المواقف الخسيسة في فجر الاوديسة

كاظم فنجان الحمامي

 

 في مثل هذا الأيام المشؤومات من عام 2003 كانت الغربان العربية تحلق خلسة فوق سماء البصرة والقادسية والمثنى وبابل, وتنطلق من جحورها وأوكارها الخبيثة, تلوذ بأسراب خفافيش التحالف, لتشن غاراتها الحاقدة في غفلة من الزمن المتردي, الذي تطاولت فيه الغربان على صقور وادي الحضارات, فاشتركت مع خفافيش البنتاغون ودبابيرها وزنابيرها, وتمادت في خستها ونذالتها لتدنس ارض الأنبياء والأوصياء, وتعتدي على أروع البلدان قبلة وأجملها تفصيلا وجملة, فراحت ترمي حممها بدم بارد على ملاجئ الأطفال, ودور العبادة, وتواصل قصفها العشوائي المروع على الأسواق والمدارس,  وتنقض في ساعات النهار على الجسور والمعابر والقناطر, حتى تقطعت بنا الأوصال, وامتلأت المستشفيات بالشهداء والجرحى, وتبعثرت جثث الضحايا في الحقول والبساتين والساحات العامة  .

 

 

 

كانت الليالي حالكة الظلام شديدة الرعب, لا نسمع فيها صوتا سوى أزيز الطائرات المحلقة في الليل الضرير, كنا ننتهز سويعات الهدوء المميت بين الغارة والغارة, فنتابع ما تنقله عدسات قناة الجزيرة القطرية, التي تسللت سرا إلى ضواحي المدن العراقية المنيعة, ورافقت همرات الجحيم, لتضيف الرياح القوية للمهزلة, وتزف البشرى لأمراء الدويلات الطفيلية المتواطئة مع العدو, وتسرد لهم تفاصيل الانهيار الكبير, فيضحكون ويتقافزون ويتراقصون من الفرح, كنا نشاهد ونسمع ما تنقله الفضائيات الخبيثة, فنزداد رعبا ورهبة وألما وحزنا, ونشعر بشماتة ذوي القربى, الذين كانت طائراتهم تواصل طلعاتها الليلية والنهارية في سماء العراق, وكانت مواقفهم الخسيسة تعبر عن أحقادهم القديمة المشحونة بالبغض والكراهية, وتعبر عن استعدادهم الدائم لتلميع وتقبيل أحذية جنود الاحتلال  .

 

 

 

وتكررت المواقف الخسيسة في هذه الأيام الحبلى بالمفاجآت والتقلبات والانهيارات المتعاقبة, وعادت غربان الشر إلى عاداتها القديمة, وراحت تتحين الفرص للاشتراك في عمليات (فجر الأوديسة) لتحيي ذكرى عدوانها السابق على ارض الحضارات, وتوحي لأبناء الأمة بقدراتها الخارقة بشن العدوان المسلح على الأقطار العربية, التي لا تدين بالولاء والطاعة لقيادة (البنتاغون) أو لقيادة (الناتو), فاختارت شن غاراتها العدوانية على ليبيا في التوقيت نفسه, وفي اليوم نفسه, وفي الأسلوب نفسه, وراحت قناة الجزيرة وأختها العبرية تعيد الكرّة, وتزف البشرى لأمراء الأقطار الخليجية في قطر والإمارات والسعودية, وكانت وكالات الأنباء تنقل لنا مشاهد المجازر التي خلفتها الغارات الخسيسة في فجر الأوديسة  .

 

 

 

يبقى سؤال في غاية الأهمية, لماذا سميت هذه الحملة (فجر الأوديسة) أو (فجر الأوديسا) ؟؟, نحن نعلم أن (الأوديسا) كلمة يونانية الجذر, تعني الرجل الغاضب, وهي أيضا مدينة أوكرانية, مازالت تتباهى بانتصارات اليهود المحدودة على كتائب الإمبراطورية العثمانية في معركة (القرم), وتعد مدينة (أوديسا) من المعاقل الرئيسة ليهود الاشكناز, ورب قائل يقول أنها إشارة إلى الملحمة اليونانية, التي انشدها (هوميروس) في القرن الثامن قبل الميلاد, وتحكي في احد أجزائها عن غضب إله كاذب في البحر الأبيض المتوسط, اسمه (بوصيدون  ).

 

نحن إذن أمام تسمية مريبة, لا تخلو من الإشارات العقائدية, والرموز الوثنية, فهل اشتركت قاصفات السعودية والإمارات وقطر, وطائراتهم المقاتلة لاسترداد المجد الروماني المفقود على ضفاف السواحل الليبية ؟؟, أم أنها اشتركت لتستعيد ذكريات الاشتباكات, التي اشترك فيها يهود (أوديسا) في معاركهم ضد المسلمين ؟؟, أم أنهم حلقوا فوق سماء ليبيا لإحياء ذكرى الإله (بوصيدون) ؟؟  ,

 

وما سر هذا التوقيت المتوافق مع الغارات الهمجية, التي تعرضت لها بغداد المجد والإباء ؟؟, وما سر سكوت رجال الدين الأفاضل على هذه الفضائح الاستباحية الصارخة ؟؟. وما سر النشاطات الحربية المفرطة, التي انخرطت فيها طلائع جيوش درع الجزيرة في جبهتين متباعدتين متناقضتين, ضد دولتين عربيتين في آن واحد, إحداهما في قارة آسيا, والأخرى في قارة أفريقيا, وبدعم ومؤازرة قنوات التحريض والفتنة, ومباركة وعاظ السلاطين, الذين هللوا وطبلوا لبزوغ فجر الفتوحات المغولية الخليجية  . . .

 

 

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter