بعد ( مملكة الرمال) نجدة انزور في ( فانية وتتبدد)انزور يدك اسوار عصابات داعش سينمائيا في خطوة لم يسبقه إليها أحد

رجل معلّق على مشنقة، حولها نساء اكتسين بزيّ أسود من رؤوسهن حتى الأقدام. ورجال بلِحى طويلة، وأطفال علا هتافهم ( الله أكبر… الله أكبر…)، هذا الهتاف الذي تردّد لمرات عدّة احتفاء بشنق مدرّس حاول “زعزعة أفكار الناشئة وعقولهم”، وفق خطبة شيخ يتباهى بتنفيذ حكم الإعدام، ويُفتي ببقاء الجثة معلقة ليوم كامل، لتكون عبرة لكلّ من يحاول زعزعة معتقدهم التكفيريّ.
هكذا جسّد مشهد من فيلم “فانية وتتبدّد”، الذي يصوّره المخرج السوري الكبير نجدة أنزور واقعاً تعيشه مناطق عدّة في سورية، وتخضع لتنظيم “داعش” الإرهابي، والتي تذوق من جنون الإرهاب والقتل الجهنمي الكثير، من دون أيّ اكتراث بأرواح السوريين التي أزهقتها التنظيمات الإرهابية على مرأى العالم، ومن دون أيّ مبالاة دولية حقيقية.
المخرج نجدت أنزور، الذي قدم من قبل للدراما العربية “الحور العين”، “المارقون”، و”ما ملكت أيمانكم، ثم  فيلم “ملك الرمال” الذي بحث في المكان الذي تترعرع فيه تلك الأفكار الخبيثة الدخيلة على الإسلام والمجتمع الإسلامي والعربي بشكل عام قال ( كفنانين، نحن جزء من هذا المجتمع، ولسنا متفرّجين. نتفاعل معه كأيّ فرد واع ووطنيّ يحبّ أرضه وبلده. لذا، أحسست أن هذه الظاهرة المسماة داعش لا يجوز أن تمرّ من دون أن تكون للسينما، بصمة في لبّ موضوعها. فجاءت فكرة مشروعنا عبر فيلم يعكس طريقة تفكير هؤلاء الإرهابيين، ونشأتهم وما يتركه ذلك التفكير من آثار سلبية مدمرة للمجتمع).
وعن رحلة المشروع والتحضير له يقول: ( بدأنا بفكرة عامة منذ ما يقارب سنتين مع الدكتورة هالة ديب التي كتبت الفكرة التي حُوّلت إلى عدّة سيناريوات، إلى أن تم التنسيق مع الكاتبة ديانا كمال الدين التي طوّرت نص الفيلم، ووصلنا إلى الصيغة النهائية التي قدّمناها للمؤسسة العامة للسينما. وكان الاتفاق معها على إنتاج الفيلم بمشاركة شركة نجدت أنزور. فالعمليات الفنية ستنفذ في أوروبا من تقنيات وصوت وهي من مسؤولية شركة أنزور للانتاج الفني، وما تبقى من إنتاج كامل داخل سورية من مسؤولية المؤسسة العامة للسينما).
ونوّه نجدت أنزور بأن اختيار الأبطال تمّ بناءً على قدراتهم الفنية وأدائهم المهني المشهود له، من فايز قزق إلى رنا شميس وزيناتي قدسية. فيما المعضلة كانت في اختيار الأطفال. ويضيف: تم اختيار الأطفال من بين 500 طفل وطفلة تقدّموا إلى الاختبار، ثمّ تدرّبوا في دورة مكثّفة على أيدي مجموعة من الفنانين على رأسهم المخرج عروة العربي.
ولفت مخرج “مملكة الرمال” إلى أن أكثر المشاهد التي تطلّبت جهوداً، تلك التي تضمّ عدداً كبيراً من الأطفال. وأبدى رضاه عن النتيجة التي يتم التوصل إليها، وانه متفائل جدّاً بالعمل الموجّه إلى جمهورين على حدّ تعبيره، الجمهور العربي وفي المقدّمة السوري، ثمّ الجمهور الغربي من أميركا وكندا إلى المناطق التي يأتي منها الإرهابيون.
ويؤكد نجدت أنزور أنّ رسائل الفيلم متعدّدة، إذ يحكي عن فسيفساء المجتمع السوري، ومحاولة الغرب تخريبه. وتأتي محاولة الفيلم لنقل رسائل عكسية، مفادها أن هذا التخريب سيمتدّ ويصل إليهم. فالنار لا يمكن أن تلتهم البيت السوري فقط، إنما ستلتهم كلّ ما حولها. وهم معرّضون لها في العقود المقبلة إن لم يتنبهوا ويعيدوا صوغ مجتمعاتهم. فالمهاجر اليوم لا يندمج بالمجتمعات الغربية، إنما يبقى على الهامش. لذا من السهل اصطياده وتوجيهه بشكل خاطئ لتنفيذ أجندات سياسية.
وأضاف أنّ فيلم “فانية وتتبدّد” يعكس وجهة نظر فنّية عن “داعش”، لا كما يُعرض على “يوتيوب” أو في الواقع. إذ يتدخّل العنصر الفني ليقدّم “داعش” في مشهدية فنية مختلفة عن النمط التقليدي، الذي أراد التنظيم الإرهابي أن يقدّم نفسه به.
ويشير نجدت أنزور إلى أن حكاية الفيلم تركّز على الجانب الإنساني بدرجة كبيرة تضمّنت جملة حوارات مباشرة. كما ساهم العنصر الفنّي في الارتقاء بالحدث والرمز أيضاً، بعيداً عن المباشرة. والفيلم بعيد كلّ البعد عن التصنّع، وسيجذب الأجنبي لأنه سيكشف أموراً جديدة لا يعرفها. وهو ليس فيلماً نخبوياً محصوراً بفئة جماهيرية واحدة، إنما هو موجّه إلى المستويات كافة، بدءاً من الطفولة، ووصولاً إلى عمر تسعين سنة.
ويصرّ المخرج المتألق على أنّ الإضاءة على الدمار الداخلي الذي لحق بالسوريين، هدف من أهداف الفيلم، إذ سيدع المشاهد ينبذ فكر “داعش” من دون أن يخدش عواطفه. ويتحدّث نجدت أنزور لـ”البناء” عن مشهد يحمل رسائل عدّة من خلال عرض نساء مسجونات سبيّات غارقات بدمائهن، تدعوهن إحداهن إلى الصلاة، فيعترضن لعدم طهارتهن الجسدية، لتؤكد لهنّ أنّ نيتهن هي أساس تلك الطهارة، لا الماء. فالخالق يقبل عبده بنيّته فلا الماء هو الأساس ولا المسجد، إنما الأخلاق هي التي تطهر حاملها والتمسّك بإنسانيته بالدرجة الأولى.
لم يهمل نجدت أنزور في رسالته عالم الطفولة الذي اخترقته حياة الحرب، فتغلغلت في فكر كلّ طفل عاش ألمها. وينبّه مخرج الفيلم إلى أن قطاعات السياسة والثقافة وعلم الاجتماع والفنّ، جميعها معنية بإنقاذ الطفولة، وأن الفيلم يعدّ جزءاً من هذا النسيج. كما أن اختيار الأطفال كأبطال في الفيلم، الدليل الأكبر على رسالته التي تنادي بإعادة بناء الطفل، لأنّ الأطفال هم مستقبل سورية. مؤكداً أنه كما بنى إرهابيو “داعش” معسكرات وأقحموا الأطفال فيها، نحن سنربي أبناءنا ونعلّمهم كيف يهزأون بهؤلاء، ويبنون ثقتهم بأنفسهم ليبقوا قادرين على المواجهة والمجابهة، وهذا ما سنزرعه في أبنائنا ونربيهم عليه.
وحول مضيّه في رحلة مشاكسة الإرهاب بفنّه، يفصح نجدت أنزور أنه في هذا الفيلم شاكس كلّ من ساهم في تدمير الوطن. وقال: ( لست مع أيّ أمر له علاقة بالدين لأن يدخل في حياتنا اليومية ويؤثر علينا اجتماعياً أو سياسياً. الدين يجب أن يبقى للروح، وبين الإنسان وخالقه، ويجب ألا يدخل تفاصيل حياتنا، لهذا ندعو الناس إلى إعادة التفكير بكل معتقداتهم ومفاهيمهم التي توارثوها).

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter