تحت السماء

علي حسين عبيد

عندما رأيت الطائرة قبل إقلاعها دُهِشتُ لحجمها الكبير، سألت عن طرازها، قالوا هي أحدث طائرة من نوع ايرباص، وقبل أن أدخلها تمنيت ان يكون رقم المقعد المخصص لي بعيدا عن النافذة، يسكن في قلب الطائرة وعلي جانبيَّ من اليمين والشمال ركاب كثر، أريد أن أشعر بالامان، لا اريد ان اري الارض من ارتفاعات عالية، أُصاب بالخوف شئت أم أبيت، كما انني كلما تقرَّبتُ من السماء ستكون اكثر ثباتا في مخيلتي، أرغب أن يجلس الي جانبي انسان لا يقلقني، وفجأة خطر ببالي (مرهون بطة) وقلت ماذا أفعل لو حكمت ارقام مقاعد الطائرة ان يجلس الي جانبي، رأيت صبحي الصادق قدّامي بثلاثة مقاعد والي جانبه جمال الرسام وعن يمينهما الشاعر ومرهون، تنفستُ الصعداء، بعد لحظات رأيت مضيفة عربية ترشد زيد الشاب الثلاثيني الوسيم ليجلس الي جانبي في طابور المقاعد الوسطي، بعيدا عن النافذة كما تمنيت، إذن الامور تسير كما يرام، أُغلِقَتْ ابواب الطائرة وساد الصمت، سطعت في الشاشة الكبيرة المطلة علينا آية قرآنية سوف تظهر للراكبين في جميع الرحلات القادمة، بسم الله الرحمن الرحيم… سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مقرنين… صدق الله العظيم.

 

تلا ذلك تعليمات السلامة مع تمثيل الحركات المطلوبة علي الشاشة من قبل امرأة ورجل وطفلة شقراء في حالات الطوارئ، كان الركاب ينظرون ويستمعون كما كنت أفعل باهتمام لكن في الوقت نفسه كنت أفكر بمدي فائدة هذه التعليمات لو تعطلت الطائرة في أعالي السماء، لا أحد يستطيع أن يضمن لك حياتك لو تهاوت كتلة الحديد هذه من قلب السماء، تشاغلتُ بالشاشة الصغيرة التي تقع قدّامي مباشرة في ظهر المقعد الذي يتقدمني، كل راكب له شاشته الخاصة امام عينيه في المسند الذي يتقدمه، هو يتحكم بها، تعبتُ حتي تمكنت من تشغيل شاشتي، المضيفة الآسيوية الحسناء ساعدتني في ذلك وهي تقدم لي بسمتها العذبة علي طبق من عسل، ومن بين خيارات البث الكثيرة اخترت متابعة خط الرحلة، من لحظة الاقلاع، الارتفاع عن الارض، السرعة الحالية، درجة الحرارة، المسافة التي تم قطعها، المسافة المتبقية، المكان الذي تحلِّق فوقه الطائرة الآن يابسة أم بحر، ويمكنك ان تختار البث المباشر لقنوات فضائية عديدة، كنت افكر اننا نبتعد عن الارض كثيرا، نحن علي ارتفاع مخيف، وفجأة رأيت المضيفة الحسناء تدفع بعربة في الممر الأيمن محملة بأنواع من العصائر والكاتو والقهوة وقناني الخمر، ويسكي نوع كراند وفودكا روسي وجن وعلب بيرة حمراء مزيَّنة بتيجان ملكية، سمعت أحدهم يقول لصاحبه، اننا كنا وما زلنا بارعين في جمع النقائض، نقول شيئا ونفعل نقيضه، ثم ذكر لصاحبه مثلا عراقيا معروفا (صلاة أم عمران تعلِّم الصلاة ولا تصلي) وحكي حكاية الواعظ الذي كان يعظ الشباب والمراهقين بعدم الاستماع لأغاني الفيدو كليب لانها بدعة غربية كما قال وفي قمة حماسه رنَّ موباليه بأغنية نانسي عجرم (حبيبي قرَّب نص ونص نص)، الراكبون الآخرون بدأو بالتهام الوجبة الدسمة التي وزعتها المضيفات الحسناوات، قلبي طفق يهفو ويرفّ علي الويسكي الاسكتلندي الشهير المدفوع الثمن مسبقا ضمن تذكرة السفر، تركتُ وجبة الغذاء جانبا وتحسست الحصاة النائمة في كليتي وتحججتُ بها كي احتسي شيئا، الي جانبي الثلاثيني زيد، قلت له هل تشرب، رحَّب علي استحياء، وحدستُ انه يكابر مكابرة الشباب غير المجرِّبين، مرقت الحسناء الصينية الي جانبي في الممر، تبسَّمتْ كعادتها، أعرف ان عملها يتطلب ذلك، لكنني فرحت بهذه الجنة البشرية الصغيرة المعلقة تحت السماء مباشرة، طلبتُ كأسا من الويسكي وهاجس سقوط (الطائرة) يتراءي لي، إستعدتُ لقطات من برنامج علي الفضائية العربية يعرض بالصورة والصوت حوادث الطيران المدني القاتلة، حلَّ الخوف محل القلق، ثم فكرت ان علي متن هذه الطائرة أناس يشفعون لنا أخطاءنا، كرعتُ الكأس دفعة واحدة، لقد بدا واضحا انني قادم من مدن القحط، إستغربَ زيد فعلتي هذه واندهش للتقاطع الكبير بين مظهري الوديع وسلوكي المتسرع هذا، وحتي لا يكون الفرق بينه وبيني شاسعا شرب من كأسه جرعة خاطفة، وفورا طلبتُ كأسا ثانية من المضيفة الحسناء التي فغرت فمها مندهشة، لحظات والكأس الثانية بين يديّ ثم في جوفي، وشيئا فشيئا تضاءل هدير الطائرة، وتضاءل القلق الموروث عن آبائنا وازداد ثبات الارض، وضعت المايك في سمعي واخترت موسيقي غربية هادئة، وأسندت رأسي الي المسند وأغمضت عينيّ، ها انك تنتشي في الأعالي أيها الرجل المغامر، وها (ان الجوع الجنسي المزمن في طريقه الي الزوال) وها هن الفتيات الحسناوات يتراقصن حولك كالحمائم البيض، والمخيلة تزيّن لك الارض وما عليها، ومثل الاحلام الباهتة والمزعجة تداورتْ في خيالك الخطط التي كنت ترسمها لكي تفوز بـ (زجاجة ويسكي) عندما كنت في بلدك، تتصل قبل يوم بشخص في الريف متخصص بالقيام بمثل هذه المهمات، تسأله هل الطريق سالكة، كأنكما تقومان بعملية تهريب خطيرة، ثم تتفق معه علي موعد محدد، تذهب له في الريف، يتصل هو بشخص آخر يملك دراجة نارية، يبقيك في بيته مع زوجته تسليها وتسليك لقتل الانتظار ويذهبان الي مدينة يتوفر فيها الخمر سرا، بيت او بيتان يبيعان الكحول لكنهما مراقبان بشدة، هكذا يقول الشخص المتخصص بتهريب هذه المادة الخطرة !!، يأكلك التذمر ونفاد الصبر وانت تفكر بفشل الرجل في مهمته، زوجته تهوِّن عليك من القلق وتمنحك ما ترغب من لمسات وقبلات ونكات متواصلة، تنسي الرحلة المحفوفة بالخطر ثم تهب مصعوقا من السرير، أين ولّي زوجك، بعد ساعات طويلة يأتي حاملا لك ما تريد، تستقر قليلا وتشعر أنك انجزت نصف الانتصار في المعركة، يحكي لك عن المخاطر الجمة التي تعرَّض لها، ويشرح لك عن صديقه الذي جلدوه بقسوة عندما ضبطوه متلبّسا بالجرم حاملا (قناني) الكحول قبل شهرين تقريبا، تشكره بامتنان حار وتسلمه الثمن مضاعفا لتبدأ أنت رحلة جديدة من المخاطر، سيطرات كثيرة تواجهك، يفتشون فيها عن الاحزمة الناسفة والمفخخات والمتفجرات وما شابه وبالدقة نفسها يبحثون عن قناني الخمر المخفية، أحيانا يتلبسك هاجس مرير بتأنيب الضمير قبل ان تعبر سيطرة التفتيش الكبري، توبخ نفسك لأنك تحمل المنكر لكنك في الوقت إياه تحلم بعبور السيطرة الكبري سالما بحمولتك المخيفة، وتتذكر ان افراد السيطرات لا يتلفون الخمرة التي يعثرون عليها بل تصبح ملكا لهم، يبيعونها او يشربونها، وأنت لا تعترض بل تحلم بالنفاذ بجلدك، تتذكر كلمات زوجتك حين قالت لك (هناك في البلاد الاوربية ستشبع من المسكرات، وستسبح بأحواض الخمرة حتي تغرق بها) تنهرها انت وتقول لها، أنا هدفي أن أعيش حياتي بحرية وأضمن لكم مستقبلا عصريا متحضِّرا، لكن بينك وبين نفسك تؤيدها وتقول، فعلا سأحصل علي ما اريد من الكحول بلا خطط ولا مطاردات أو منغصات، تهتز الطائرة، وجه مرهون بطة يلتفت الي الوراء، مطبات جوية مفاجئة، صوت أنثوي رخيم يطلب العودة الي المقاعد وشد الأحزمة، تفتح عينيك، الحسناء الصينية قريبة منك، مفعول الويسكي الكراند يتصاعد، تطلب منها كأسا ثالثة، وفي الحال تكون بين يديك وفي الحال تكبّها كفك اليمني بفمك، الشاعر يحييك من بعد، والثلاثيني زيد يندهش وينظر لك بإعجاب وتعجّب، تتلمظ وتلعق شفتيك بانتشاء، تنطفئ اضواء الطائرة، وتُضاء الخافتة منها، يصير الفضاء المغلق فضيا هادئا أقرب الي الحلم، تسند رأسك وتغمض عينيك، تقترب الحسناء الصينية بقوامها النحيف الممتلئ، خصرها الأملس يلامس جنبك، تهبط بشعرها الاسود المعطّر فوق وجهك، بسمتها تتوهج من جديد، أنفاسها لذيذة دافئة معطرة بأريج فرنسي مثير، تضع اصابع كفها فوق خدك، تتلمس شفتيك بأناملها الطفولية، تهبط بشفتيها الناتئتين وتلثم فمك بسحر غريب، عسل بارد يرطِّب شفتيك، تمد أصابعها الي جسدك برفق وفمها الريّان فوق فمك، تتصلب أطرافك، تسترخي وتتصلب، تستشعر لذة مفاجئة، وانفاسا هادرة تتلاطم فوق وجهك، اللذة تتصاعد وتستعرّ بين فخذيك، جسدك كله يهتز، حيوانك يصهل ويكاد يقذف سائله، تصحو في اللحظة المناسبة، تفتح عينيك، يلطمك سقف الطائرة وترفع كفك عن فخذيك، زيد ينظر إليك ضاحكا، لا زالت كأسه الاولي بكفه مملوءة الي النصف، تأففتَ قليلا، بقايا لذة تفور تحت لسانك.

قلت لزيد اطلب لي كأسا رابعة لانني طلبت الكثير لنفسي. أعطاني كأسه فدلقتها بفمي كأنني بالغ الظمأ، ثم كررت عليه طلبي ففعل وكرعت الخامسة وقلت له، عندما يكون الويسكي مجانا مفعوله ونشوته تتضاعف. كنت ابحث عن الاعذار لنفسي كي أعبَّ مزيدا من الخمر، ستسقط الحصاة في أيام قلائل اذا توفرت الخمرة مثلما هي الآن، دائما أجد تبريرات جاهزة لأفعالي، حتي لو رفضها الآخرون او لم يقتنعوا بها، لقد ورثت ذلك عن الآباء قطعا، مضت أكثر من ساعتين ونحن في قلب السماء، ثَقَلَ رأسي، ورأيت الركاب كل ينشغل بشاشته الساطعة، نظرت الي خط الرحلة، لم يبق سوي ربع المسافة ونهبط في مطار جديد، حولتُ البث علي احدي الفضائيات العربية، انفجار آخر كبير يهز قلب بغداد قبل ساعة، طلبت كأسا سادسة من مضيفة آسيوية غير الصينية، فأتتني بها من دون تأخير، شربتها وأنا أنظر الي الدماء التي غسلت مكان الانفجار، إنعصر قلبي، حزنت، بحثت عن سبب مقنع لهذا القتل المجاني لارواح الناس، دمعت عيناي وشعرتني بعيدا عن الموت لكن تذكرت وجودي الآني في قلب الخطر، ثقب صغير في انبوب للوقود يؤدي بنا الي كارثة، هكذا تتضارب الهواجس في ذهني، برغم ان السكر أثقل رأسي والنشوة أخذتني الي عوالم الاحلام.

آخر كأس طلبته لم يأتني، إعتذرت الصينية الحسناء لأننا سنهبط، تسلل الغروب بطيئا عندما أعلن مذياع الطائرة بدء هبوطها صوب مطار الدوحة، طلب الصوت من الجميع الجلوس في مقاعدهم والتأكد من شد الاحزمة، وقت الوصول المتوقع يظهر في الشاشة، عشرون دقيقة ونهبط علي الأرض، غفوت قليلا، شعرت برأسي اثقل مما يجب، إنني ثمل، هكذا قلت لنفسي، وبين الصحوة والنوم وبَّختُ نفسي، هل نسيت هدفك البعيد، هل تريد أن تضحي بجنة الارض، وفجأة رأيت وجه (حسون بطة) يشعُّ بعيني، لا أعرف لماذا انتشرت رائحة الخديعة والضلال فجأة، تذكرت دوره حين كان شابا في أحد الاعمال الفنية المعروفة، تساءلت هل سيستقبلنا فعلا في مطار كازا بلانكا، كان عابسا، وأكثر الوجوه معاداة لطموحاتي هي الوجوه العابسة، هذه بداية سيئة، صحيح ان الكحول من النوع الذي افتقدناه منذ مدة طويلة وصحيح انه الآن يُقدََم لك مجانا، لكن الاصح هو ابتعادك عنه والاهتمام بالهدف الاسمي، الهدف الذي سيجعل من كل مطلبٍ صعب طوع يديك ولسانك..؟؟!!.

فتحتُ عينيّ حين لامستْ عجلات الطائرة مدرج المطار، تنبَّهت لعمّوري ذي السنوات الخمس ضاحكا، ظل في كرسيه حتي وصلت اليه، حملته من ابيه الذي هنأني بسلامة الوصول، تقدمته، هبطنا معا سلم الطائرة وصعدنا حافلة كبيرة أقلَّتنا والآخرين الي بناية المطار الجديد

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter