الليل لا يخلو من دفترك قيس مجيد المولى

كان الباص السِّياحي قد أُرهق من المسافة الطويلة، والتي قطع الربعَ منها حين وصلنا لباعة العسل، وجميعنا قد خمَّنَ أن لا بد للباص أن يقف. قال أحد الركاب بلغة أذرية للتي معه، بأنهما لن يروا الإمام الا في العام القادم، واستيقظ آخر تلقائيا حين بدأ الباص بالتداعي للوقوف، في حين لوّحَ الباعة بزجاجات العسل للركاب الذين لازالوا في الباص، لوحوا لهم بطريقة الترحاب وحثهم على الشراء.

الذين غادروا الباص اتجهوا بغالبيتهم صوب المرافق الصحية والبعض المتبقي نحو المصلى الذي شيد بين أشجار التفاح، أسمعني أحد الأشخاص والذي تكلم بلغتي المحلية: إن الحياة هيّ هيَّ أينما تتجه.

وكان يضيف كلما اقترب مني فقراتٍ أخرى لجملته عن الحياة، وأيقنت بأنه يريد مني رأيا أو معرفة سريعة لقضاء ما تبقى من المسافة الطويلة، أدرت ظهريَ وأكتفيت بابتسامة له، وتيقنت بأنه غير مقتنع بابتسامتي ويريدني أن أبادله الحديث. في هذه الأثناء عاد المتبولون الى سرادق باعة العسل، وعادت بي ذاكرتي الى “زرائب النحل” وإيفا سيكوفيج ونهر الدانوب والى “أحزان سوني” ونغمة المطر التي تستقبلك بها عازفة الأورغ في محطة بلغراد.

في تلك اللحظات من الوّقت ذاته، هناك من اقتنى عسلا أفغانيا وراح يعدد لمن حوله منافعه، هناك من اقتنى عسلا روسيا وراح هو الآخر يُعدد منافعه، وآخرون اكتفوا بالمشاهدة والتعليق. تيقنت وأنا أهم بتقدير الوقت الذي يهبط فيه الغيم على الجبل أن ذاكرتي ستلد من مكانٍ أُجبِرتُ على الذهاب اليه، ستلد أمكنة أخرى كنت قد مررت بها، لكن تغيير شكل الحياة قد محا العديد من تلك المشاهد من ذاكرتي ولم تُطل الرسوم بعد بل أطلّت الكلمات:

الليل لا يخلو من دفترك ..

وسنيّكَ لا يمكن وضعها في مفكرة

وطرقك إن لم تشاهد عليها آثار أمطار

لن ترى وجهَك في مرآة

و.. و..

العالم رسوم متحركة

حتى الدمى لا تستهوي اللعب معها.

كانت متعتي أن أجد علاقة ما بين الموجودات التي ذكرتها سواء في المكان الذي أجبرت على وجودي فيه أو الأماكن التي ندمت الذاكرة على تقيأها فأعادتها اليّ بعملية استرجاعٍ محسوبة بتقدير المليمترات على الأرض وبتقدير الفعل المعاكس للمخيلة عبر تغييب مؤقت للوازم الحياة من الماء والهواء والتراب.

لكنه نادى علي مرة أخرى: إن الحياة هيّ، هيّ، أينما تتجه.

هززت له بنصف رأس وأكدت له أن هناك أشياء مريرة ولكن مرارتها لا تقف حائلا أمام قلم وورقة تستطيع بهما أن تعيد الى ممرات حياتك ما حدث في الكرات الزجاجية أو تعيد اليك تفاصيل سن الرشد أو تماس المدن بل وحتى الشيخ والبحر.

تلاقت الغيوم فوق سلسلة زاجروس، وبرقت السماء

حينها أنتجت المخيلة لي:

معطفاَ

ومظلةً

وقفازين،

وعندما إلتّفتُ خلفيَ شاهدت الركاب يلطعون بأصابعهم العسلَ ويهزون بنصف رؤوسهم بعضهم للبعض إلا جليسي الذي كرر للمرة الثالثة: إن الحياة هيّ، هيّ، أينما تتجه، إن أنتجت الذاكرةُ لكَ ماتريد أو ظل من في الباص يلطعون بأصابعهم ما ظل في الزجاجات من عسل، أو رأيت الإمام أو لم ترَ.

لم أعد أفكر بالمسافة المتبقية سواء مع الأمطار في الروايات، أو مع الأفكار التي تتسم بالحقائق، بقيت طوال تلك الرحلة ومن خلال نافذة الباص أراقبُ البرق وأتحادث باطنيا مع من ظل ذراعها وسادة تحت رأسي في محطة باص لم يأت اليها الباصُ منذ سنين

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter