امين بغداد يغسل اسنانه ايضاً!!

نادية العبيدي

رأيت في مايرى اليقظان لا النائم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يصطحبان بعض ضيوف القمة العربية المزمع عقدها في بغداد ، بجولة مفتوحة في عاصمة العباسيين، ومع بدء الجولة يشرع رئيس الحكومة في شرح الاسس التي وفقها تم تأسيس بغداد، وخصائص عمارتها التي تقي ناسها حر الصيف وبرد الشتاء، فيستمع الضيوف مهتمين، ويطنب في وصف بغداد المدورة برصافتها وجسرها وكرخها وعيون المها التي بين الرصافة والجسر سلبن هوى قلب الفتى من حيث يدري ولا يدري، ويستمع الضيوف بشغف، ثم وبينما الموكب يرتقي جسر الجمهورية يعرج رئيس الحكومة على ماانجزته حكومته في انصاف الناس ومحاربة الفقر وانقاذ الفقراء من غاشية الجوع والتشرد وتوزيع ثروات البلاد على العباد، وفجأة يتوقف الموكب ويسود هرج ومرج بين افراد الحمايات، فحمايات الحكومة تصوب فوهات بنادقها في كل الاتجاهات، وحمايات الضيوف تعمل سواتر باجسادها حول اصحاب الجلالة والسيادة والسمو، وبعد التي واللتيا يتحرك الموكب ومن خلل الزجاج الاسود يرى الضيوف حمايات الحكومة وهي تحشر شيخا وعجوزا متسولين كانا قد اندفعا نحو الموكب طمعا في صدقة تقيهم بردا قارسا ينخر جسديهما شبه العاريين الا من خرق بالية ، يتسلل من اقدامهما الحافية، وجوعا مريعا يفتك بهما، فيسأل الضيوف رئيس الحكومة:
ـ ماهذان الكائنان؟
فتستبد الحيرة به بين ان يقول (انهما وافدان من باكستان او افغانستان او الهند تركا عملهما وشرعا يتسولان ونحن لاننهرهما لانهما من بلدان صديقة) او يقول (انهما مجنونان هربا من مستشفى المجانين والشرطة منذ ايام تبحث عنهما) لكنه في اللحظة الاخيرة يجد العذرين ابرد من ظهر السقا البغدادي فيرد بابتسامته المعروفة:
ـ انهما مخموران.
ويصدر رئيس الحكومة امرا خفيا بان يعود الموكب ادراجه الى الكرخ فحال الرصافة غير مشجع على استعراض منجزات الحكومة بينما الكرخ تنعم بنعمة جوارها للمنطقة الخضراء والطرق الموصلة الى مطار بغداد الدولي، ومع انطلاقة الموكب ثانية، يعود رئيس الحكومة الى شرح عناية حكومته بكل كائنات بلاده فالاشجار مثلا في الجزرات الوسطية ببعض شوارع الكرخ لم تشأ الحكومة تركها عرضة للبرد والمطر اذ قامت امانة بغداد بتغليفها باكياس من النايلون امعانا في ابقائها مزهرة موردة مثل جميع المواطنين الذين تحولت حياتهم الى حدائق غناء ورياض مسرات وسلام، ويرى الضيوف حقا تلك الشجيرات مغلفة بالنايلون، فيحملون رئيس الحكومة تحياتهم الى الكادر البلدي في بغداد وعلى رأسه امينها الهمام الذي لاتنام له عين ولا يغمض له جفن ابدا ابدا ابدا من اجل عيون بغداد واهلها.
وبغتة تنزل السماء مطرا مدرارا، مطرا عاصفا، فيعلو زعيق السيارات وصفيرها وتمس الناس موجة من القلق ويهرب شرطة المرور الى اكشاك قريبة اتقاء للمطر فتعصف بحركة المرور فوضى وتختنق الشوارع ، وبينما حمايات الحكومة تهرع الى محاولة فك الاختناقات امام موكب اصحاب الجلالة والسيادة والسمو ، تصل الى اسماع الضيوف انواع منتقاة من شائم الناس في مابينها ومن شتائمهم للحكومة التي لم تبن جسرا ولا مجسرا لمعالجة الاختناقات ولم تفتح شارعا من الشوارع المغلقة، فيحاول رئيس الحكومة شرح ان شتائم العراقيين في مابينهم طقس من طقوس محبتهم، فيضحك اصحاب السيادة والجلالة والسمو ويتشاتمون في مابينهم باقذع الشتائم تيمنا بطقس محبة العراقيين.
ومع الشتائم والضحك والضرب على الاكتاف وتبادل النطحات الخفيفة بالرؤوس بين الملوك والرؤساء الضيوف يتحرك الموكب راجعا الى مقرات الاقامة، وبينما ينبري رئيس الحكومة الى الحديث عن سبق العراقيين الاوائل في ابتكار انظمة الري والمجاري منذ عهود بابل واشور واكد ، تصفق الاسماع بغتة صرخات وصيحات فقد دخل الموكب احد الانفاق البغدادية وغرقت سياراته عن بكرة ابيها في فيضان عارم من المياه النازلة من السماء والمياه الناطة من المجاري المغلقة، فتتشلح الحمايات وترمي جزمها وبنادقها وتحاول دفع السيارات التي انطفأت محركاتها دون جدوى، فلا تجد مناصا من ان تحمل اصحاب الجلالة والسيادة والسمو على اكتافها وتخف بهم وهم مابين مذعور يكمم انفه من الروائح العطنة بطرف دشداشته او طرف سترته او مفجوع يتمتم بكلمات غير مفهومة وقد سقطت احدى فردتي حذائه في طوفان المياه، وفي اتون هذه الفاجعة يغضب رئيس الحكومة ويطلب الاتصال هاتفيا بامين بغداد الذي (سود) وجوه الحكومة امام الملوك والرؤساء، فيأتيه الرد ان السيد امين بغداد نهض من منامه توا ومشغول بغسل اسنانه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter