ثورة الشعب المصري: المخاطر الحقيقية

د. مخلص الصيادي

 

 

 

ما شهدناه وشاهده العالم من خروج الشعب المصر بالملايين وفي كل انحاء مصر يوم الثلاثاء ليقول كلمته الموحدة : ارحل، ليقولها لمبارك ونظامه ورجالاته، ما شهدناه كان مشهد العمر، وهو مشهد لم يسبق أن رأيناه، وإن كنا رأينا نظيره في ثلاث مناسبات مختلفة ما زال جيلنا يذكرها : الاستقبال التاريخي الذي لقيه جمال عبد الناصر في سوريا إبان الوحدة، والخروج الجماهيري الباهر يوم استقالة عبد الناصر في 9،10 يونيو 1967، ويوم وداع عبد الناصر يوم انتقل الى جوار ربه.

 

المشاهد الثلاثة كانت مليونية، وعفوية، ومشهود لها، لكن ما شاهدناه الثلاثاء كان أعظم دلالة وأقوى فاعلية، لأنه خروج ضد السلطة وبغرض تغييرها، خروج حمل فيه الناس أرواحهم على أكفهم، وقرروا المضي بالمشوار الى آخره مهما كانت التكلفة، خروج تحدٍ لاتشوبه شائبة.

 

كثيرون من رجالات النظام المصري والعربي وأبواقه، وكثيرون في مواقع القرار في العالم الغربي وكذلك أبواقهم، كانوا يعتقدون أن هذه الجموع الشعبية المذهلة، لن تستطيع المضي في تصعيد احتجاجاتها، وإن استطاعت طلائعها الصمود في الاعتصام في ميدان التحرير أو غيره، فإنها بمضي الوقت لن تستطيع أن تجذب الجمهور العام، لكن ما حدث يوم الثلاثاء أظهر أن الأمة بكل مكوناتها خرجت مجمعة على قول واحد: ارحل، الشخص والنظام والسياسات، وكان ذو دلاله قوية أن يرفع المتظاهرون شعاراً يقول ” لن نرجع عبيدا للأمريكان”.

 

والذين استمعوا الى صوت الناس، وصوت المثقفين، وصوت الرجال والنساء في ميدان التحرير، وفي مدن مصر المختلفة التي شهدت هذا الخروج الشعبي المشهود، أدركوا أن هذه الملايين مجمعة على أهداف محددة:

 

**رحيل النظام بقضه وقضيضه، برجالاته ورموزه، بسياساته وخياراته وتحالفاته.

 

**بناء نظام ديموقراطي كامل يمنع تحت أي ظرف ولادة ديكتاتور آخر، أو ولادة نظام مستغل مفرط مشابه .

 

**ضمان العدالة الاجتماعية للقوى الشعبية، بمعالجة كل أوجه الخلل الذي شوهت بنية المجتمع المصري.

 

**إعادة بناء الأمن المصري على قواعد الجغرافيا السياسية، والثقل البشري والعلمي، الذي  يحدد دور هذا البلد وخياراته.

 

**إعادة الهيبة لمصر وأمنها “وطنا ونيلا”،وبناء مكانتها القومية والإقليمية والدولية، بعد أن تآكلت هذه بفعل سياسات والنظام والاتفاقات التي ورط مصر فيها.

 

**وأن تكون أجيال الشباب هي قوة الدفع والحماية الرئيسية لحركة المجتمع وحيويته، وذلك من خلال توفير السبل القانونية والحياتية لانخراطها في النشاط السياسي والاجتماعي.

 

ورغم أن الساحة المصرية تضم أطيافا سياسية واسعة، وأحزابامتعددة مختلفة في الوزن والقدرة، فإن أياً من هذه الأحزاب والأطياف لم تستطع من قبلُ أن تجسد هذه الأهداف الشعبية، أو لم تستطع شخوصها ونماذجها المقدمة للناس أن تقنعهم بجدية ما يطرحوه ويعرضوه عليها من أهداف.

 

أقول هذا ولا أستثني أحدا بدءاً من الناصريين ـ الذين أنتمي اليهم ـ والأخوان المسلمين، وصولا الى الليبراليين ـ التقليديين والمستجدين ـ ممثلين بحزبي الوفد والغد، ومع ذلك فإن عند كل هؤلاء شيئا مما تتطلع اليه هذه الجموع الشعبية، أو بعبارة أصح وأدق: فإن في استطاعة كل هذه الأحزاب والتيارات أن تجد شيئا من شعاراتها واستهدافاتها فيما رفعته وتطلعت اليه هذه الجموع الشعبية.

 

 وأضيف على ذلك أن في هذا التحرك الشعبي المستمر الذي يصنع ثورة غير مسبوقة، شيئا وأثرا من كل هذه القوى والأحزاب، صحيح أن هذه ليست هي صانعة هذة الثورة، لكن الصحيح أيضا أنها لم تصنع بعيدة عنها، لقد شاركت جميعها، وساهمت في تهيئة الظروف لولادة الثورة التي نراها،

 

نحن لاننسى  التحرك الشعبي  المؤثر  لحركة كفاية وما قامت به في وجه مبارك وسلطته، ولا ننسى مشهد منسق الحركة المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري وهو بقامته ومقامه يواجه طغيان سلطة القمع وحوله كل رجالات كفاية،

 

نحن لاننسى معنى وأثر ولادة حركة شباب السادس من ابريل، وشعاراتها في مواجهة العبث بالدستور، والعبث بمقدرات الأمة، والتنبيه الى الوسائط الجديدة في تحريك الشارع والتحرك معه.

 

نحن لاننسى ما قدمه حزب الكرامة من طرح جامع يريد أن يكتشف من الأفكار والقيم والبرامج ما يوحد قوى الأمة، ويعزز قدرتها في مواجهة الاستبداد، والفساد، والتبعية للغرب والولايات المتحدة، والخضوع للإستراتيجية الاسرائيلية الأمريكي في المنطقة،

 

نحن لاننسى جهود حركة الاخوان المسلمين في كشف زيف العملية الديموقراطية للنظام، ورفضهم التواطؤ معه في اخراج مسرحية الانتخابات، ومطالبتهم الدائمة بتغيير هذا الوضع، والتضحيات التي قدمها مناضلوهم وهم يساقون الى السجون العشرات إثر العشرات لا لشيء إلا لأنهم لم يخضعوا لارادة النظام ورغبته في تدجينهم.

 

نحن لاننسى حتى اثر  المواجهة التي جرت بين ” نور وحزبه ” الذي تجرأ على مواجهة مبارك مرشحا للرئاسة في المساهمة في كسر هيبة النظام، وتبيان مدى عجزه عن تمثيل حتى أولئك الليبراليين الذي قد لايختلفوا كثيرا عن خياراته الاقتصادية والسياسية.

 

نحن لاننسى المحاضرات والبرامج والمساهمات الفكرية والندوات القيمة التي قدمها رجالات مصر ومفكروها لهذا الجيل حتى يمكنوه من الرؤية الصحيحة في وقت عمل فيه النظام على تشويه التاريخ كما شوه الحاضر، وعلى تفتيت الأمة والشعب وتبديد طاقاتهما كما فتت وبدد ثرواتهما، وهنا نشير الى رموز من هؤلاء الرجال: الدكتور سليم العوا، الدكتور محمد عمارة، الأستاذ حمدي قنديل، المستشار طارق البشري، الاستاذ محمد حسنين هيكل، والاستاذ المرحوم عادل حسين، الدكتور المرحوم عبد الوهاب المسيري، وعشرات بل ومئات من هؤلاء الأعلام، الذين مكنوا لشباب الأمة بما قدموه أن يروا الحقيقة بعقلهم وفكرهم، بمثل ما يعايشوها بوقائع حياتهم اليومية، فلا يخدعوا بشعارات، ولا يغرر بهم بزيف اعلام، ولا يتحولوا الى سلعة يتاجر بهم القاصي والداني بمعسول القول او مزيفه.

 

نحن لاننسى هؤلاء جميعا، ـ وآخرين قد نكون غفلنا عن ذكرهم قصورا منا ـ  وحين خصصنا ونحن نعرض لهذا الحزب أو التيار الاشارة الى جانب من تأثيره في الواقع، فلم يكن القصد اغفال الجوانب الأخرى، ولكن تسليط الضوء على ما تميز به ويجد الشباب حاجته فيه.

 

نحن لاننسى هؤلاء جميعا، لكن قوى الثورة الشعبية أكبر من هؤلاء جميعا، وأجمع منهم كلها، وأوضح في التطلع والاستهداف، وأحفظ لارادة الأمة ومستقبلها، وهي الأمينة على هذه الثورة، هي وحدها، كل الأحزاب والحركات والشخصيات والمفكرين والاعلاميين والقانونيين .. الخ، جزءاً من هذا التحرك الشعبي، ليست بديلا عنه، ولا ممثلة له، ولا أمينة على  أهدافه إلا بمقدار.

 

لماذا نؤكد اليوم هذه المعاني؟.

 

 لماذا نشدد علي أن جماهير الثورة هي المؤتمنة الحقيقية عليها، ليست الأحزاب والشخصيات، وحتى ليس الجيش؟.

 

 وأن مكانة هؤلاء وهؤلاء من الثورة بمقدار التزامهم بأهدافها وقواها، وبأن تمثيل قوى الثورة، قوى الشباب والجيل الجديد، في أي تحرك يريد أن يرسم الخطوات العملية للمستقبل يجب أن يتحقق بالحجم والقوة نفسها التي تمثلها قوى الثورة في الشارع والساحات؟.

 

نحن نفعل ذلك لأننا نرى بوضح محاولات الالتفاف على هذه الثورة وأهدافها، ونرى بأم أعيننا كثافة في هذه المحاولات أثناء وعقب الإحتجاجات المليونية، ولا تمثل المماطلة المقيتة التي أبداها الرئيس مبارك متمسكا بموقعه، ومحاولة اظهار أنه ما زال ممسكا بمقدرات السلطة، كما تمثل جريمة العدوان على المحتجين في ميدان التحرير عقب هذه التجمعات الميلوينة، والتي يقوم بها تحالف بلطجية جهاز الأمن ورجالاته “الذين روعوا الشعب على مدى السنين الماضية كلها ” مع رأس المال المستغل، الطفيلي والمرتبط، في محاولة لفض جموع الثائرين إلا أضعف  هذه المحاولات، وأكثرها انكشافا.

 

 فهذا السفاح ـ الذي يتربع علي رأس مصر ـ يمضي سريعا الى نهايته، وتحالف أثرياء عصره مع القوى الأمنية  يحاول بجرائمه هذه إطالة تأخير هذه النهاية ولو لأيام، وكل ما يجري يجري تحت أنوار باهرة تكشف كل شيء، وتسقط اي محاولة لحلول وسط، وترسم نهاية مفجعة لرأس النظام وأركانه.

 

المحاولات الأخطر تلك التي تبذلها القوى الغربية وفي المقدمة منها الولايات المتحدة، التي باتت على يقين من انتهاء زمن مبارك، وتعمل على ترتيب الوضع القادم.

 

بوضوح يريد هؤلاء تغييرا بالمقاس والحجم والمواصفات التي تبقي مصالحهم واستراتيجيتهم، واولوياتهم، في مكانها التي حفظها لهم نظام مبارك، مع وجه جديد غير وجه مبارك الذي بات عبئا عليهم.

 

وتستند هذه القوى القوى الى بعض الأساليب التي يعتمدها نظام مبارك من حيث  محاولة شق صف الحركة الشعبية باعتمادها شخصيات معينة للتفاوض معها بديلا عن قوى الثورة، ودفع هذه القوة المصرية أو تلك للخروج عن روح الاجماع بدعوى الاختلاف حول اهداف معينة، أو حول خطط يريد الشباب ان يطوروها لانجاز هدف التخلص من مبارك ونظامه، لكنها تتميز عن نظام مبارك بميزات محددة

 

** فهي باتت توجه نقدا لاذعا لمبارك وتطالبه بالخروج من السلطة وإجراء عملية التغيير بسرعة ودون اي تاخير، فتبدو بذلك وكأنها متطابقة مع المطلب الشعبي في هذا الجانب.

 

**وهي تطالب بتغيير يتولد عنه نظام ديموقراطي، نظام غير فاسد، يستطيع أن يمثل إرادة الأمة ، وخياراتها، وهذا واحد من أهم مطالب التحرك الشعبي.

 

لكن هذه الميزات لاتعدو أن تكون غطاء لتطلع رئيسي تعمل له القوى الغربية، فهي تريد أن يأتي التغيير محافظا على ثلاثة أهداف  رئيسية حيوية بالنسبة لها لايمكن التساهل إزاءها، أو القبول بحلول وسط تجاهها :

 

الهدف الأول : أن يلتزم أي نظام جديد بالاتفاقات التي عقدها والتزم بها نظام مبارك وقبله نظام السادات، وفي مقدمة هذه الاتفاقات، اتفاقات كامب ديفيد، وما اتصل بها، وتبعها، على مختلف المستويات.

 

الهدف الثاني : أن يلتزم النظام الجديد التحالف مع النظام الغربي، والولايات المتحدة، إذ ليس مقبولا أن يأتي نظاما يتخلى عن هذا التحالف، أو يتجه اتجاها آخر، كأن يقيم علاقاته الخارجية على اساس الالتزام القومي، أو على اساس “مشرق اسلامي يضم الى قوى الأمة العربية كلا من ايران وتركيا”، أو على أساس الالتزام بقوى التغيير الثورية في العالم، والتي تمتد ساحتها من أمريكا اللاتينية، الى القارة الأفريقية .  

 

الهدف الثالث : أن يلتزم اي نظام جديد بالمفاهيم الاقتصادية والاجتماعية التي يلتزمها ويقودها الغرب، والتي تمثلها سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهذه سياسات واضحة، ومحددة،وهي تمثل الأساس الذي قامت عليها أنظمة البغي والفساد الذي تعيشها بلداننا،وبلدان كثيرة غير بلداننا، إذ من الثابت علميا أن هذه الأنظمة هي نتاج تلك السياسات، ليست مستقلة عنها، ولا غريبة عنها، لاتوجد خارجها.

 

ولا يهم الغرب الذي ينادي الآن بضرورة الديموقراطية في مصر، ما إذا كان الشعب المصري يوافق على هذه الاتفاقات أو يرفضها، فالديموقراطية التي يرفع الغرب صوته عاليا من أجلها، يجب الا تأتي ضامنة لهذه الالتزامات والاتفاقات والتحالفات، وغير مقبول منه أن يكون هناك استفتاء أواستطلاع،أو انتخابات، أو أي مظهر من مظاهر إرادة الشعب المصري تأتي خلاف ذلك.

 

بوضوح قال القادة الأوربيون أنهم يريدون تغييرا منضبطا، تغييرا هذه هي مواصفاته، وهذه هي حدوده، وحينما يجرون اتصالاتهم مع أي طرف في مصر فإن هدفهم ضمان وقوع مثل هذا التغيير،

 

وخطورة ما يقومون به أن من بين القوى المشاركة في هذه الثورة وكذلك الشخصيات وأهل الراي من يقف الى جانب هذه الرؤية الغربية، وإذا كان هؤلاء ملتزمين في لحظات المد الشعبي بالموقف الشعبي، فإنهم في لحظات الضغط، ولحظات جني الثمار قد يتحولون الى حصان طروادة، فيظهر موقفهم وكأنه انشقاق في حركة قوى الثورة، في وقت تكون فيه هذه القوى في أمس الحاجة الى وحدة الموقف ، والى صد أي محاولة للإختراق.

 

والى جانب هذا الخطر الذي يمثله الموقف الغربي ومناوراته، يبرز الخطر الاسرائيلي، وهو خطر ماثل، وقد يقدم على خطوات يهدد فيها بإعادة احتلال سيناء إذا ما لاح في الأفق أن النظام الذي سيخلف نظام مبارك، سيكون نقيضا له، وفي هذا محاولة لايستخف بها لارهاب الشعب المصري، ولتطويع إرادة الجيش المصري.

 

نحن نعلم أن كامب ديفيد لم تُعد لمصر سيناء حرة على وجه الحقيقة، لكن التهديد بإعادة احتلالها سيكون له أثر فعلي، قد يكون أثرا سلبيا على قوى الثورة، وقد يكون إيجابيا، قد يفتح الباب للتحرر التدريجي أو الفوري من قيود كامب ديفيد، وقد يكون مشجعا للقوى التي لاترى بأسا من كامب ديفيد ـ وبعض هذه القوى تتحرك الأن ضمن في إطار الحركة الشعبية نفسها ـ أن تبدأ في الفت في عَضُد الثورة.

 

ولا يغيب عن صورة القوى التي تحاول أن تواجه هذه الثورة ولو في الخفاء مجموعة النظم العربية التي كشفت ثورة الشعب المصري هشاشتها، وستكشف حين انقضاء حكم مبارك، دورها في صناعة مرحلة الردة في مصر، ودورها مع نظام مبارك في التنسيق السياسي والأمني مع الولايات المتحدة لقتل كل مظاهر المقاومة والصمود في الحياة العربية، في مصر بشكل مبكر، وفي لبنان، وفلسطين، والعراق، وحتى افغانستان، والبرامج التي اعتمدتها لتحقيق ذلك: البرامج الأمنية، والاعلامية، والمالية، والسجون القذرة، التي كانت جميعها أدوات في تحركها وما زالت.

 

إن هذه النظم تتحرك الأن، تتحرك بدعوى دعم الاستقرار والأمن في مصر، وهي في حقيقة الأمر، تتحرك لإجهاض هذه الثورة الشعبية، تحرك بالمال لتحريك قوى الثورة المضادة التي رأينا بعض مظاهرها في الأيام الماضية، وتتحرك بعمليات التخريب، التي ستكشفها الأيام القادمة، وتتحرك بإعلامها الخبيث ـ وهي تملك الكثير منه ـ الذي يروج لمشاهد التخريب وكأنها واحدة من أفعال قوى الثورة، ويروج لدعوات الاستقرار وكأن الثورة عمل مضاد لاستقرار مصر، أو كأن نظام مبارك هو الضامن لهذا الاستقرار، ويروج لرموز وشخصيات تُعدها لمرحلة قادمة تتوافق مع التطلع الغربي الأمريكي.

 

في الخامس والعشرين من يناير أنطلقت هذه الثورة الشعبية، وفي يوم التحرك المليوني، يوم الثلاثاء الأول من فبراير، خرجت هذه الثورة من مرحلة إثبات النفس والثبات على الموقف، منتصرة باهرة، ولم يبق الا حصاد النصر، وأول هذا الحصاد كنس رأس النظام بداية لوضع النظام كله، بكل رجالاته، أمام قضاء الأمة لينال جزاء جرائمه.

 

ونحن ندرك أن الطريق ما زال طويلا، وما زالت المخاطر تحيط به من كل جانب،لكن ما تحقق فعلا يجعلنا مطمئنين، متفائلين بالمستقبل، فقد خارج المارد من قمقمه، واستعاد المواطن روح المسؤولية تجاه وطنه ومستقبله،واستعاد الوطن قوة الشباب الى ساحة العمل السياسي، وعلت الكرامة الوطنية لتكون شعار الجميع، ومها علا مطلب حقوق الانسان وقدسية هذه الحقوق، وسقط مرة واحدة والى الأبد الرعب الذي صنعته قوى الأمن ووسائلها في قلوب الشباب وضمائرهم.

 

متى يرحل النظام كله؟.

 

ومتى يأتي البديل الحقيقي؟

 

نحن لانشك بالنصر القادم، وأن مصر باتت على بداية الطريق لاستعادة عبقرية المكان الذي حباها الله به، وللقيام بدورها التاريخي تجاه أمتها ومحيطها، دور لايقوم به أحد غيرها، وإذ نتوجه بالإجلال لمصر وشبابها ورجالها وشهدائها وقواها الحية، وثورتها الشعبية العظيمة، فإننا نقول:

 

** لإخوتنا في غزة أن ما يجري في مصر اليوم يرسم بدايات الفرج لكم والنصر ايضا، ولكم أن تتيقنوا بأن دماء الشهداء في العدوان الاسرائيلي على غزة، والفظائع المتخلفة عن حصارها، وعار الجدار الفولاذي الذي أراده نظام مبارك طوقا يخنق به الشعب الفلسطيني في غزة، قد ساهم كله في تهيئة المناخ لهذه الثورة،  

 

**ونقول لأخواتنا في لبنان: للمقاومة، وحلفائها، ووقواها أنه مع ثورة الشعب المصري ذهبت فتنة المحكمة الدولية أدراج الرياح.

 

 ولقد قدمت لشعب مصر في نصركم على العدوان الاسرائيل عام 2006 , وهزيمتكم له، درسا في قدرة الشعوب على تحقيق ما قد يعتبره الحكام والنظم مستحيلا، فعززتم بهذا الدرس روح الثورة التي ينجزها المصريون هذه الأيام.

 

** ونقول لكل القوى الوطنية والاسلامية والقومية في الوطن العربي كله، أن ثورة الشعب المصري، ثورة الخامس والعشرين من يناير، قدمت النموذج: تحركا وقوى وقيما، واستطاعت أن تحقق وحدة وطنية حقيقة، لاطائفية فيها، ولا أي شكل من أشكال الانقسام الداخلي، وحدة يلتزم فيها الجميع الانتماء الى الوطن والى الأمة، والعداء للإستبداد والفساد والقهر الاجتماعي، وإدراك لدور الغرب والولايات المتحدة في وصول مجتمعاتنا الى ما وصلت اليه، خدمة لمصالحه، وللكيان الصهيوني.

 

ولقد آن لكل هذه القوى في كل بلد عربي أن تنحو المنحى نفسه، وأن تؤمن بأنها ستنتصر مهما كان النظام القائم مستبدا وفاسدا وتابعا.

 

**ونقول لقوس التغيير المشرقي المرتسم بين ايران وتركيا وقوى المقاومة العربية، أن مصر قادمة لتعيد التوازن لهذا القوس، وتمكن له صناعة مستقبل حقيقي، إنكم تملكون أن تصنعوا مع مصر القادمة ما لم يستطع أن يصنعه الاتحاد السوفياتي مع مصر الناصرية، فتهيؤا لهذه المرحلة، ولاعبائها، ولطبيعتها.

 

النصر قادم لاشك في ذلك، والأمة تستعيد مكانتها ودورها، فالحمد لله الذي جعلنا شهودا على ذلك.

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter