الهيمنة و(التوّحش الجنسيّ ) في الشرق الأوسط الجديد فاضل الربيعي الحلقة الرابعة كهنة الإسلام سوقوا (التوحش الجنسي) بصيغة: قدّم نفسك أضحية لتحصل على مكافأة جنسيّة سماوية

الوهابية بعثت فكرة (الجائزة الجنسية) بعد ان انطرت اثر ولادتها في عصر انحطاط الدولة الاسلامية

 

 

كيف تحوّلت فكرة التضحية الدينية، أي افتداء النفس، إلى جهاد دينيّ يحصلُ بموجبهِ المسلمُ على مكافأةٍ جنسّيةِ ( حوريات في الجنّة)؟ إن البحث عن جذور ( التوحش الجنسيّ ) يجب أن ينطلق من التعرّف على الأرضيات الثقافية التي أسسّت لهذه الثقافة. لقد افتدى المسيح البشرية بنفسه، لكن الأناجيل لا تعرف أي صورة عن ( مكافأة جنسية ) أي حوريات، كان المسيح يتوق للقاء بهنّ جرّاء التضحية بالنفس. إنه افتداء خلاصيّ أكثر سموّاً من أي شكل آخر للتضحية. فمن أين جاءت هذه الصورة الإسلامية البغيضة؟ وما علاقتها بالتوّحش الجنسيّ؟
في الشرق الأوسط الجديد، يتغذّى هذا التوحش من خطاب دينيّ إسلاميّ قديم، لا ينبغي نكرانه أو التغاضي عن وجوده، فجذوره تضرب في تربة نهايات العصر العباسي، وهو يقوم على ثلاث قواعد كبرى: التضحية الدينية، والجنس، والعنف. واليوم، يشكل هذا المزيج الأساس الذي يقوم عليه الخطاب الديني التكفيري المعاصر.هذا يعني أننا ورثنا خطاباً دينياً يتيح لأي مُستغل أن يوجهّه ويوظفه في أي ظرف ووقت وبالطريقة الملائمة له .
لقد جرى التأسيس لهذه القواعد خلال عصور الإنحطاط، وفقط من أجل مواجهة تحديات وحاجات،ملحّة ومحددّة تتعلق بمصير دولة الإسلام القديم التي كانت تنهار تحت ضربات قبائل متوحشة. كان الفقهاء في عصور الإنحطاط، يدركون أن الروح الإيمانية تتراخى، وأن سلطتهم لم تعد ذات قيمة حقيقية لا في بلاط الخليفة ولا في أوساط العامّة، ولذا ابتكروا ( أخترعوا) هذا المزيج العقائدي، لرفع المعنويات المنهارة أمام المخاطر، وكانوا يعتقدون أنهم حين يلفقون أحاديث الحوريات السمّاويات على لسان النبيّ والصحابة، يمكن أن يحضوّا المسلمين على القتال لحماية مراكزهم هم لا مركز الإسلام المتداعي، وكان العاّمة من الناس يدركون القيمة الضحلة لهذه الأحاديث الملفقة ولا يعبأون بها. في هذا الوقت وفي حدود 800م كان العالم العربي الإسلامي القديم يتهيأ لحقبة من التمزّق إلى ولايات غارقة بالدم والوحل، إذ بدأت تظهر في المسرح التاريخي، موجات متتابعة من القبائل المتوحشة التي بلغت ذروة خطرها وخلال مئتي عام مع صعود القبائل المغولية- التتارية.
بعد عام 1000م ، أي بعد مرور أكثر من قرنين، أصبح خطر القبائل المتوحشة حقيقياً. كان البويهيون (1020-1055 م) في الشرق، والعثمانيون (والسلاجقة 1105-1118م) في الشمال، يشكلون خطراً من داخل الإسلام نفسه. ها قد ولد التوّحش من داخل الإسلام نفسه، حين راحت قبائل مسلمة عثمانية- سجلوقية- بويهية، تصارع من أجل نقل مركزه، إما إلى الهضبة الإيرانية وإما إلى هضبة الأناضول.ومع ذلك كانت هذه الأخطار تبدو أقل أهمية من الأخطار التي سوف تبدأ مع تزامن الإجتياحات الوحشية المغولية والحروب مع الفرنجة ( ما يسمّى خطأ بالحروب الصليبية 1096 – 1291 م) أي مع انطلاق موجة ثانية ( وثنية ثم مسيحية ) للهيمنة على قلب العالم العربي- الإسلامي. وخلال 300 عام تقريباً، تبلور هذا الخطاب الديني نهائياً على أساس التلازم بين التضحية الدينية، والجنس، والعنف. لم يجد كهنة الإسلام سوى هذا الإكسير السحريّ المفعول للحفاظ على مراكزهم الكهنوتية: قدّم نفسك فداء، أضحية باسم الإسلام ولأجله لتحصل على مكافأة جنسيّة سماوية.
لكن أحداً لم يتجرّع آنذاك هذا الكأس، فتداعت الفكرة واندحرت.
كانت صورة الإسلام كما قدّمها فقهاء عصور الإنحطاط، تبدو في أنظار العاّمة، صورة غرائببة كاذبة لدين يقدّم مكافأة جنسية للمؤمنين؟ قبل العصر العباسي، لم تكن هناك أي واقعة تاريخية أو أثر ثقافي- ديني ( حديث موثوق) يدعم فكرة وجود رابط بين ( الجهاد) وبين حصول المجاهد المسلم على مكافأة جنسية؟ ويبدو أن هذه الفكرة كانت بالفعل، نتاج تحللّ الإسلام القديم وتفتتّ وحدته وانهيار خلافته. لقد تراخت الروح الدينية القديمة داخل الولايات الإسلامية التي سقطت، واحدة أثر اخرى تحت هيمنة قوى قبلية ( إقليمية) صاعدة. وكانت صورة المكافأة الجنسية لقاء افتداء المسلم لنفسه في سبيل الإسلام والدفاع عنه، تتراءى في أنظار عامّة المسلمين صورة زائفة موظفة من جانب الفقهاء لتصعيد الروح القتالية، لا أصل ولا وجود لها في أي عقيدة أو دين سابق على الإسلام. على هذا النحو، تأسس في الإسلام الرسمي رابط ماديّ جديد، يجعل التضحية الدينية أكثر تلازماً مع الجنس والعنف.إن فكرة افتداء النفس، لقاء جائزة جنسية سوف يحصل عليها المسلم، هي نتاج موجة التوّحش. إنها المخلوق الإيديولوجي الذي ولد من رحم حقبة متوّحشة كان فيها سفك الدم وقطع الأعناق وسبي النساء وهتك الأعراض نوعاً من واجب دينيّ. بكلام آخر: ولدّ التوّحش الذي واجه دولة الإسلام في عصور الإنحطاط، توّحشاً جنسياً، ولكنه ظل حبيس الكتب ولم يتحوّل إلى عقيدة إلا في مرحلة الإنهيار الشامل. إن الإبراهيمية والموسوية ثم اليهودية والمسيحية لا تعرف بأي صورة من الصور، فكرة وجود ( جائزة جنسية) للمؤمن؟
لقد جرى بعث وتنشيط القواعد الكبرى التي قامت عليها صورة الجنة السماوية المليئة بالحوريات، بإعادة تقديمها كإسلام صحيح أكثر تمثيلاً للإسلام التاريخي، وأصبح من المألوف في الخطاب الديني رؤية المعادلة الشاذّة التالية: إن للإيمان مكافأة- جائزة كبرى في صورة عدد هائل من النساء ( الحوريات). وأنشأت هذه الثقافة في عصور الإنحطاط، إسلاماً قابلاً للتجديد وفقاً لشروط وقواعد، تقوم كلها على الربط بين الإيمان والجائزة الجنسية، وما من مسلم – اليوم- إلا ويؤمن- وإنْ لم يجاهر بذلك- بأنّ الإيمان يقوده في النهاية إلى جنّة سمّاوية فيها كل ما يشتهي من النساء؟
خلال سنوات 1703 – 1791م ومع ولادة الوهابيّة، تمّ تجديد هذه القواعد وكانت صورة (الحوريات في الجنّة السماويّة) كما عرضها إسلام العصر العباسي المتأخر، تحضر بقوة لتصبح هي الجائزة التي يحصل عليها المسلم حين يفتدي ذاته. إن صورة الفداء في الإسلام الأول والمسيحية القديمة (حين افتدى المسيح نفسه) لا ترتبط بأيّ نوع من المكافأة.
إذا ما نظرنا إلى ( التوحش الجنسيّ ) بوصفه كائناً، جرى ( تَخْليقه- أي تصنيعه) في الغرب الرأسمالي، بالاستناد إلى مرتكزاته التي أنشأها فقهاء مسلمون خلال عصور الإنحطاط، فسوف يكون مفهوماً لنا المعنى الحقيقي لاستغلاله اليوم، ليكون قابلاً للنمو والتطور؛ أيّ للتحوّل إلى أشكالٍ وصورٍ متنوعة كما يريد ويرغب ( خالقوه ) ومهندسوه. وفي هذه الحالة يتعيّن علينا أنّ نكفّ عن تصورّه ( كظاهرة) إجتماعية- سياسية عابرة وعرضية، تلازم ظهورها مع تفجرّ العنف السياسي، أو أنها نتاج هوس جنسي عند الجماعات الإرهابية وحسب، ويتوجبّ علينا ، بدلاً من ذلك، النظر إليه بوصفه معادلاً موضوعياً لكائن من النوع نفسه.إن العنف السياسي-الاجتماعي المتفجرّ في مجتمعاتنا منذ ما يعرف ب( أحداث الربيع العربي) يفتش عن معادله النوعي ( الموضوعي) أي عن العنف الشبيه به. هذا ما يفسرّ لنا سرّ التلازم بين تفجرّ التوحش الجنسي والتوحشّ السياسي- الاجتماعي والعنف الوحشي في آنٍ واحد؟

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter