بغداد طيف سرمدي بين الرمش والرمش

نادية العبيدي

قبيل ثلاثين عاماً قرر والدي ان يبحث له عن وطن في مدينة الضباب .. لم تكن الفكرة حقا تستهويه  ولكني عرفت منهم أنه مولع بالبحث عن المصاعب وكانت جدتي تلقبه حينها بـ (غاوي مشاكل) ..!!

بهذه الكلمات ابتدأ اللقاء بيننا واستبقت (جهينة) كلماتها عتبي الذي قرأته في عيني لانها تعلم جيداً معنى الوطن عندي ومدى حبي لبغداد ، انها ابنة احد اقاربنا الذي غادر منذ زمن بعيد ولكن اخباره لم تنقطع عنا … سألتني كيف هي بغداد .. فأجبتها على الفور :  بغداد يا ( جهينة) هي ام الدنيا وجمجمة العرب تزهو بدلالها وشعبها .. بغداد هي الحلم الجميل .. بغداد مصنع الابطال وحل وترحال العلماء والادباء والمبدعين والمفكرين والرحالة التاريخيين .. بغداد صاحبة الجدائل الليلية .. سآخذك في جولة سياحية في انحائها وسترين كيف تبتدئ صباحها مع ضوء الشمس الدافيء الذي ينتشر كالزاجل فوق الحقول والبساتين … وسترين كيف يهرول ابناؤها مع تنفس صبحها وزقزقة عصافيرها راكضين تلفح وجوههم نسمات الصباح اللذيذة تزيدهم نشاطاً لابتداء يوم آخر يضاف الى مجلد عشقهم لبغداد … سأرحل بك حيث البساتين الخضر واشجار البرتقال .. وساقطف لك ما لذ وطاب من فاكهتها .. سأهبط بك على نخيلها وشعفاتها مما عج بأرضها وسأجيب عنك قبل ان تسألي لماذا سموها بأرض السواد  لخصب ارضها وندى هوائها وكثرة نخيلها ووفرة الاشجار والمحاصيل الزراعية التي كانت قد وفرت لنا الاكتفاء الذاتي بدلاً من تهافتنا على المحاصيل المعلبة المجففة التي فقدت نكهتها …… هي الارض التي تعشق الاجداد والاحفاد ترابها .. وامتزجت دماؤهم مع تربتها … سأمسك بحفنة من ترابها وسأفركه بين راحتي واضعه على انفك كي تتنشقي عبق رائحة المسك منه .. اتذكرين التراب الذي ارسلته لك في تلك القارورة الشفيفة .. انه تراب بلدي .. سافر عبر القارات ليصل اليك .. لكن هذا شيء اخر فهو ساخن بشمس بغداد .. ودم الابطال .. وعرق زارعيها.

سأجول بك على مصانعها المنتجة التي تديرها عقول تفوقت على اهل مدينة الضباب وبفضلها ترفعنا عن ان نستعين بهم او بأيديهم لاننا تفوقنا عليهم بصبرنا وحبنا لبغداد … سنزور الائمة .. وسندعو انا وانت بصوت عال ان يحفظ لنا هذه النعمة وهذا البلد .. ويجعله بلداً آمناً …

انا اعرف انك تحبين القراءة لذا ساجول بك في اعظم شارع فيها سمي باسم الشاعر المتنبي واعتقد انك سمعت به .. ستتزودين بالعلم والمعرفة من كتبه التي تنتشر من البداية وحتى  نهايته وسيبهرك لانه اكبر من كل المكتبات التي زرتيها في اي مكان آخر … وسأدعوك لشرب الحامض في مقهى الشابندر المقهى العريق الذي يضم ما لذ وطاب من الفنانين والمثقفين ، الادباء والكتاب … اصحاب الكلمة والصوت والاحاسيس المرهفة …

وعند الغداء .. سأسرع بك الى شارع ابي نؤاس كي تتذوقي السمك المسكوف مع خبز التنور الحار وتشربين الشاي المهيل … وتنظرين كم هي عظيمة امنا بغداد وحينما تهم الشمس بالمغيب سنستعير زورقاً ونشق به عباب نهر دجلة ، سأريك ساعة القشلة والمدرسة المستنصرية .. ومستشفى مدينة الطب …. ومعالم لم تري مثلها حتى في متحف اللوفر في باريس …. وعندما نشهد معا كيف تغوص الشمس خلف دجلة وهي تلملم اطراف ثوبها … الكزك في خاصرتك كي تمسكي عن الكلام وان تنظري الى حيث اشير بسبابتي وتلزمي الصمت …. سترين اروع مشهد …. ستشهدين كيف تفك بغداد جدائلها الحالكة السواد في نهاية يوم جميل وتغتسل كي تزيح عنها التعب متأهبة لتلملم اولادها وتحتضنهم كي يناموا آمنين في قرة عينها … وتسمعينها وهي تصلي وتتمتم بدعائها عاكفة في صلاتها ( اللهم اجعل النار برداً وسلاماً على العراقيين ) ستنسل من بين ناظرينها كي تشهد صبحا آخر …

وعلى صوت جهينة صحوت وهي تقول .. انت تصفين لي حلما … لان بغداد اليوم وما رأيته بها يجعلني افر هاربة مرة اخرى الى بلاد الضباب .. مكتفية بحلمك عنها وذاكرتي لها …

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter