تركت عطرها ومضت


حسن عبد الرزاق

كفها اللدنة قبضت على شمعة الميلاد .. والشمعة حلزونية حمراء في قمتها المدببة خيط ستحترق بناره متلذذة بالسعير .
قالت له بلهجة جنوبية :
كم المبلغ ؟
وحين تلعثم لسانه ونطق حروفا متلاطمة ببعضها  .. دست في عينيه  نصف ابتسامة .. ثم استدارت وغادرت الدكان تاركة  انفه يسبح في بحيرة من عطر  ناعم كالحب .
احّمر وجهه الذي يشبه ثمرة خوخ ناضجة .. واستعرت اعماقه بنار حمراء  ونز منه ماء ساخن ازاح عنه برودة نسيم الشمال ..النسيم الهاب من وراء سلاسل الجبال الشاهقة المحتضنة لصباه.فحمل قلبه  وحمل معه  حلما طارئا طلع عليه من بحيرة العطر  وترك الدكان الصغير يرد على طلبات السياح بالصمت واندفع بخطوات خجلى وراء شمعة الميلاد الحمراء.
عبر بضعة جبال عالية واجتاز اودية عميقة وسار في اراض سهلية ومر بمدن كبيرة وقرى لاحصر لها ..وهو محافظ على مسافة العبير التي تفصله عنها وعلى صمت لسانه  وعرق وجهه.. وينتظر منها التفاتة واحدة فقط.
في الصيف الثلاثين من مسيره ورائها .. نفد العطر وشحب لون الشمعة وخارت اقدام ايامه فقفل راجعا إلى عمره وطفق يلملم ماتساقط من سنواته  ويرتبها في دكان صغير لعل  تقف بباب الدكان  فيفغم عطرها  انفه ثانية ليبيعها ثلاثين شمعة حمراء من فرط الاحتراق .

Facebook
Twitter