الهيمنة و(التوحش الجنسي ) في الشرق الأوسط الجديد الحلقتان الاولى والثانية فاضل الربيعي

الأمريكيون اول من استخدم (التوحش الجنسي) ضد الشعوب واول من قام باغتصاب النساء وبقر بطون الحوامل وجدع أنوف الرجال وبترآذانهم وقطع أثداء النساء وأعضاء الرجال التناسلية

 

التحالف الإمبريالي استخدم ( التوحش الجنسي) كأداة للسيطرة على البلدان العربية وتفكيكها

 

ما العلاقة بين سبي النساء في العراق وسورية – وصولاً إلى اختطاف مئات الفتيات الصغيرات في نيجيريا على أيدي جماعة بوكو حرام – وبين عمليات تفكيك الشرق الأوسط القديم؟ ولماذا يمتّد الشرق الأوسط الجديد ليشمل أجزاء من أفريقيا وجمهوريات آسيا الوسطى ( السوفيتية السابقة)؟ وما العلاقة بين الهيمنة وإطلاق موجة من (التوحش الجنسيّ)؟ لقد شاهد الجميع من قبل ويشاهدون اليوم أيضاً، صوراً وأفلاماً وثائقية وفوتغرافية لعمليات إغتصاب جنسي، أو عمليات سبي وبيع للنساء، لكن أحداً لم يتساءل عن العلاقة بين تغيير خرائط والمجتمعات وبين هذا النمط من العدوان ؟
لم يكن سبي نساء الموصل ( والإيزيديات في جبل سنجار) حادثاً عرضياً عابراً في قصة داعش، تماماً كما لم يكن تنظيم أسواق نخاسة لبيع النساء، أو إقامة حفلات دعارة لتبادل الأسيرات، مجرد تصرفات طائشة لمجموعات إرهابية متوحشة مههوسة جنسياً. كما لم يكن التحويل الدراماتيكي لفكرة ( الجهاد ) في العقيدة الإسلامية من فكرة دينية إلى فكرة جنسية ( جهاد النكاح) مجرد خطأ فقهي في تأويل النصوص المقدّسة أو محض تحوّل عرضي في قصة فهم مبادئ الإسلام. في الواقع، يتعيّن وضع مسألة إغتصاب وسبي النساء في الشرق الأوسط – اليوم- في إطارها الصحيح، بوصفها العلامات الأولى لموجة من التوحش الجنسي، يبدو أنها بدأت بقوة. وكل ما جرى في هذا النطاق، يؤكد الحقيقة التالية :
إن الترابطات العضوية بين الهيمنة السياسية والإغتصاب الجنسي، هي في صميم إستراتيجيات السيطرة على الأرض. لقد أظهرت التجربة الإستعمارية الكلاسيكية ، أن الرأسمالية استوعبت في وقت مبكر، الدرس التاريخي القديم عن الترابط بين الهيمنة والعدوان الجنسي، وذلك حين لاحظ المستعمرون الأوائل في القارة الأمريكية ، أن انتزاع الأرض من الهنود الحمر، يقتضي تنظيم عمليات إغتصاب جنسي لنساء القبائل. في عام 1864، وقعت المذبحة الشهيرة في التاريخ الأمريكي ( مذبحة ساند كريك) حيث قام الأمريكيون باغتصاب النساء والفتيات في قرية كريك، ثم بقروا بطون الحوامل ومثلوّا بأجسادهنّ ، كما جدعوا أنوف الرجال وبتروا آذانهم، قبل أن يقوموا بقطع أثداء النساء وأعضاء الرجال التناسلية، وتعليقها على صدورهم وبنادقهم. إن التاريخ البشري، يؤكد هذه الحقيقة ، فقد مزجت كل الجماعات البدائية في حروبها للسيطرة على الأراضي والثروات ( حيوانات وأموال القبائل الأخرى) بين الهيمنة والتوحش الجنسي، لأن القاعدة الذهبية في استراتيجية الهيمنة، كانت ولاتزال تقوم على المبدأ ذاته: فرض هذا المزيج كمنظومة موحدة للسيطرة. وحين تدخل الأمريكيون في الحرب الكورية– الخمسينات من القرن الماضي- قدّموا هذا الكوكتيل الوحشي بسخاء: مزيج من الهيمنة العسكرية والإغتصاب الجنسي للنساء الكوريات، وهو ما تكرّر بعد نحو أقل عقد من الزمن في فيتنام ، حين جرى تحويل العاصمة الفيتنامية الجنوبية السابقة سايغون إلى ماخور (مبغى جماعي واغتصاب 31 ألف امرأة). وهو ما حدث تالياً في الفلبين. إن إشاعة أنماط من الزواج الجماعي الفوضوي، ونشر أشكال مرّوعة من الإغتصاب الجنسي للنساء، والقيام بعمليات سبي ممُنهج، هو في صلب استراتيجيات الهيمنة على الأرض. وفي مطلع نيسان/ إبريل 2003 وحين كان الأمريكيون ينغمسون في تفكيك ماكنة الدولة في العراق، قطعة إثر قطعة، وقعت سلسلة مُمنهجة من عمليات الإغتصاب الجنسي لنساء عراقيات من كل الطوائف، وكان سجن أبو غريب مسرحاً حقيقياً لتجربة نمط من ) العدوان الجنسي) شمل الرجال أيضاً، وشاركت فيه مجندّات أمريكيات كنّ يتسلين بإلتقاط الصور مع (رجال مغتصبين) . وبعد اقل من 40 يوماً من سقوط بغداد اتهمت لجنة حقوق الإنسان في العراق قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني، باغتصاب العشرات من نساء وأطفال العراق. وفي رسالة وجهتها اللجنة إلى المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ذكر معدّو الرسالة أن المنظمة «سجلت 57 حالة اغتصاب لنساء عراقيات على يد القوات الأمريكية والبريطانية، و27 حالة اغتصاب لأطفال، منها 11 حالة على يد القوات البريطانية، و3 حالات على يد القوات الدانمركية». وفقط خلال اقل من شهرين بعد الاحتلال. وأورد موقع كردي في أغسطس 2003م، أن الجنود الأمريكيين قاموا بفتح أبواب دار للأيتام في شمال العراق، وأنهم طُلبوا من الأطفال الخروج منها قبل أن يقوموا باغتصابهم، حيث سجلت 75 حالة اغتصاب لفتيات وأطفال صغار، و80 حالة اغتصاب لبالغين من الأيتام؟ وحين نشر الصحفي الأمريكي سيمور هيرش مقالته الشهيرة عن فضيحة سجن أبو غريب،اهتز وجدان العالم العربي والإسلامي وتسربت حقائق جديدة، منها أن الطابق الأسفل من السجن- وحيث جرى اعتقال الرجال- شهد فظائع لم تتطرق إليها مقالة هيرش. لكن أحداً لم يتساءل آنذاك عن ( الطابق الأعلى من السجن) حيث جرى اعتقال مئات النساء العراقيات.هناك وقع نمط غير مألوف من (التوحش الجنسي) سرعان ما جرى تعميمه على الحواجز في طرقات الفلوجة وفي مساجدها- حين جرى إغتصاب النساء داخل المساجد- ولتتكرر صور مريعة أخرى من عدوان جنسي ممُنهج.
اعتباراً من هذه اللحظة الدراماتيكية، أصبح ) التوحش الجنسي) أداة نموذجية من أدوات التفكيك السياسي والجغرافي، ولم يعد مجرد تصرفات طائشة.
إن تفكيك الشرق الأوسط سوف يتلازم مع إطلاق موجة جديدة من ( التوحش الجنسيّ).

الحلقة الثانية:

من المؤكد أن الفزع الأخلاقي الذي تشعر به مجتمعاتنا اليوم، جراء تعاظم حالات خطف وإغتصاب النساء في كل مكان، لم يعد مجرد خوف غريزي من تفاقم ظاهرة عابرة، أو عرضية تبرز إلى السطح في سياق أحداث العنف المتفجرّة. والأدّق أنه فزع يمتزج بشعور حقيقي، بأن ما يجري أشبه ما يكون بعمل ممُنهج ومدروس بعناية. إن تكرار حوادث الإغتصاب وانتشارها وتلازمها مع كل حدث وقع في ما يدعى ( بلدان الربيع العربي) يؤكد هذا الشعور، لكن أحداً لم يدرك بعد مغزاه وحدوده ووظيفته. ويبدو من سلسلة وقائع مترابطة جرت خلال السنوات الأربعة الماضية في كل من ليبيا، وسورية ، وتونس ، ومصر والعراق واليمن، أن الإغتصاب الجنسي أصبح سلاحاً فعلياً في الصراع.
ولأجل فهم أعمق لما نسميّه ( موجة التوحش الجنسي) في الشرق الأوسط الجديد، تذكرّوا الوقائع التالية :
في ليبيا – وخلال الأحداث المأسوية، عندما كانت قوات النيتو تجهز قواتها لهجوم مدّمر على طرابلس- خرجت محامية ليبية تدعى إيمان العبيدي يوم 26 آذار/ مارس 2011 لتقول علناً وأمام وسائل الإعلام العالمية أن ( مرتزقة يتجاوز عددهم 15 من كتائب القدافي قاموا بإغتصابها عند حاجز تفتيش، وانها اضطرّت إلى التسلل إلى فندق شهير يقيم فيه مجموعة من الصحفيين الأجانب في محاولة لتوصيل صوتها ومأساتها للعالم وفضح النظام الليبي.وقالت: أنها اغتصبت مراراً وتكرارا. ثمً كشفت العبيدي للصحافيين عن قروح وندوب على فخذيها).
فجأة، اصبحت قصة العبيدي في وسائل الإعلام العالمية، هي الشغل الشاغل للناس وليس تحضيرات النيتو لغزو ليبيا ؟ وبطبيعة الحال، فقد ساهمت النخبة الفكرية- السياسية العربية بتضخيم القصة في وسائل الإعلام العربية، وتدفقت اسخف وأحطّ أنواع التحليلات السياسية. في هذا الوقت كان عزمي بشارة يصرخ كل يوم من فضائية الجزيرة مطالباً بفرض مناطق حظر طيران وتسليح ( الثوار) لأنهم ( حركة تحرر وطني)؟ ولم يتوقف أحد أمام السؤال التالي: ما هي بواعث ودوافع قيام جنود القذافي بإغتصاب جماعي لأمرأة ليبية ؟ وكيف تسنى لجنود الحاجز ال15 أن ينصرفوا عن مهام القتال لممارسة جنس جماعي في العراء؟ كان ثمة تضليل مريع في القصة، ففي مجتمع محافظ ( بدوي) مثل المجتمع الليبي، لا يبدو مثل هذا السلوك مألوفاً، كما أن التاريخ الجنائي في ليبيا لا يعرف أي حادث مشابه جرى في أي وقت، ذلك أن الإغتصاب الجماعي في العراء وأمام الجمهور، يكاد يكون ممارسة مستحيلة الحدوث، نظراً للضوابط الإجتماعية التقليدية. إن نظام القيم الإجتماعية في مجتمع تقليدي لا تسمح للفرد مهما كان متوحشاً، بممارسة الجنس في العراء وأمام المارّة. كما أن نظام القيم نفسه، لا يسمح للضحية – بالمقابل- وتحت أي ظرف، بالكشف عن حادث من هذا النوع، أو الظهور العلني ( والتعريّ) أمام غرباء للكشف عن جريمة إغتصاب مزعومة قام بها 15 جندياً نظامياً ؟ وبالطبع، لا توجد أي دلائل على أن المؤسسة العسكرية – تحت أي ظرف- يمكن أن تسمح لأفرادها بممارسة نوع من ( التوحش الجنسي) ضد الجمهور العام وفي العراء ودون أن تكون هناك اسباب مقنعة؟ إذ لم يُعرف عن العبيدي أنها كانت معارضة أو سياسية أو مشاركة في القتال؟ ولذا تصبح قصة إغتصابها المزعومة نوعاً من تلفيق. كما أن استخدامها لتعبير ( 15 مرتزقاً من جنود القذافي) يعطي الإنطباع بالفبركة، لأن الجيش الليبي لم يكن مؤلفاً من المرتزقة الغرباء؛ بينما كانت المليشيات – في الغالب- من جماعات محترفة جاءت من قطر وتونس وافريقيا ومن فرنسا؟ ثم سرعان ما كشفت الأحداث، أن المحامية الليبية كانت متورطة في الخداع والكذب، وان ( لعبة الإغتصاب الوحشي) كانت جزء من (Game) لتحطيم الصورة الأخلاقية للمؤسسة العسكرية وإظهار الجيش كمؤسسة إجرام؟ لقد كانت إيمان العبيدي جزءا من ( برنامج) لخلق قصة مثيرة للفزع الأخلاقي، وبحيث تظهر المؤسسة العسكرية((الجيش بشكل خاص) كطرف في الصراع ، يمارس ( التوحش الجنسي) ضد المجتمع، وهذا كافٍ لوقوع تطورين أساسيين:
أولهما : تبرير عملية حل أو تفكيك المؤسسة العسكرية، وتبرير عملية (محوها) بتهمة تورّطها في ( التوحش الجنسي( ضد المجتمع. وكان واضحاً أن تركيز وسائل الإعلام على استعمال تعبير (كتائب القذافي) بدلاً من ( الجيش الليبي) أن يتمّ تكييّف الجمهور العام على قبول الصورة الجديدة للجيش، فهو ( كتائب ) مثلها مثل ( كتائب الثوار) . أي أنهما طرفان عسكريان متكافئان في التوصيف العسكري، فهما ( كتائب) متصارعة ، وأن موضوع الصراع لم يعد حول الديمقراطية أو التنمية أو التقدم؛ بل على مواجهة التوحش الجنسي بتوحش جنسي مضاد؟ وسوف يتوضحّ هذا الأمر تالياً مع تفككّ الجيش وتحوّل ( كتائب الثوار) إلى ( مليشيات) راحت تمارس التوحش الجنسي العلني في كل المدن الليبية.
ثانيهما: إن يتمّ خلق بيئة ثقافية جديدة، تصبح فيها إمكانية الحصول على ( سبي ) من النساء ، هدفاً أسمى وأعلى من أي هدف آخر في الصراع، أي أعلى من ( الديمقراطية). وما علاقة التونسي أو القطري أو الكيني، بمسالة إنشاء نظام ديمقراطي ليبي؟ ذلك ما يفسرّ السبب الحقيقي لإنخراط شبان من بلدان الجوار الليبي ( الأفريقي- العربي- الأوروبي) في الصراع المسلح. لم يكن هناك أي باعث سياسي حقيقي، كما لم تكن بواعث كافية تتصل بالفقر أو البطالة او الحاجة للمال، لتبرير هذا التدفق البشري نحو ساحات قتال مكشوفة. والمؤكد- كما بينّت التجارب التاريخية- أن المرتزقة، ومهما كانت بواعثهم، لا يتدفقون إلى مناطق القتال إلا من خلال شبكات غاية في السرية، تديرها أجهزة متخصصة تؤّمن كل الوسائل التي تساعد على سرعة تدريبهم والتحاقهم في القتال. وهذا حقيقي، إذ كيف يمكن تصديق أن كل الذين تدفقوا للقتال- في ليبيا، ثم سورية والعراق تالياً- قدموا بمحض ارادتهم وبوسائلهم الخاصة، وهم – فوق كل هذا- يعرفون كيفية استخدام أعقد أنواع الأسلحة؟ قد تكون عوامل الفقر والبطالة والحاجة للمال، باعثاً قوياً، لكنها لن تكون مفهومة إلا في سياق منظومة عوامل أخرى أكثر قوة وزخماً: أي التلاعب بالجماهير. إن الجماهير مواد متحللّة من طبقات اجتماعية في حالة تآكل، وقد لا يجمعها جامع أو رابط فكري- ثقافي أو سياسي، لكنها مواد قابلة للإنجذاب الجماعي في حالات الهياج. لقد خلق ( التوحش الجنسي) بيئة هياج جماهيري نموذجية جاذبة، يمكن فيها ممارسة التوحش الجنسي دون أي شعور بالخوف من العقاب. ومن المؤكد، أن التحالف الإمبريالي الذي يقود عملية تفكيك الشرق الأوسط منذ 2003- 2011، استخدم ( التوحش الجنسي) كأداة للسيطرة على البلدان العربية من خلال قيام جماعات محلية بممارسة الإغتصاب لنساء جماعات محلية اخرى. في حالة ليبيا، كان ذلك كافياً لتبرير وقوع ( توحش جنسي ) مضاد. وهذا ما حدث بالفعل، فقد قامت مليشيات مصراته بإنتهاك جماعي لأعراض مئات النساء من ( تاورغاء) في ضواحي طرابلس، وهما مدينتان ليبيتان محافظتان، رداً على ما اعتبروه ( جرائم جماعات موالية للقذافي) ضد نساء مصراته. في سجن مصراته – مثلاً- تعرضت النساء إلى الضرب والحبس الانفرادي والكيّ بالنار والكهرباء ، وقامت جماعات قطرية وفرنسية وتونسية سوية مع المليشيات الليبية، بممارسة ( التوحش الجنسي ) الذي بلغ ذروته، حين قام ليبيون- من المليشيات- بتقديم النساء الليبيات للقطريين والتونسيين والفرنسيين في ما يشبه حفلات جنون جنسي؟ وقالت إمرأة ليبية– لمنظمات حقوقية- في المستشفى وقبيل وفاتها بقليل ( إن 26 حيواناً اغتصبوها في يوم واحد). لقد خلق (التوحش الجنسي) الأرضية المناسبة لشعور جماعي داخل المجتمع الليبي، بالرغبة في فضّ الشراكات التاريخية بين المدن، حتى أن الوساطات القبلية لمعالجة آثار ( الإغتصاب ) لم تنجح في تهدئة خواطر السكان المجروحين في كراماتهم، وكان من المألوف سماع الهتافات التي نادت ( الانفصال) وتفكيك ليبيا إلى ( ولايات). لم يعد ممكناَ- بفضل التوحش الجنسي- التفكير بعيش مشترك بين مصراته وتاورغاء؟ ولذا اصبح مطلب الإنفصال مطلباً شعبياً؟ لقد أدىّ التوحش الجنسي غرضه كاملاً كوسيلة لتفكيك ليبيا، حين اصبح الصراع في هذا البلد متمركزاً في محور واحد: الرّد على التوحش الجنسي بتوحش جنسي مضاد.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter