باحثان اميركيان: الانسحاب الاميركي من العراق “مراوغة”!!

في الأسبوع الاسبق، سرب ضباط كبار في الجيش الاميركي، للمرة الثانية، بياناً لا يتسق مع مواقف الرئيس أوباما، وقد صدر البيان هذه المرة من الجنرال رالي أوديرنو، قائد القوات الاميركية في العراق، الذي طالب رسمياً بإبقاء كتائب اميركية في الجزء الشمالي من العراق حتى بعد آب ،2010 (موعد سحب القوات الاميركية من العراق).ويرى كل من رائد جرار، زميل رفيع في منظمة "بيس أكشن"، وإريك ليفر، باحث ومحلل سياسي في معهد الدراسات السياسية بالولايات المتحدة، ان نشر وترويج هذه الفكرة قبل أسبوعين فقط من الانتخابات العراقية يشكل خطراً على الديمقراطية العراقية، وعلى الجنود الاميركيين، وعلى مستقبل العلاقات الاميركية العراقية .وتحسباً لعدم حدوث فوضى وسط صفوف جنوده وضباطه، سارع وزير الدفاع روبرت غيتس للإعلان بأن أي تأخير لانسحاب القوات الاميركية المجدول، يستلزم بالضرورة حدوث تدهور بالغ في في الوضع الأمني في العراق .بيد أن تصريحات غيتس لم تكن كافية، فقد استغل مناصرو الإبقاء على الجيش الاميركي في العراق الوضع ورددوا صدى أفكارهم في وسائل الإعلام، فقد كتب توماس ريكس، وهو عضو بارز في "مركز نيو اميركان" للأبحاث الأمنية، افتتاحية في صحيفة "نيويورك تايمز" وأخرى في "فورين بوليسي" يحث فيهما أوباما على تأخير سحب القوات الذي من المفترض أن يبدأ، العام الحالي وطلب ريكس من أوباما إلغاء انسحاب آخر قوات المجدول في نهاية 2011 .ريكس، الذي نشر تسريبات أوديرنو، يراهن علناً بأن الولايات المتحدة سيكون لديها 30 الف جندي في العراق في الأعوام الأربعة المقبلة . وذكر ريكس في مقاله الذي نشرته "فورين بوليسي" أن الجنرال أوديرنو تلقى إيماءة موافقة من أوباما، عندما عرض اقتراحه الخاص بالابقاء على قسم كبير من القوات الاميركية في العراق لفترة أطول، ويقول ريكس أن أوباما أومأ برأسه مؤيداً، عندما تقدم أوديرنو باقتراحه خلال اجتماعات عقدت مؤخراً في واشنطن .جدير بالذكر، أن أوباما كان يقول دائماً أنه سيلتزم بسحب القوات الاميركية من العراق في التاريخ المحدد لذلك (31 آب 2010)، وقد كرر ذلك عشرات المرات إبان حملته الانتخابية، وأعلنه بوضوح في خطابه في كامب ليجون، العام الماضي وأيضاً أكد على سياسته هذه في كلمته التي ألقاها في جامعة القاهرة، وكذلك فعل نائبه بايدن، الذي أعاد في مرات عدة التأكيد على التزام إدارته بسحب القوات في الموعد المضروب، ومؤخراً قال بايدن: "بحلول نهاية الصيف المقبل، سترون 90 الف جندي اميركي يعودون لوطنهم" .وفي الأسبوع الفائت، أعاد البيت الأبيض تأكيد نيته على إنهاء عملية "حرية العراق" في 31 أغسطس . وقد أمن الكونغرس بدوره على سياسة الرئيس بأن ضمن في كشوفاته الحسابية للسنة المالية ،2010 لغة حسابية أو أساليب تدعم انسحاب القوات في القوائم المالية الخاصة بالتفويض الدفاعي، والمخصصات الدفاعية .وفي الشهر الفائت، بعث 28 عضواً في الكونغرس بضمنهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية، خطاباً لأوباما يمدحونه ويوصونه بالمضي قدماً في خطته التي تقتضي سحب القوات في 31 اب، بغض النظر عن الوضع على الأرض، "أو على الساحة العراقية" .وجاءت تصريحات أوديرنو، مناقضة ومعاكسة تماماً لسيل التأكيدات والتطمينات التي أطلقها البيت الأبيض والكونغرس، ونتيجة لذلك تضررت مصداقية أوباما في العراق، وللمرة الأولى منذ أن تولى أوباما الحكم، تثار ضده عاصفة انتقادات بهذا الحجم، فقد امتلأت وسائل الاعلام العراقية بوابل من البيانات والتصريحات السياسية، والتحليلات، والنشرات الصحفية تشجب كلها احتمالات إطالة وتمديد الاحتلال الاميركي.ويعتقد جرار، وليفر، ان مراوغة أوباما حول جدولة انسحاب القوات الاميركية، ستكون لها عواقب خطيرة في الولايات المتحدة والعراق، وتجعل مصداقية أوباما على المحك، وستتسبب مراوغات أوباما ونكوصه عن سحب القوات في الموعد، في تراجع الرصيد السياسي الدولي الشحيح الذي اكتسبته إدارته في العام المنصرم ، ويقولون ان نكوص الإدارة الاميركية عن الانسحاب، ستكون له عواقب وخيمة على العراق .وكانت إدارة بوش تتبنى خطة انسحاب مشروطه، وكان شعارها الذي كانت تردده: "عندما يقف العراق على قدميه، سنجلس نحن"، إدارة بوش كانت تتظاهر بأنها لن تسحب القوات حتى ترى العراق ينهض، وهي التي تسببت في إفساده، كما أن ربط خطط الانسحاب بشروط، نجم عنها تدهور مستمر في أوضاع العراق وبالتالي تمديد الاحتلال العسكري .ويقول الباحثان "لسوء الحظ، يوجد تأييد لاستمرار الاحتلال الاميركي لأن بعض الجهات مثل الأحزاب العراقية الحاكمة أو الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة، تعتقد أن الاحتلال يصب في مصلحتها وثمة جهات أخرى مثل تنظيم القاعدة ترغب في أن ترى الولايات المتحدة غارقة في أوحال العراق على الدوام، ولذلك تحاول دائماً إلهاب الوضع هناك وإشغال اميركا بصراع يحصد الأرواح والأموال، وينخر سمعتها الدولية..كما أن قوى إقليمية أخرى تتخوف من أن يبرز العراق مرة أخرى قوياً، مستقلاً، ومتحداً" .وتقوم خطة أوباما الحالية على توقيت الانسحاب بجدولين زمنيين، وتحاول إدارته بهذه الخطة تفادي مزالق الانسحاب المشروط، وتعمل الخطتان، خطة أوباما لسحب القوات بحلول 31 آب ،2010 واتفاقية بوش الثنائية الخاصة بسحب كل القوات والمتعهدين بنهاية كانون الأول ،2011 على وضع مسؤولية الجيش، والاقتصاد والاستقرار السياسي على عاتق العراقيين .إن إضافة سنوات أخرى على الاحتلال الاميركي، كما يقترح ريكس، أو تأخير سحب القوات المقاتلة، مثلما اقترح أوديرنو، ستكلف الولايات المتحدة انفاق المزيد من المليارات، وستؤدي لمصرع أعداد لا تحصى من الجنود الاميركيين ومن المدنيين العراقيين، والأمر المهم للغاية، أن المماطلة في سحب القوات لن تجعل العراق قريباً بأي حال من الأحوال من أن يصبح بلداً مستقراً ومزدهراً .والآن بعد اعلان نتائج الانتخابات العراقية التي جرت في 7 آذار الحالي يجدر بأوباما أن يؤكد مجدداً على سريان الاتفاقية الثنائية الاميركية العراقية، التي تجدول الانسحاب الاميركي، ويتوجب على أوباما أيضاً أن يصدر انذاراً واضحاً لضباط الجيش الذي يسعون للسيطرة على قرارات الحرب

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter