صاحب الامتياز
رئيس التحرير
عبدالرضا الحميد

النائحات المفترشات أرض الجحيم.. حزن جماعي للمرأة العراقية الحياة في العراق تابوت تحمله المرأة المتسربلة بالسواد، على كتفيها

هل تحولت بلاد الرافدين إلى أرض الجحيم؟ وهل هناك موعد مع القدر للخروج من دوامة الدماء والضياع المسلح، بعيدا عن التصريحات الرسمية، التي  تنتهي عند حدود الإدارة العراقية بالمنطقة الخضراء؟ الصورة لا تزال مأساوية، ويمكن قراءتها بوضوح على وجوه نساء العراق، حيث نرى  الخراب وكيف ينعكس على وجه المرأة العراقية، كمدا ورمادا، فلا نكاد نعرفها، فنحمل المحتل ومن حفزه، وسايره في تأسيس الطائفية والعرقية والفساد، مسؤولية كل ما يجري من شمال العراق إلى جنوبه، من شرقه إلى غربه، بحسب تعبير الكاتبة العراقية، هيفاء زنكة، وكيف جعلوا الحياة تابوتا تحمله المرأة المتسربلة بالسواد، على كتفيها.

المرأة العراقية، تتصدر المشهد العراقي الراهن، في صورة حزن جماعي، وهي  تتساءل «الأم والزوجة» والموعودة بتصريحات  ديمقراطية «العراق الجديد»، عن كيفية تحمل عبء الحياة يوما آخر. عن الفقر واليتامى. عن العثور على جثث الضحايا ودفنهم في الكرادة، النموذج المصغر لتعايش البغداديين. عن مجالس العزاء وملابس العزاء التي باتت زيا موحدا لكل العراقيات. عن التيه بين مخيمات النازحين على خارطة لم تعد تتسع للمزيد، عن أطفال هيروشيما- الفلوجة، المشوهين باليورانيوم، والأجساد الذائبة بالنابالم، عن بغداد المجزأة بالجدران الكونكريتية ونقاط تفتيش برجال يمررون الإرهابيين لقاء حفنة دنانير.

 

وتعبر الكاتبة عن أحزان المرأة العراقية وتساؤلاتها الحائرة القلقة: كيف سيكون صباحنا، نهارنا، والليل الذي سيحتضننا بساعاته المظلمة؟ كيف أصبح السواد/ الظلام جزءا من جلودنا وملامح وجوهنا؟ خاصة وإنّ قوماً ظالمِينَ، معَمَّمينَ، يطارِدونَ بَياضَ بغدادَ، وتقف “العراقية” حائرة تلملم أحزانها : هل من يوم آخر؟ ماذا عن أحبابنا حين يغادرون البيت إلى المدرسة، إلى العمل، أو لمجرد التسوق أو التمشي كما يفعل بقية البشر.. هل سيعودون أم سيصبحون خبرا في أشرطة الاخبار العاجلة، يذكرون لمدة عشر الثانية ثم يتلاشون؟ أجهزة الإعلام العربية مكتظة وأجهزة الإعلام الغربية تتفرج عن مبعدة. ضحايا تفجير/ قصف آخر؟ قنبلة، انتحاري، سيارة مفخخة، لغم، برميل متفجر، أو لعلها مادة متفجرة غير معلومة، كما قيل لنا أخيرا؟

إذ يواصل أهل ضحايا الكرادة بحثهم عن أجساد أحبائهم المتفحمة، ورائحة الموت يستنشقها الأحياء فلا يعرفون إذا كانوا، هم أنفسهم، لايزالون على قيد الحياة.

والنائحات المفترشات أرض الجحيم ينثرن الرماد على رؤوسهن، ويخرج المعزون بحزن جماعي وتضامن يليق بأهل العراق، مطالبين بالتحقيق في الجريمة، يعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي، بعد أن رشقه أهل الضحايا بالحجارة والقناني والنعال، عن ثلاثة أيام حداد، وتمديد عطلة العيد، وتأجيل فتح التحقيق إلى ما بعد عطلة العيد!

على من تقع المسؤولية؟ وما ملامح «العراق الجديد» في ظل مناخ دموي؟ وكيف ولماذا يتم تأجيل التحقيق في جريمة، مهما كانت بسيطة، إلى ما بعد العطلة؟ فكيف بجريمة حصدت ارواح المئات من الشباب؟ وتقول الكاتبة في المقال المنشور اليوم بصحيفة القدس العربي، إلى أن  فعل التأجيل والاستهانة بحياة الناس، يؤشر بوضوح  لإرهاب الحكومة أو فسادها وتسهيلها جرائم الإرهابيين؟
هل سمع أحدنا  عن نتيجة أي تحقيق مستقل أجرته الحكومة منذ عام 2004 حتى اليوم؟ ماذا عن تقرير لجنة التحقيق الحكومية في اقتياد قوات الحشد الشعبي 643 شخصا من ناحية الصقلاوية، قرب الفلوجة، بعد فصلهم عن النساء، ولايزالون مفقودين؟ ماذا عن ارتكاب قوات الحشد والجيش إعدامات دون محاكمة وضرب للمحتجزين واختفاء قسري، وتشويه القوات الحكومية للجثث؟ وكلها جرائم حرب، كما جاء، بتفاصيل موثقة مع شهود عيان ومسؤولين محليين وعمال إغاثة.

 وتشير هيفاء زنكة إلى تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، بأن العراق تكتُّم على سير التحقيقات في انتهاكات الفلوجة: انتهاكات جديدة توصف  بأنها «فظائع معزولة».. ويكشف التقرير سيرورة تشكيل لجان التحقيق واعلان نتائجها الملفقة مما يؤكد سبب عدم ثقة المواطن العراقي بكل التحقيقات الحكومية الرامية، واقعا، إلى التستر على الجرائم، وحماية المسؤولين الحقيقيين، غالبا، عن طريق اتهام وادانة الابرياء. ففي 4 يوليو/ تموز، فتح رئيس الوزراء حيدر العبادي تحقيقا عن الانتهاكات تجاه أهل الفلوجة، بعد ان تعالت استنكارات المنظمات الحقوقية الدولية، ليعلن بعد ثلاثة أيام عن اعتقالات غير محددة.

وكانت المنظمة قد وجهت اسئلة مهمة إلى الحكومة حول لجنة التحقيق، لم يُجب عنها. هذه الاسئلة هي: من يُجري التحقيقات ومن عيّن المحقّقين؟ هل تشمل ولاية التحقيق مسؤولية القيادة عن الانتهاكات؟ هل يتبع التحقيق لمجلس القضاء الأعلى أم أنه هيئة خارج نطاق القضاء؟ هل يرتكز التحقيق على القانون الجنائي العسكري أو المدني العراقي، وهل يشمل انتهاكات قوانين الحرب والجرائم ضد الإنسانية؟ كم تحقيقا فُتح حتى الآن وما النتائج؟ هل كانت هناك اعتقالات؟ إن وُجدت، فما رُتب ووحدات المتهمين، وما التهم؟ هل ستُعلَن النتائج والتوصيات النهائية؟
ويبقى تساؤل  النائحات المفترشات أرض الجحيم قائما: وماذا بعد الكرادة؟ كيف نضع حدا للمجازر المقبلة، خاصة بعد أن بشرنا المسؤولون الأمنيون أن «تحرير المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي لا يعني انتهاءه»؟ كم مرة تم الإعلان عن نهاية الإرهابيين الذين جلبهم الاحتلال، من القاعدة والزرقاوي والقاعدة الثانية او الدولة الإسلامية في العراق سابقا، وفي كل مرة تتعاظم التفجيرات ليقولوا انها نتيجة ضعف الإرهاب وتراجعه؟ أليس هذا أسلوب غسل اليدين من المسؤولية؟ مسؤولية نظام فاسد، حفر خندق الطائفية المقيتة، ولا يجد حرجا في حرق المواطنين كلهم، بلا تمييز، حماية لمصالحه.

Facebook
Twitter