الهوسات العراقية: مشاعر فياضة واحاسيس ملتهبة بالوطنية

كتب: احمد النعيمي: لا يمكن للداخل إلى مدن العراق الجنوبية إلا أن تلفته تلك الأهازيج، أو ما يُعرف بـ “الهوسات”، التي يستخدمها السكان في الأفراح كما في الأتراح، وأيضاً في النزاعات القبلية، أو في خلال مواسم الحصاد، أو للتفاخر بالنسب والجاه وإصلاح ذات البين، أو لاستقبال الضيوف، أو حتى في مواسم الزيارات الدينية. ومن تلك الهوسات ما هو تاريخي قديم بالكاد يجد المرء تفسيراً له، ومنها ما هو مستحدث جديد.
والهوسات تأتي كأبيات شعر شعبي تثير الحماسة والفخر أو الشجن والحزن، ويُخصّص جزء كبير منها للرجال. وهي كانت تستخدم أيضاً في أوقات الحروب مع الغزوات، التي اجتاحت بلاد ما بين النهرَين وما زالت، وذلك لإثارة الحماسة في نفوس المقاتلين وإلهاب مشاعرهم.وللهوسات مراسمها الخاصة، إذ يتجمع الناس حول صاحب الهوسة أو الأهزوجة، الذي يبدأ ببيت أو بيتين من الشعر الشعبي، ومن ثم يكرر الشطر الأخير من الأهزوجة ثلاث مرات، قبل أن تنطلق “الردسة”.
والأخيرة هي رقصة بحركات سريعة يؤديها الرجال، فيضربون أقدامهم بقوة بالأرض ويقفزون بسرعة مع تحريك أيديهم فوق رؤوسهم. وهذه الرقصة الخاصة، التي لا يجيدها إلا سكان الجنوب، تأتي متناغمة مع الهوسات، التي تردّد، وذلك في مساحة دائرية تعرف شعبياً بـ “الملعب”.تجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الأهازيج لعب دوراً كبيراً في التحشيد في خلال الثورة، التي انطلقت في عام 1920 في وجه الاحتلال الإنجليزي. فقد أشعلت الأهازيج، التي أطلقها الشعراء، حماسة العشائر العراقية، وبثت روح الحميّة العربية والحماسة في نفوسها.
في هذا السياق، يقول الباحث الاجتماعي، منير الصيادي، إن “المجتمع العراقي يتميز بطابع عشائري يعشق الشعر والأدب. وتكاد لا تخلو جلسة سمر من أبيات الشعر، سواء الشعبي أو الفصيح. وقد وظف العراقيون الشعر في الأهازيج لغرض التحشيد الإعلامي وإلهاب الحماسة في نفوس الثوار المقاومين للاحتلال الإنجليزي. وقد شهدت تلك الثورة أبرز الهوسات والأهازيج وأشهرها في تاريخ العراق الحديث”. ويضيف أن “الأهازيج لعبت دوراً إعلامياً كبيراً في إيصال صوت الثوار إلى المحافظات العراقية كافة، لا سيما بسبب سهولة حفظها”.
أما الإعلامي، عادل البشير، فيوضح أنّ “في عشرينيات القرن الماضي، في غياب وكالات الأنباء والقنوات الفضائية، كانت العشائر العراقية تلجأ إلى إيصال الرسائل إلى بعضها بعضاً عبر الأهازيج، التي يحفظها الناس، والتي كانت تنتقل بسرعة إلى الأرجاء كافة، فتستثير حميّة الثوار وترفع هممهم”.وللهوسات والأهازيج مكانة خاصة لدى العشائر العراقية في مدح ورثاء شخصية مجتمعية بارزة، إذ يطلق الشعراء أهازيجهم الشعرية ويختمونها بالردسة، لتبقى عالقة في أذهان الناس زمناً طويلاً.
ويوضح الشاعر، مختار الحربي، أنّ “الأهزوجة أو الهوسة تعتمد على الشاعر، الذي يرددها بما يعرف بـ “المهوال”. وكانت المهاويل ترافق المقاتلين في الحروب، لرفع معنوياتهم وبث الحماسة في صفوفهم”. ويضيف أن “الهوسة أشبه بقصة قصيرة لتمجيد بطولات جماعة أو عشيرة، أو لرثاء زعيم قبلي”.اقرأ أيضاً: “أرض السواد” مهدّدة بالتصحّرولا تقتصر الأهازيج على الرجال، فللنساء العراقيات نصيبٌ كبير منها. وتشير الكاتبة، نورا الخالدي، إلى أن “ثمّة أهازيج شهيرة لعدد من العراقيات.
 مثلاً عندما شاهدت إحدى أمهات ثوار العشرين جندياً إنجليزياً يطعن ابنها بحربة بندقيته قبل أن ينقضّ ولدها عليه ويعضّه في حنجرته حتى قتله، أنشدت: عفيه ابني الجاتل جتاله، أي بوركت يا ولدي لأنك قتلت قاتلك”.
وتوضح الخالدي أنّ “أبرز الأهازيج كانت لنساء استشهد أبناؤهن في ثورة العشرين”.إلى جانب زمن الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، شهدت الثمانينيات ومعركتَي الفلوجة الأولى والثانية (غرب العراق) انتشاراً كبيراً لتلك الهوسات والأهازيج بين العراقيين، حتى وضع فيها باحثون وكتاب كثر مؤلفات عديدة.بالنسبة إلى الكاتب، عبد الجبار الدليمي، فإن “الأهازيج لا تقتصر على منطقة معيّنة في العراق.
 ولعلّ من أشهر أهازيج القرن العشرين تلك التي أطلقها أحد قادة ثوار العشائر إبان ثورة العشرين في مدينة الفلوجة، حين تمكن الثوار من قتل قائد إنجليزي بالقرب من جسر الفلوجة القديم، بعدما أحرقوا رتلاً عسكرياً للقوات الإنجليزية. فأنشد أحد قادة الثوار أهزوجته: يالتنشد هاي الفلوجة أي يا من تسأل عن الفلوجة ها هي أفعالها”.
يضيف: “وكذلك الأمر في معركتَي الفلوجة الأولى والثانية ضد الاحتلال الأميركي. كانت أشهر الأهازيج التي يطلقها المقاومون حينها: بنزال أمريكا سحلناها. وكانت أيضاً: يالعايل هاي الفلوجة، في تهديد للقوات الأميركية”.ويشير الدليمي إلى أن “الأهزوجة لا تقتصر على الحروب، بل لها مكانة خاصة في الأفراح والأتراح.
ومن أشهر هوسات الأعراس: بليلة عرسك خل نلعب جولة، والجنائز: سر الحد وين مودينة في مدح المتوفى”.ويطالب مثقفون وأدباء بالمحافظة على التراث الشعبي من الضياع، من خلال بحوث ودراسات خاصة حول الهوسات والأهازيج وتوثيقها، إذ هي تنطوي على عادات وتقاليد المجتمع العراقي وتاريخه”.ولعالم النساء طقوس خاصة بالهوسات العراقية الجنوبية، ومنها على وجه الخصوص سواء على مستوى الأهزوجة أو المرأة التي تلقيها والمناسبة الخاصة بها.
ففي هوسات الحزن مثلاً، تقوم ملقية الهوسة بين النساء فتفرد ضفائرها حاسرة الرأس، وتتحزم بعباءتها لتلقي الأهزوجة الخاصة بالمناسبة. وقد اشتهرت كثيرات بذلك.وعادة ما تكون الهوسة مصحوبة بكلمات ومعانٍ تثير الحاضرين. ومن أشهرهن هوسة نساء الفلوجة إبان مجزرة الفلوجة في خريف عام 2004. في ذلك الحين، في خلال مراسم تشييع أربعين من شبان المدينة، الذين قتلوا في تظاهرة ضد الوجود الأميركي في البلاد، ألهبت تلك الهوسة المدينة، وقد قالت: “يا دار مالك محب ينخى على دم أحبابك”، داعية إلى التحشيد والأخذ بالثأر.وللفرح أيضاً نصيبه في الهوسات، على الرغم من أنه قليلاً ما راح يطرق أبواب العراقيين في خلال العقود الماضية.
وفي هذا النوع من الهوسات، عادة ما تؤديها شابة غير متزوجة أو واحدة من أصحاب المناسبة. ومن الهوسات المشهورة: “هيل وطش بالولاية” و”بنت الشيخ لابن الشيخ زفوها”. وكما الرجال، كذلك النساء لهن حركاتهن الراقصة، التي عادة ما تكون أكثر رشاقة من حركات الرجال.ولهوسات الحرب الخاصة بالنساء حكايات، قد تكون مشابهة للموروث العربي القديم. أما العبارات التي يرددنها في تلك المناسبات فهي عادة ما تكون مشحونة بمعاني الانتقام والحقد على الآخر “العدو المفترض”.
ويصف أستاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد، الدكتور محمد العاني، الهوسات العراقية بأنها “تميّز خاص عن المجتمعات العربية الأخرى. ولعلّ ذلك كان بسبب التكوين العام للشعب وتنوع دياناته وطوائفه وقومياته، بالإضافة إلى التنافس العشائري وكثرة الحروب والأزمات وارتفاع حس التفاخر ومحاولة السمو على الآخر منذ القدم”. يضيف: “هي لوحة نسجت ببطء عبر الزمن. ويقول المثل الشعبي: البيت إلي ما في هوسة يهوسوله الجيران. وهو ما يختصر تلك الظاهرة ومدى أهميتها للعراقيين في المناطق الريفية والمحافظات البعيدة عن بغداد كالجنوب والوسط والغرب أيضاً”.
ويتابع أن “انتشار ظاهرة بيع الهوسة أو مؤلفي الهوسات بحسب الطلب وبروز شعراء وأصحاب ارتجال كما يبيع كتاب الأغنية كلماتهم، يؤكد على حرص كل عشيرة أو منطقة على أن تكون لها هوستها الخاصة”.ويُروى أن وفداً مصرياً، مؤلفاً من ناشطين وناشطات في مجال حقوق الإنسان من ضمن برنامج تابع للأمم المتحدة، زار العراق في عام 2006.
وعندما وصل إلى مضارب عشيرة خزرج جنوب العراق، خرج رجال العشيرة بشكل جماعي حاملين بنادق “البرنو” وراحوا يرددون هوستهم الخاصة باستقبال الضيوف، والتي تقول: “اليوم لخاطر الزوار نخلي الدم للِركاب”، بمعنى نحر الذبائح لهم وسفك دمها حتى تصل أعلى الركبة في الساق كناية عن إكرامهم. لكن أعضاء الوفد فسروا الهوسة بشكل خاطئ، وراح بعضهم يركضون هاربين من المكان

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter