اللعب مع الآخر

جمال حافظ واعي

 

1

 

عليك أن تعرف مع مَنْ تلعب.

فليست مؤهلات اللعبة هي ما يرشحك للفوز، فهذه المؤهلات في أسفل السلم بل غير مطلوبة في زماننا هذا.

اللعبة ” فهلوة ” ومناورة وخداع ودسائس وتحشيد أتباع وأبواق وزفة يحشر فيها كل من لا شأن له بالعريس والعروسة.

انها ليست لعبا في الوقت الضائع حتى وان استطال الوقت، فضياعه ليس مهما مادامت أيامنا لا قيمة لها.

ليس هناك أسهل من تُنتهك قوانين اللعبة فثمة ملفات جاهزة تحت الابط للإطاحة بالخصوم.

نحن اليوم في زمن التلاعب لا زمن اللعبة.

زمن النتائج المعدة سلفا لا زمن التنافس في الجولات.

زمن طرد الفائزين ” بالجلاليق ” إن اقتضى الأمر.

اللاعب الغشيم عليه أن يلعب وحده وليس مع ” لعِّيبة ” متمرسين في الزوايا الخلفية والأماكن المريبة.

فالساحة مصممة لكي يخسر والمضامير الجديدة للبهلوانات الجدد.

يقول منطق اللعبة: عليك أن تضعضع الخصم تدريجيا وتمتص طاقته بإطالة أمد اللعبة وانْ تُباعد بينه وبين جمهوره وتسفّه الحقائق التي يعلنها وكذلك الإمساك بتوقيتات اللعبة والحيلولة دون أن يفرض الخصم توقيته الخاص والسعي إلى تسقيطه ومحاصرته في زاوية ضيقة.

ولا بأس من تعدد المداخل والمخارج والطرق الماكرة.

ومتى ما شعرتَ انه مازال في عنفوانه فعليك أن تؤجل الجولة إلى زمن لاحق فلا داعي لاستعجال النتائج مادام الحكّام من ضمن فريقك !

 

2

 

أتذكر في بعض المعارك التي تحدث في المناطق الشعبية، إذ يقوم بعض ” الحواجيز ” والذين هم من أصدقاء أحد المتخاصمين بمسك الخصم الآخر خصوصا إذا كان أقوى من صديقهم، بحجة انهم حواجيز ونواياهم سليمة، ثم يتركون صاحبهم طليقا حيث يقوم بضرب خصمه إلى أن يسقطه أرضا!

وبذلك تنتهي اللعبة بفوز صديقهم، ولابد من مكافأة الحواجيز فيما بعد، الذين كان لهم دورا مهما في حسم النتائج.

اللعب هنا ليس على المكشوف، كما يحاولون إقناعنا، فالمكشوف جزء بسيط من متطلبات اللعبة من أجل ذر الرماد في العيون، اللعب يجري هناك في الأقبية والممرات وفي الوثائق والسجلات وحتى في أصوات المشجعين.

اللاعب الغشيم هو الذي يظل يدور في الحلبة بعد هزيمته، مثل الذبيحة التي اقتيدت خلسة في الظلام، من اجل أن يقول للجمهور أنه الأقوى ولكنه لا يعلم ان المتفرجين أطراف خفية في النزاع وهم جزء من المؤامرة.

أما اللاعب الفائز فانه ينسل بعيدا وهو يزهو مثل الطاووس، وكأنه أراد أن يوحي للآخرين انه فاز لأنه يحترم قوانين اللعبة وأخلاقياتها وكان فوزه عن استحقاق وجدارة.

في عرف الفائز ان اللعبة انتهت وفي عرف الخاسر لم تنتهِ بعد، لكن النتائج المسجلة على الشاشات هي التي تحسم الأمر.

لكننا نعلم ان مثل هذه الألعاب القذرة لن تنتهي أبدا ويدفع ثمنها الأبرياء دائما.

بعد استتاب النتائج تحل القطيعة النهائية بين المتخاصمين وتُلقى الأقنعة جانبا لتبتدئ لعبة أخرى من طراز مختلف!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter