع العراق اتخاذ اي اجراء سياسي ضد بريطانيا في قواعد العراق . وهكذا كشفت ازمة العدوان على مصر مدى التقليد الذي رضخ تحته العراق بارتباطه في العجلة البريطانية ، بسبب حلف بغداد .
ك- بعد تحرر العراق من هذا الحلف واتجاهه في موكب الاحرار وتأييده المطلق لسياسة الحياد الايجابي والتعايش السلمي التي نادت بها الجمهورية العربية المتحدة على لسان الرئيس جمال عبد الناصر بما يؤيد قرارات مؤتمر باندونج وبريوني ، اضفى هذا التحرر العراقي قوة جديدة للكتلة العربية والكتلة الاسيوية الافريقية مما اضاع الفرصة الاستعمارية امام دول الغرب لكي تنال من تطور الوعي العربي .
وهكذا كان تحرر العراق عاملاً جديداً فعالاً في تدعيم خطته الاستراتيجية العربية للوحدة والتكتل مما سيحقق تحرر كل الشرق الاوسط بصفة خاصة ، مما سيدعم دعوة السلام المنبثقة من المنطقة لتخفيف حدة التوتر بين الشرق والغرب .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter