المعادلة الديمقراطية وحق المواطنة

لاديمقراطية دون ان يملك الشعب السلطة والثروة والسلاح
الانتخابات البرلمانية آفة لتكريس المنافع الحزبية على حساب جميع الشعب


أ.د. ابو العلاء عبدالمنعم الزويد
إن الأفكار الإنسانية الجريئة النابعة من أطروحات النظرية الجماهيرية ، ومن تجارب الشعوب ومطالبها ونضالاتها التاريخية .. هي تلك الأفكار الفذة الرائدة التي تحمل مسؤولية بناء الحضارة الإنسانية وإسعاد البشرية ، من خلال توفير القاعدة الفكرية الضرورية التي تبنى عليها كل المتطلبات الداعمة للحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية الركيزة الأساسية لبناء عصر الجماهير الشعبية الذي تكون فيه لجماهير الشعب المقدرة على تحقيق مطالبها على مختلف الصعد السياسية و الاقتصادية والاجتماعية ، وفقاً لشروط النظرية الجماهيرية القائمة على روح العدالة الاجتماعية والقيم والمبادىء الإنسانية التي تحترم حقوق الإنسان وآدميته ، وتتيح له كل الظروف الطبيعية الملائمة حتى يبدع في مسيرة الحياة ورسم آفاق مستقبله ، هذه المعادلة الجماهيرية ، التي تتوهج فيها شعلة الحرية وإبداع العقل الإنساني لايمكن أن تتحقق إلا من خلال الخروج من دائرة الفلسفات والنظريات السياسية التقليدية المتضادة في طبيعتها ووظيفتها مع ثنائية الحياة ذاتها التي تكون جوهر الإنسان (العقل والروح)

حيث نجد أن ظاهرة الفساد السياسي وافرازاته المختلفة ، مرتبطة بصورة مباشرة بطبيعة البناء السياسي والفكري للأنظمة التقليدية ، وهذا الفساد ينتشر جغرافياً في الوقت الراهن في معظم أنحاء العالم وبدرجات متفاوتة ، وهو يتسبب في تعطيل برامج وخطط ، التنمية والاصلاح ، وخاصة في دول العالم الثالث على الرغم من المحاولات الجادة والإجراءات والجهود التي بذلت من قبل الدول الاصلاحية التقليدية ذات الأنماط والقوالب الفكرية ، السياسية ، الاقتصادية والاجتماعية الجامدة للوقاية وعلاج هذه الظاهرة ، إلا أن الفساد ظل معششا ومستعصياً على كل القوانين والتشريعات التي وضعت بهدف القضاء عليه ، حيث ظل الفساد يدمر اركان الحياة للمجتمعات وأوقفها عاجزة عن فتح آفاق جديدة للعمل الإصلاحي التنموي لدرجة أن الإنسان المعاصر وجد نفسها محاطاً بدائرة كبيرة من البؤس والشقاء يخبو فيها ضوء (العقل والحكمة ) دائرة تتصارع فيها كل مكونات الشر والجريمة وهكذا يجد الإنسان المعاصر نفسه تتقاذفها معادلات غير موضوعية وغير أخلاقية تبدو فيها سمة الفساد ، هي السمة الغالبة والمسيطرة لدرجة أن منظمة الأمم المتحدة لتنظيم التعاون الدولي في مكافحة هذه الآفة الخطيرة أصدرت تحت إشرافها عديد الاتفاقيات الدولية بهدف القضاء على هذه الظاهرة ، التي باتت تهدد المجتمعات البشرية ، ولكن هذه المنظمة الأممية فشلت لسبب بسيط  هو كونها هي مصدر الفساد السياسي والاقتصادي الدوليين “ففاقد الشيء لايعطيه ” ، فما زال العالم يومياً يستيقظ على أنباء وقضايا الفساد السياسي والاقتصادي والإداري ولعل من أبرزها شيوعا وتاثيرها مدمراً لحياة الشعوب ما يتعلق بأعمال تزوير ” الانتخابات ” وطبيعة الصراع الدامي اللأ اخلاقي على امتلاك السلطة ، وما يرافق هذه الجرائم السياسية من أعمال الاختلاسات والاغتيالات وتبديد المال العام والالتفاف وسرقة الميزانيات وإبرام الصفقات المشبوهة وممارسة الاكاذيب على الجماهير الشعبية وإلى غير ذلك من جرائم اقتصادية مرتبطة بصورة مباشرة بظاهرة الفساد السياسي العام ، وهذه الظاهرة بكل مكوناتها السياسية ، الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ، تعود في المقام الأول إلى طبيعة الأنظمة السياسية التقليدية ، التي تمارس سياسات وسلوكيات تتمحور حول أبعاد الجماهير الشعبية وبكل الطرق والوسائل عن ممارسة دورها الطبيعي في المواطنة الحقيقية القائمة على مبدأ المشاركة الفاعلة في صنع القرار السيادي والتمتع بالحقوق والحريات العامة وامتلاك السلطة والسلاح والثروة .
إن المواطنة في المجتمعات السياسية التقليدية على اختلاف مشاربها الفكرية ، هي وليدة النظريات والفلسفات السياسية الرأسمالية أو الماركسية ، وهي أفرزت مناهج لاتقوم على أسس عادلة على الإطلاق بل إنها تحصر دور المواطن في إطار ديمقراطي زائف ومضلل ، يرتكز على ظاهرة التعددية الحزبية والانتخابات ، وما يجسده ذلك من مظهرية كاذبة للممارسة الديمقراطية. ان مبدأ المواطنة في الأساس مرتبط بسعى الإنسان من أجل نيل مطالبه التاريخية ، والتي قدم في سبيلها تضحيات عظيمة ، وهي تتجسد في المشاركة الفاعلة في إدارة شؤون البلاد وتحقيق العدالة الاجتماعية والأنصاف والمساواة أمام القانون .
إن مفهوم المواطنة بدلالته الحديثة يرتبط بمفهوم الأنظمة السياسية التقليدية ، نتاج الفكر والفلسفات التقليدية
” الرأسمالية – الماركسية ” وكلتاهما قد فشلتا في إحداث أية متغيرات ديمقراطية حقيقة لصالح الإنسان المعاصر الذي يعاني من مشاكل أوجدها الفكر السياسي القديم أساسا ، حيث يمكن للباحث أن يكتشف أن هذه المفاهيم المرتبطة بالمواطنة قد ظهرت في المجتمعات القديمة حيث استعمله كل من أرسطو وشيشرون ، كما استعلمه “ماريسلوس ” في عصر النهضة الأوروبية ، ومفهوم المواطنة في الفكر السياسي عند هؤلاء الفلاسفة وغيرهم من منظري الفكر السياسي يتبلور حول منطلقات تمنح في جوهرها العام امتيازات سياسية لشريحة اجتماعية معينة داخل المجتمع ، وليس بإعتباره حق يتمتع به كل أفراد المجتمع ، حيث نلاحظ أنها ارتكزت على أفكار عنصرية تمييزية واضحة داخل المجتمعات القديمة حيث قسموا المجتمع إلى الأرقاء والعبيد والنساء والأطفال والحرفيين والصناع والأجانب ، فالمواطن في تلك ” النظريات الفلسفية ” هو فقط من له الحق المشاركة في السلطة الاستشارية والسلطة القضائية أما جان جاك روسو ، فإنه يرى أن المواطنة تطلق فقط على المساهمين في السلطة السيادية ويطلق عليهم بالمواطنين أو بصورة جماعية الجماهير أو الشعب تلك الصورة المتخلفة من المفاهيم لاتختلف كثيراً عنها في المجتمعات التقليدية المعاصرة ، وأن كانت القوى السياسية المعاصرة قد جعلت من الصراع الحزبي ” فيما بينها من المواطن كبش فداء في معركة ليس له فيها ناقة ولا جمل ، ومانراه في ظل تلك الأنظمة التقليدية أن نضالات الإنسان من أجل تحقيق مطالبه وحقوقه وحرياته عبر مسيرته الطويلة التي بدأت منذ قيام الحكومات الزراعية البدائية في وادي الرافدين مروراً بحضارة سومر وآشور وبابل وحضارات الصين والهند وفارس وحضارات الفنيقيين والكنعانيين والاغريق والرومان ، قد ضاعت وحتى مفهوم المواطنة في أول ” مجتمع ديمقراطي مباشر” في المجتمع اليوناني – كانت محصورة على ابناء “أثينا” دون المقيمين واستثي من أهل أثينا – الأطفال والنساء والعبيد المحررين وغير المحررين ، وهذا يؤكد على أن طبيعة الديمقراطية اليونانية المباشرة لاتقوم على مبدأ المساواة حيث لم يتمتع المواطنون بحقوق متساوية حتى “السلطة العليا” التي تجسد إرادة الشعب ، كانت في ايدي مجلس يتألف من خمسة عشر عضواً يختارهم المواطنون سنوياً بالقرعة من أقسام اثينا المختلفة بحسب حجمها على أن يكون العضو (أثينياً) تعدى سن الثلاثين من عمره هذا ويتولى المجلس الإشراف على العمل الإداري داخل المدينة ، بينما يظل عموم الشعب في دور المتفرج هكذا ولدت الديمقراطية الأولى عرجاء وذات طبيعة عنصرية تمييزية تحمل في اعماقها بذور الفساد ، حيث نجد أن هذه المفاهيم البدائية الظالمة هي التي قامت على أركانها الفكرية والفلسفية والسياسية الديمقراطية ” الليبرالية” أي أن الشعب محكوم من قبل “نخبة” ، وهذه النخبة تتصارع فيما بينها للحصول على أصوات الناخبين أي الشعب المغيب الذي يتم تمزيقه بصورة بشعة بين تيارات واتجاهات سياسية حزبية متضاربة الهدف منها إضعاف إرادة الشعب وقهره حتى يمكن التحكم فيه وحكمه حكماً ديكتاتورياً .
إن النظريات التقليدية السياسية السائدة في العالم اليوم تقوم على وظيفة أنانية تحقق مصالح النخب الحاكمة .
إن الأنظمة السياسية التقليدية المؤثرة على مسيرة الظاهرة الحزبية ، وما نتج عنها من افرازات ضارة داخل المجتمعات التقليدية تتمحور أساساً حول آفة ” الانتخابات ” والقضايا المطروحة على الساحة السياسية ، وترتيب المجتمع السياسي ، والتي تبدو في كل مظاهرها غامضة الغموض كله ، وان كانت تبدو للسذج أنها مظاهر وممارسات ديمقراطية إلا أنها بالتأكيد غير ذلك على الاطلاق حيث أن عصب هذه اللعبة السياسية القذرة ، يتكون من ثلاثة عناصر رئيسة ، وهي تختلف في قوة التأثيز ومداه على تكوين الشكل النهائى لسياسات الأنظمة التقليدية داخلياً وخارجيا وأول هذه العناصر طبيعة الأنظمة التقليدية القائمة على أفكار وفلسفات بالية ولم تعد صالحة لمعالجة قضايا بالإنسان المعاصر وثاني هذه العناصر المؤسسات الديمقراطية الزائفة المتمثلة في تلك المؤسسات والتي يشار إليها في بعض الأوقات بشكل مثالي (بالحرية ، العدالة ، الاجتماعية.)..
وثالث هذه العناصر هي المصالح الاقتصادية للنخب الحاكمة حيث تشكل هذه العناصر أحد المدخلات السياسية التقليدية للأنظمة الحزبية (التعددية) ، والتي تعجز دائماً في إيجاد صيغة سياسية تمكن المجتمع من التوحد حول هدف إستراتيجي قومي واحد ، وبالتالي يصبح المواطنون ضحايا الصراع الحزبي وغير متساوين في الحقوق والواجبات ، وهذه الصورة توجد في كل المجتمعات التي تدعي أنها ديمقراطية حتى أنه في أكبر (مجتمع تعددي ) ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية زعيمةالمجتمعات الغربية الرأسمالية يقال إن “توماس جيفرسون” عندما كان يقرأ اعلان الاستقلال الذي ينص ضمن ماينص عليه أن المواطنين سواسيه وأحرار – كان يقف خلفه اثنان من العبيد .
إن أحلام وآماني الجماهير الشعبية التي سرقت منها إرادتها ومطالبها وزيفت حتى أحلامها في امتلاك مقادير شؤونها السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية ، ان هذه الاشكالية التاريخية المعقدة أورثت الأمم عديد المشاكل المتفاقمة ، وفي كافة المجالات ، حيث فشلت كل النظريات السياسية التقليدية في تسويق نظريات مظاهر الأشكال المختلفة للحكم من الحكم الملكي الاستبدادي ، الحكم الآلهي المقدس ، حكم الملوك كظل الله على الأرض الملوك المعصومين من الخطأ والذل ، وكل أنواع الجمهوريات القائمة على حكم النخب وتغيب إرادة الشعوب – الأمر الذي جعل الشعوب وعبر مراحل التاريخ المختلفة تعبر دائماً عن غضبها من خلال الثورات والانتفاضات الجماهيرية والتمرد على مختلف أنواع الحكم ، واستطاعت في مراحل تاريخية من الانتصار على جلاديها إلا أنها كانت تسقط مرة أخرى في اوتن النظريات الفاشية والاستبدادية لأنها لم تكن تمتلك (الدليل الفكري) الذي ينتشلها من براثن الاستبداد والظلم لذلك فان قيام سلطة الشعب وحدها إيذان بميلاد حضارة إنسانية جديدة قوامها سلطة الجموع سلطة الشعب السيد الذي يمتلك السلطة والثروة والسلاح.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter