المالكي يطيح بالمالكي – القسم الاولعبد الرضا الحميد

في احدى العواصم العربية واثناء حضوري فعالية فكرية سياسية قبل عامين وفيما كان اللغط يشتد في العراق عن ما يسمى بالولاية الثالثة للمالكي سألني مفكر سياسي عربي من مصر  عن امكانية بلوغ المالكي تلك الولاية فأجبته بمحال تحقق ذلك من غير اعجاز سماوي، واسهبت في الدفاع عن وجهة نظري هذه بينما كان محدثي ميالا الى المتداول الاعلامي العراقي ويرى جنوحي عائدا الى موقفي المعروف في مقاومة الاحتلال وجميع آثاره ومنها العملية السياسية التي دشنها الارهابي بول بريمر.

والان، وبعد وقوع ما توقعته، اقول ان ستة عناصر اساسية اسهمت ، بشكل منفرد من جهة، وبتآزرها مع بعضها من جهة اخرى على الاطاحة بنوري المالكي في لحظة مفصلية شديدة الدقة والتعقيد في تاريخ العراق، وهذه العناصر هي:

اولا: توقيعه ما يسمى بالمعاهدة الامنية مع الولايات المتحدة الاميركية واتفاقية ما يسمى بالاطار الستراتيجي.

في ولايته الاولى التي وهبها له الاميركان بعد اقصائهم لابراهيم الجعفري عنها بتحريض من طالباني وبارازاني، سعى المالكي لان يكون بيدقا مطيعا على رقعة الشطرنج الاميركية فوجه بعض القوات العراقية التي اسسها ودربها المحتلون الاميركان ويطلق عليها العراقيون تسمية (القوات القذرة) لسحق الفصائل المقاومة للاحتلال الاميركي في مدن البصرة والفلوجة وديالى ومدينة الصدر والشعلة والموصل، وكان شعاره الاعلامي حصر السلاح بيد الدولة، وحصدت تلك العمليات موقفين: موقف رفض مثله العراقيون المقاومون للاحتلال اذ عدوه سحقا للمقاومة نيابة عن المحتل، وموقف قبول مثله العراقيون الميالون الى الدعة من اتباع مقولة (زوج امي عمي).

تلك العمليات التي كاد يفقد فيها المالكي حياته في البصرة لولا تدخل الطيران الاميركي رجحت كفة المالكي عند الاميركان وطالبوه، كشرط لرحيلهم من العراق، بتوقيع اتفاقية امنية تسمح للولايات المتحدة الاميركية التدخل في الشأن العراقي وتمنع اية اتفاقية امنية مع اية دولة اخرى من دون موافقتها، فوجد نفسه بين القبول بصك انتداب يضمن له الحفاظ على سلطته وديمومة تحكم حزبه ( حزب الدعوة الاسلامية) في القرار العراقي ووضع رقبته تحت المقصلة الاميركية، وبين رفضه الذي سيوفر لمن سحقهم في عملياته العسكرية فرصة الوثوب عليه، وربما وجد نفسه في الخيار الثاني لاول وهلة، فحرك ماكنة اعلامية جماهيرية سرية تدعو الحركات المقاومة للاحتلال الى اسناده في معركة رفض الشرط الاميركي، وتعبيرا عن رفضها ابدت تلك الحركات استعدادها لخوض المعركة خاصة بعد ان سمع ممثلوها المالكي يتعهد لهم في اجتماع بقطع اليد التي توقع تلك الاتفاقية وعدم دفن موقعها في مقابر المسلمين.

وبينما كانت تلك الحركات تنشط في فعالياتها تلقى بعض ممثليها ذات ظهيرة اتصالا من احد المقربين من المالكي وهو احد تلامذة مؤسس حزب الدعوة السيد محمد باقر الصدر يدعوهم الى بيته، وحالما وصلوا كانت المفاجأة المهولة امامهم: ان المالكي سيوقع الاتفاقية اليوم وانا في حل منه من هذه الساعة.

الارتماءة تلك غير المحسوبة بدقة من قبل المالكي اسقطته شخصيا وحزبه والقرار العراقي في الحضن الاميركي فصار المستشارون الاميركان يتحكمون من خلف ستار بعد ان كانوا بلا ستار في مفصليات الدولة العراقية المدنية والعسكرية من جهة ومنحته فرصة لما توهمه ببناء ما يسمى بدولة حزب الدعوة الاسلامية وليس دولة العراق ثم عمد الى نهج اقصائي ماثل ما كان يمارسه النظام السابق في آلياته وتفاصيله، فاحاط نفسه بمجموعة مستشارين من المقربين له شخصيا ولحزبه الذين اجتهدت سلطات الاحتلال في صناعتهم بكيفية تنسجم مع مخططها المرئي والبعيد.

توقيع الاتفاقية منح الامريكان فرصة العبث الدامي في العراق، ولي عنق ما يسمى بالسيادة الوطنية، فبعد ان حاولوا اثارة حرب اهلية بين العراقيين تفضي الى تقسيم العراق وفقا لمخطط جو بايدن من خلال شركات امنية خاصة استجلبها نيغرو بونتي صاحب ما يسمى بخيار السلفادور وارتكبت جرائم تفخيخ وتفجير ونسبتها الى جماعات مسلحة طائفية متضادة واخفقوا، عمدوا الى الوقيعة بين السياسيين العراقيين من خلال تأليب بعضهم ضد بعض وتحريض محميات الخليج على لعب دور الممول لهذا التأليب طوال اكثر من سنتين الامر الذي دفع الى اتساع الهوة بين اسامة النجيفي رئيس البرلمان ونوري المالكي رئيس الحكومة، وبين الاخير وحلفائه الصدر والحكيم والجعفري، وبينه وبين مسعود بارازاني، وتصاعد التهاتر بين الجميع الى حد غير مسبوق، فحثت محميات الخليج حاميتها اميركا على ازاحة المالكي تحت مزاعم (الولاء لايران والوقوف ضد حل الازمة السورية عبر التدخل الاجنبي ومناصبة اهل السنة في العراق العداء) لكن اميركا ردت كما جاء على لسان جو بايدن لاحد الزعماء السياسيين العراقين بان (المالكي مازال يلعب في الدائرة المسموح له باللعب فيها) بيد ان هذا الرد محق تماما مع اقتناص واشنطن لخبر صفقة الاسلحة الروسية لبغداد التي تم التوقيع عليها في زيارة المالكي لموسكو في ( حزيران عام 2013) فابتدأ المشغل الاميركي يعمل باتجاه ازاحة المالكي، وبعثت ادارة البيت الابيض توني بلنكن مستشار الامن القومي لنائب الرئيس الامريكي جو بايدن(تموز 2013) الى بغداد بمهمتين: الاولى محاولة عقد لقاء بين المالكي والنجيفي بعد عدم توصل ازمة سحب الثقة من المالكي التي تصدى لها التيار الصدري والمجلس الاعلى الاسلامي والكتلة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني الى نتيجة نتيجة افشالها من قبل جلال طالباني قبل غيبته الصغرى التي امتدت عاما ونصف العالم في المانيا في ظل اجواء ملتبسة حول حقيقة وضعه الصحي او غيره، وانتهت هذه المهمة بالفشل لرفض الطرفين، والثانية لاعداد العدة المبكرة لايجاد بديل للمالكي، وطرح بلنكن على النجيفي وبعض رؤساء الكتل السياسية المختلفة مع المالكي قائمة اسماء لاختيار البديل من بينها، وضمت القائمة حسب تسلسل عرضها من قبل بلنكن: احمد الجلبي وعادل عبدالمهدي وطارق نجم وفالح الفياض وباقر جبر الزبيدي، وتلت هذا العرض حماسة غير مسبوقة من قبل بايدن للاطاحة بالمالكي بالشكل الذي حاول الاخير تداركه بزيارته الاخيرة لواشنطن (ايلول 2013) التي جوبه فيها من قبل الكونغرس الاميركي بجفاء حاد وانتقادات لاذعة شديدة لما وصفوه بـ (أسلوب المالكي في إدارة العراق وتنفيذه لأجندة طائفية واستبدادية أدت إلى تزايد وتيرة العنف مع تهميش السنة والأكراد)، بل بلغ الامر حد ان كتبت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ تضم جون ماكين وكارل ليفين وربوبرت منديز وليندسي غراهام رسالة إلى أوباما حذروه فيها من أن (المالكي يدفع العراق نحو الحرب الأهلية) وطالبوا بـ (الضغط عليه للتوصل إلى استراتيجية سياسية وأمنية لتحقيق الاستقرار في العراق وان يتم رفض طلب المالكي بتجهيز حكومته بطائرات اباتشي ومسيرة ومقاتلة وبعض انواع الاسلحة المهمة لمكافحة الارهابيين المتدفقين من سورية والاردن وتركيا ان لم يكن مشترطا بمنع استخدام المجال الجوي العراقي لمرور اسلحة ايرانية الى سورية).

ولم يصغ الكونغرس الاميركي ولا ادارة البيت الابيض لما ساقه المالكي من شرح لمخاطر العصابات الارهابية في سورية على الامن العراقي والامن الاقليمي والعالمي، وفهم المالكي رسالة واشنطن في رفضها تقديم الاسلحة المطلوبة التي بلغت قيمتها 2.6 مليار دولار، واضطر لقطع الزيارة والعودة الى بغداد بقناعة راسخة ان واشنطن قلبت له ظهر المجن.

وبعد هذه الزيارة لجأ المالكي الى خيارات اخرى في معالجة الازمات الامنية والشعبية وحاول استمالة العشائر ولعب على وتر تفتيت الكيانات والكتل المنافسة له، وحاول استدراج عامة الناس من خلال تشريع قوانين خاصة بالمتقاعدين وتعديل الرواتب وتوزيع اراض للفقراء وسعى الى تحقيق انتصار سريع على الارهاب الوافد لكن هشاشة جاهزية القوات المسلحة وتسليحها وتدريبها ووصولها الى مرحلة نفاد الذخيرة التام في بعض مراحل المواجهة في الفلوجة ، وقصر الزمن بين زيارته الى واشنطن والاطاحة به (اقل السنة) لم تمنحه  فرصة لاعادة ترتيب اوراق تحالفاته السياسية والبرلمانية على نحو ينزع بثور الضغينة والتضاد من حلفائه الذين اوصلته اصواتهم الى منصبه، اذ صار الضرب الاميركي  الخفي له تحت الحزام، وصار حلفاؤه يواظبون على تمتين علاقاتهم مع الدول الاقليمية المضادة لنهج المالكي مثل قطر والبحرين والامارات ، اضافة الى عدم استعداده النفسي ـ كما بدا عليه ـ لاعادة ترتيب تلك الاوراق ومنها تحالفاته، فركب رأسه ولم يصغ حتى الى انتقادات قيادات حزبه، واحاط نفسه بمجموعة عائلية دفعها في الانتخابات الاخيرة الى مزاحمة ما يسمى بالقيادات التاريخية لحزب الدعوة. وهكذا وجد المالكي نفسه عاريا من المظلتين الداخلية العراقية والخارجية الاميركية التي تمسك بالكثير من اوراق اللعب داخل العراق ومنها ورقة العصابات الارهابية المسماة بداعش.

ثانيا: لعب المالكي في المنطقة الرخوة بين اميركا وحلفائها من جهة واطار مقاومة امركة العالم.

لم يكن صعبا على اي سياسي حصيف ادراك ان الازمة السورية كانت مؤامرة كونية لاسقاط قلعة العروبة وحاملة لواء المقاومة العروبية سورية، وهي صفحة من عدة صفحات تبغي تمهيد الارض لما يسمى بمشروع الشرق الاوسط الجديد الذي يفتت الوطن العربي الى دويلات طوائف تتقاتل في ما بينها نيابة عن الاخر العدو، وتمكين الكيان الصهيوني من ان يكون زر التحكم بكل المتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

بل لم يكن  صعبا على اي سياسي نابه معرفة ان هذه الازمة هي بنت الغزو الاميركي للعراق الذي لو لم تحطم عرباته المقاومة العراقية لما تأخر عن الدفع بدباباته ومرتزقته نحو دمشق، وهي ايضا مرحلة لن تقف عند اسقاط النظام العراقي الحالي، والاجهاز على المقاومة اللبنانية، والاطاحة بايران بحرب شمولية، بل ستتعدى كل ذلك، الى وضع الدب الروسي والتنين الصيني امام كماشتين قاسيتين شديدتين: عسكرية واقتصادية اطلسية رأسمالية متوحشة.

كما لم يكن صعبا تشخيص ان مخططي الازمة والداعمين لجماعاتها الارهابية ومموليها وموفري مستلزماتها اللوجستية من اعداء سورية هم انفسهم يناصبون العراق العداء سواء كان المالكي رئيسا لحكومته او لم يكن، فهدف هؤلاء على كل مراحل التاريخ اطفاء الشعلة الحضارية والتنويرية والانبعاثية للعراق وسورية.

ومن المؤكد ان المالكي قد ادرك ذلك كله، لكنه لم يجرؤ على مناكفة اميركا والخروج على طاعتها، والحاق العراق على نحو جلي وصريح بموقعه الطبيعي التاريخي في اطار مقاومة امركة العالم الذي ايقظته الازمة السورية من سباته وصار يمتد من الصين الى ايران فسورية ولبنان وحتى دول البريكس.

في السياسة، كما في العسكرتاريا، ان الهجوم افضل وسيلة للدفاع، وكانت امام المالكي فرصة تاريخية لتصحيح مسار انتدابه من قبل الادارة الاميركية لرئاسة الحكومة العراقية بالوقوف مع ارادة شعبه ضد اميركا، وكان بامكانه ان يتحول الى بطل وطني لو عمد الى الغاء الاتفاقية الامنية بسبب دفع اميركا الجماعات الارهابية الى سورية ومنها الى العراق من خلال الدول الحليفة لاميركا مثل الاردن وتركيا والسعودية، واعلان انضمامه الى اطار مقاومة امركة العالم، لكنه لم يفعل، وظل يلعب في المنطقة الرخوة بين اميركا وحلفائها واطار مقاومة امركة العالم، وانعكس هذا الامر سلبا على صورته في المشهد العالمي فبدا شاحبا بلا ملامح، وقد كشفت ردود الفعل الايجابية على اختيار العبادي بديلا عنه من دول ذات توجهات متضادة (اميركا وايران مثلا) ومن كيانات عراقية متضادة ايضا (الكرد وعصائب اهل الحق مثلا) ليس رغبة في وضوح لم يستبن بعد لحيدر العبادي انما عزوف عن شحوب المالكي.

ثالثا: العداء الاقليمي.

بالوقائع التاريخية، ثمة يقين بان بعض دول الطوق العراقي (مشيخات الخليج) تريد العراق دائما كاسحة الغام امامها ضد ايران غير الاميركية، اما ايران الشاهنشاهية الاميركية فكانت صنما تخر امامه الرؤوس والعروش الخليجية، وقد دفعت كما هو معروف هذه الدول صدام حسين الى خوض حرب طاحنة لمدة ثماني سنوات ضد ايران حولت العراق من دولة قاب قوسين او ادنى من مغادرة العالم الثالث الى العالم المتقدم الى حطام دولة.

اجل ان الاطاحة بالمالكي كانت هوسا خليجيا صرفت من اجله اموال هائلة سواء على صعيد تمويل الجماعات الارهابية او تمويل مناهضيه او رشوة صناع القرار الاميركي لكنه لم يقصد الاطاحة بالمالكي نفسه كشخص، بل يقصد رفضا عارما لتحول العراق من كاسحة الغام الى مرشة ماء.

(يتبع)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter