توزيع الثروة في المجتمع الجماهيري- القسم الاول

أية قاعدة لاتساوي بين افراد المجتمع مساواة كاملة في توزيع الثروة قاعدة فاسدة وظالمة ومشرعوها فاسدون وظالمون

 

الارض ليست ملكا لاحد ، حكومة او غيرها ، انما ملك الناس جميعا

 

شركاء لا اجراء هو قانون الانسانية العادل ، والظلم وحده يفجر الثورات

 

 
 

 

المقدمة

 

تعتبر ثروة المجتمع ملكا لكل أفراده، ويحق لكل فرد أن يستغل هذه الثروة للانتفاع بها في حدود جهده الخاص دون استخدام غيره بأجر أو بدونه وفي حدود إشباع حاجاته.إن نصيب كل فرد من هذه الثروة وحقه فيها يتساوى مع نصيب غيره من أفراد المجتمع، كما أن نصيب الفرد يزداد وينقص بزيادة أو نقصان حجم هذه الثروة. وهذه هي القاعدة العامة التي ينبغي أن تحكم توزيع الثروة بين أفراد المجتمع مهما كان نوعهم، ومهما كانت طبيعة تخصصاتهم، يستوي في ذلك الجاهل والمتعلم، فلا يزيد نصيب كل فرد ولا ينقص إلا بزيادة أو نقصان حجم هذه الثروة، ولا يوجد أي مبرر منطقي يمكن أن نستند إليه في استثناء أي فرد من الخضوع لهذه القاعدة. فإذا كانت إمكانات المجتمع من الاسمنت والحديد و الطين والماء تكفي لبناء ستة عشر ألف منزل مثلا، وكان عدد أفراد المجتمع ستة عشر ألف نسمة. فإن القسمة العادلة تحدد نصيب الفرد من هذه الامكانات بمنزل واحد. فإذا حدث أن وجدنا أحد الأفراد قد أخذ منزلين من هذه المنازل، فإن ذلك يعني أن فردا من أفراد المجتمع قد بقي بدون منزل. وسواء حدث هذا نتيجة لتراخي وكسل هذا الفرد او نتيجة لنشاط الفرد الآخر فإن ذلك لا يعد مبررا مقبولا لهذا الوضع. إذ لا يجوز لأي فرد أن يأخذ من إمكانات المجتمع نصيبا أكبر من نصيب غيره.. و لا يحق بالاضافة إلى ذلك لأي فرد أن يقوم بنشاط اقتصادي بغرض الاستحواذ على كمية من ثروة المجتمع اكثر من القدر الكافي لإشباع حاجاته. فإذا كان المنزل الواحد كافيا لاشباع الحاجة فان ذلك يعني أن استحواذ إنسان ما على منزلين يعتبر تعديا على حاجة إنسان اخر من ثروة المجتمع.وإذا كانت القاعدة التي يؤسس عليها نظام المجتمع ونشاطه الاقتصادي تسمح بالاختلال في عملية التوزيع، فإن هذه القاعدة تعتبر فاسدة ظالمة، كما أن التشريع الذي يستند إليها يعتبر باطلا يجب إلغاؤه لأنه يعطي شرعية لعمل باطل من أساسه.

الثورة والقواعد الظالمة :

إن الثورة الشعبية تقتضي اكتشاف القواعد الظالمة التي تحكم حياة المجتمع و تدميرها وبناء قواعد سليمة عادلة يتحرك المجتمع على أساسها.إن مهمة الثورة اذن، هي تدمير القاعدة الفاسدة التي تسمح بان يتعدى إنسان ما على نصيب غيره من ثروة المجتمع، واستبدالها بقاعدة سليمة، تصبح فيها العملية الحسابية، التي أشرنا إليها سابقا، هي أساس القسمة الصحيحة التى لا يمكن أن يعترض عليها إنسان عاقل.إن القوانين التي تعمل على أساسها معظم المجتمعات الانسانية في وقتنا الحاضر هي قوانين باطلة، ذلك لأنها تسمح لفرد ما بأن يأخذ أكثر من حقه، وبذلك تكون العملية الحسابية في ظل هذه القوانين غير سليمة وغير عادلة.وتلك القوانين تمكن قلة من أفراد المجتمع من احتكار الثروة والسيطرة عن طريق هذا الاحتكار على بقية الأفراد وتسخيرهم. وهذا الوضع هو نفسه الذي مكن بعض الناس بحكم عدم شيوع القانون العادل القائل بأن (الأرض ليست ملكا لأحد) من تشييد العمارات وترك الأكواخ لسكنى بعض آخر.

ولم يكن هذا الوضع ممكنا لولا وجود القانون الظالم أو القانون الاستغلالي الذي يبيح لشخص واحد أن يأخذ من إمكانات وثروة المجتمع -التي هي ملك لكل أفراده- ما هو أكبر من نصيب غيره ليبني بها العمارات ويؤجرها لأصحاب الحاجة. هذا الوضع هو المسؤول عن تقسيم أفراد المجتمع إلى مالكين وغير مالكين.

المنطق السليم يدين قواعد الاستغلال :

ان المنطق السليم الذي يدين تلك القوانين الفاسدة ويثبت وجود الظلم والاستغلال فيها يقضي بالغاء تلك القوانين.إن القوانين الظالمة إذا سادت في المجتمع الانساني فإنها تحدث نوعا من الانحراف في نفسية الانسان وفي تقييمه وحكمه على الأمور. فإذا أتينا إلى الانسان الذي يملك منزلين وسألناه عن كيفية حصوله على المنزل الذي يعتبر زائدا على حاجته، وهل له الحق في الاحتفاظ به، علما بأن المنطق السليم يقضي برد الشيء إلى من يحتاج إليه، فيقول: إنه حصل على المنزل الثاني بمجهوده ونشاطه، وإنه لم يكن كسولا كغيره، ولذلك فإن من حقه أن يحتفظ بهذا المنزل، وإذا حللنا هذا القول لمعرفة ما يستند إليه من شرعية وجدنا أن هذا التحليل كالآتي:

إن هذا الرجل وجد من المال، الذي تكدس في جيبه نتيجة لعمله ونشاطه، ما يكفي لشراء مواد البناء ودفع أجرة العمال، وبذلك تم استخدام العوامل الانتاجية لبناء المنزل الثاني. وإذا ما اطلعنا على الوثائق والعقود المبرمة بينه وبين العمال وجدناها صحيحة وفقا للقانون، فالقانون لم يضع حدا يقف عنده هذا الرجل فلا يتعداه، وإنما أطلق له العنان لكى يبني ما يشاء من المنازل إذا كان في مقدوره أن يحصل على الأموال اللازمة لذلك. كما أن القانون أعطى هذا الرجل حافزا إلى الاستغلال حيث سمح له بتأجير ما زاد عن حاجته من المنازل. ولكننا إذا تساءلنا من أين أتى ذلك الرجل بالنقود؟. وهل له الحق في أن يمتلك ما يشاء منها؟ وجدنا أن المنطق السليم يقودنا إلى إثبات أن ذلك الرجل قد قام بعملية سرقة لأشياء لم تكن من حقه.  

الثروة والنقود :

إن النقود، باعتبارها مقياسا للقيم، لا تخرج عن كونها في النهاية أموالا أو ثروة. وحيث إن الثروة هي من حق كل أفراد المجتمع، مهما كان مصدرها ومهما كانت قيمتها ويفترض أن يأخذ كل فرد منها حصة تساوي حصة غيره من افراد المجتمع يستخدمها ليشبع حاجاته منها، فإن الذي يأخذ حصة أكبر من حصة غيره من هذه الثروة يعد سارقا لغيره لأن الزيادة التي يأخذها تؤثر بالنقص في حصة الآخرين.

إن ذلك الرجل، وإن كان يعد نفسه غير سارق من الناحية الواقعية. لأنه لم يفعل ما يناقض القانون، فهو يعتبر منطقيا سارقا كما هو واضح من تحليلنا لنشاطه أو (شطارته). وإذا أردنا أن نتعمق في تحليل وفهم الكيفية التي تمكن بها ذلك الرجل من ممارسة السرقة المشروعة (قانونا) وجدنا أن ذلك قد حدث نتيجة لاختلاف في قيمة ما يأخذه وما يعطيه، حيث إن هذا التقييم لا يخضع لنفس الأساس، وهو وضع لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل ظرف احتكاري فالنقود التي تكدست في جيب ذلك الرجل أعطته قوة احتكارية، وأصبح عن طريق هذه القوة قادرا على المساومة، التي تعد مشروعة بحكم القانون، وحيث إن كفة الميزان في ظل قانون المساومة تميل إلى الطرف الأقوى، فان التقييم سوف يكون في صالح الرجل الذي يملك المال.

لنفترض أن ذلك الرجل الذي يملك المال قد أحضر عشرة عمال، واتفق معهم على بناء منزل. ولنفترض أن القيمة الحقيقية لساعة العمل هي دينار واحد وأنه يكفي لبناء المنزل عمل هؤلاء العمال لمدة مائة يوم بمعدل عشر ساعات فى اليوم، وأن هذه القيمة تساوي نصيب الرجل من ثروة المجتمع الذي يعادل نصيب الآخرين. ولنفترض أن العمال قد وقعوا ورقة تثبت عدم وجود سرقة وفقا للقانون في مقابل ما يتقاضونه من أجر. فاذا كان الاتفاق بين هذا الرجل والعمال عادلا، فإن العامل الواحد يستحق عشرة دنانير يوميا لأن كل عامل يعمل لمدة عشر ساعات في اليوم، وفي هذه الحالة ينفق رب العمل ما قيمته عشرة آلاف دينار في بناء المنزل ولا يبقى معه أي فائض (أو ربح)، ولن يتمكن بالتالي من بناء منزل اخر. وتكون الحسبة صحيحة، حيث حصل العمال على حقهم كله، وأخذ رب العمل حاجته وهي المنزل. إلا أن ذلك لا يحدث في ظل القواعد الظالمة، و القوانين الفاسدة، فالوضع الاحتكاري لرب العمل يسمح له باستغلال العمال وفرض شروطه عليهم، وبالتالي يتمكن رب العمل من الاتفاق مع العمال وفقا لقانون الاستغلال، على أن يدفع لهم خمسة دنانير يوميا مثلا، مقابل عملهم، ويعني ذلك أنه تمكن من أخذ نصف مجهود العمال لصالحه، وبالتالي يكون مجموع التكاليف التي يتحملها في بناء المنزل هو خمسة آلاف دينار، ويبقى معه خمسة آلاف دينار أخرى تكفي لبناء منزل آخر يضيفه الى المنزل الأول. وحيث إنه لا يحتاج إلى هذا المنزل شخصيا فإن هذا الرجل سوف يقوم بتأجيره لمن يحتاج إليه من أفراد المجتمع الذين لم يتمكنوا من أخذ نصيبهم من ثروة المجتمع. إن رب العمل، وهو يحقق هذه النتيجة، قد قام مسبقا بحسبة تمكن بمقتضاها من تشغيل العمال عشر ساعات يوميا مقابل ما قيمته خمس ساعات فقط، وبذلك سرق مجهودهم، ولولا هذه السرقة لما استطاع بناء البيت الثاني الذي اعتبره ربحا مشروعا له لا يصح أن يعترض عليه أحد.إن المنزل الثاني يعتبر، في حقيقة الأمر، حقا مشروعا للعمال الذين ساهموا بمجهودهم في إنشائه، ووجود هذا المنزل في حوزة رب العمل قد تم على حساب نقص حاجة هؤلاء العمال، وبالتالي فإن مثل هذا الرجل قد أخذ حقا هو في الحقيقة ملك لغيره.هذه النتيجة حدثت لأن العلاقة السائدة في المجتمع جعلت العمال أجراء عند رب العمل، ومكنته من سرقة مجهودهم وأموالهم. فما هو المبرر الذي يمكن أن يعطى لهذه العلاقة الظالمة بين رب العمل والعمال؟

لا يوجد أي تبرير مقبول لهذه العلاقة الظالمة، ولا تصبح هذه العلاقة مشروعة الا إذا أصبح الاستغلال نفسه مشروعا.

الوعي والثورة :

إن العمال حين يفهمون معنى تلك العلاقة الظالمة، وحين يدركون أن جهدهم قد سرقه رب العمل فإنهم سيقومون بالثورة مطالبين بحقهم في الانتاج وبان يكونوا (شركاء لا أجراء). وهذا الوعي سوف يجعل العمال قادرين على تطبيق هذه المقولة.إن الحاجة هي التي دفعت العمال للتنازل عن حقهم فى الانتاج لرب العمل وقد يفعل العامل ذلك مضطرا وهو يعلم أن رب العمل يقوم باستغلاله وفقا للعلاقة الظالمة التي يقننها المجتمع لمصلحة أرباب العمل، ولكن هذا الوضع نفسه سيدفع العامل للثورة في يوم من الايام لانه وضع ظالم، ومن حق هذا العامل أن يثور.

إن الذي يجرى في جميع بلاد العالم تقريبا هو عبارة عن عملية ظلم واستغلال وسرقة، وهو وضع بالاضافة إلى كونه غير مقبول منطقيا، تدينه جميع الأديان والشرائع السماوية وتحرمه. فالقرآن الكريم يقول: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وهو بذلك يدين كل العلاقات التي تكون نتائجها أكل الأموال بالباطل، وليس هناك من باطل أكبر من أن يأخذ الانسان الذي ينتج أكثر من غيره ما هو أقل من غيره. وليس هناك من باطل أكثر من أن ياخذ الانسان الذي لم يعمل نقود الذي قام بالعمل ليبني بها منازل يؤجرها لصالحه.إن أي إنسان يخضع لعملية الاستغلال هذه لابد له من أن يثور، فالثورة تتولد نتيجة للشعور بالظلم، ولذلك يصح القول بان (الظلم هو مفجر الثورة).إن العلاقات الظالمة ليس لها من رد فعل إلا الثورة، ولذلك يمكن التنبؤ في أي مكان من العالم يسود فيه الظلم والعلاقات الظالمة بأن الثورة فيه آتية لا ريب فيها.إن إدانة العلاقات الظالمة، والمطالبة بتحطيمها والقضاء عليها لا يعني كما قد يفهم سطحيا، أن نقضي على طرف من أطرافها جسديا ولا يعني ذلك في نفس الوقت أن يظلم الطرف الذي قام بعملية الاستغلال، كأن يفصل من عمله أو يؤخذ منه منزله الخاص به. إن ذلك إذا حدث، يكون عبارة عن إبدال العلاقة الظالمة بعلاقة أخرى ظالمة، وهذا بطبيعته لا يقضي على الظلم، فالظلم لا يغير بالظلم.إن ما يطلب من رب العمل -الذي تعدى على حق غيره- هو إرجاع ما أخذه ظلما. فلا يجوز لأي إنسان أن يحتفظ بنصيب أكبر من نصيب غيره من ثروة المجتمع لأن ذلك إذا حدث فإنما يحدث نتيجة لقسمة غير عادلة.إن العلاقة الطبيعية العادلة تقتضي أن يقف كل فرد من أفراد المجتمع عند حده، وأن لا يعتدي على حدود غيره. وعندما يعمل كل فرد من أفراد المجتمع وفقا لهذه القاعدة تكون القسمة عادلة، ولا يأخذ الفرد أكثر من نصيبه العادل. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter