اللاجئون العراقيون العائدون يتهمون الحكومة بالكذب عليهم والتنصل من وعودها بدعمهم

 

على الرغم من كل الألم الذي عاناه كثير من العراقيين وكان سببا في رحيلهم عن بلادهم، فإن غالبيتهم تحلم بالعودة، ومنهم من عاد فعلا لكنه عاد ليجد أن العراق ما زال يحتاج إلى كثير من الوقت ليعود آمنا معافى من جراحه ويستطيع أن يضم جميع أبنائه من دون أن يوجه لهم أحد سلاحه في غفلة من الزمن ويرديه هو أو أحد أفراد عائلته قتيلا بسلاح مجهولة هوية صاحبه.

وقدمت الحكومة العراقية الإغراءات والوعود والضمانات لإقناع اللاجئين بالعودة، بل منحت البعض منهم تسهيلات للعودة الطوعية كما حصل للعائدين من مصر والأردن عندما خصصت الحكومة طائرات وعلى حسابها الخاص لإعادتهم مع مخصصات مالية تسلمها بعض العائدين بداية هذا العام، بينما أكد آخرون أنهم لم يتسلموا سوى مبلغ 200 ألف دينار عند هبوط الطائرة في مطار بغداد.

«أم ولاء»، من أهالي البصرة عادت إلى العراق قبل عامين بعد أن فرت وعائلتها إثر دخول القوات الأميركية إلى البلاد وكان زوجها أحد الضباط الكبار من منتسبي الجيش العراقي السابق وقد وجد ورقة ملفوفة على رصاصة أمام بيته وهي العلامة التي ألفها ضباط الجيش بعد وقوع الاحتلال تحذيرا لهم من أنهم على قائمة من سيكون في عداد الموتى ما لم يغادروا. وتؤكد أم ولاء أنها قررت العودة من إحدى دول الجوار بعدما وجدت أن الأوضاع قد استقرت في البلاد لكن زوجها ما زال يقيم في تلك البلاد ولم يعد مع أفراد عائلته. وتضيف: «قررت العودة بسبب صعوبة العيش في الخارج فلدينا خمسة أولاد جميعهم يحتاج إلى الدعم المالي لإكمال دراسته، وقد عدنا بالفعل ووجدنا بيتنا قد نهب بالكامل ولم نجد من يساعدنا وقد تسلمنا فقط مليون دينار (نحو 900 دولار) دعما من الحكومة». وأكدت أن «هذا المبلغ سرعان ما نفد أمام الاحتياجات الكثيرة للأبناء، وكان لزاما علينا أيضا التواصل مع زوجي». وتقول إن حياتهم غير مستقرة وتأمل في أن تعود إلى سابق عهدها، مشيرة إلى أن أهلها وأهل زوجها هم من يقومون بمساعدتهم ماديا ومعنويا لأن المعونات أو الوعود التي قطعتها الحكومة بتخصيص أراض ومبالغ شهرية لم تتسلم منها شيئا.

محسن جبار، 38 عاما، غادر بغداد مجبرا بعد تلقيه تهديدات كثيرة، خاصة أنه يسكن إحدى أكثر المناطق سخونة، ألا وهي منطقة الزعفرانية في جانب الرصافة ببغداد تاركا بيته بكامل أثاثه، ولم يتمكن إلا من حمل بعض ملابس عائلته التي تتكون من عمته وزوجته وأطفاله الاثنين. وقال محسن: «حدث ذلك في منتصف عام 2004 حينها لم أفكر مطلقا بالذهاب لأهلي القاطنين في محافظة قريبة، بل قررت السفر إلى سورية حيث بقيت فيها ما يقرب من ستة أشهر ثم السفر لبلد أوروبي والعودة لسورية». وأضاف محسن عن عودته للعراق، أن أغلب من يغادرون العراق «لديهم أسباب محددة وأهداف أيضا واضحة؛ فهناك من يريد النجاة بروحه والحفاظ على أرواح عائلته، وآخرون يريدون العمل، وآخرون الحصول على هجرة والعيش في الخارج بقية حياتهم». وأضاف أنه كان دوما يتابع الأوضاع العراقية بتفاصيلها كافة؛ الأمنية والسياسية والاقتصادية، وبعد مناقشات كثيرة مع العائلة، كان القرار هو المخاطرة بالعودة إلى بغداد مهما كانت النتائج، مضيفا: «عند عودتنا لم نجد الامتيازات نفسها التي كنا نسمعها من المسؤولين العراقيين فلم يطرق بابنا أحد ليقول لنا: ما الأضرار التي لحقت بكم؟ هل تريدون دعما لإعادة ترميم بيتكم الذي سكنته عائلة أخرى بشكل غير قانوني وتصرفت في أثاثنا وألحقت أضرارا كبيرة به ولم يتركوا البيت إلا بعد دفع مبلغ مالي كبير لهم؟ وهنا اضطررنا للسكن مع أبي لحين عودة الاستقرار وتمكني من تأمين مبلغ لإعادة ترتيب وضعي في البيت من أثاث وترميم وغيرها».

أما حامد النعيمي، 45 عاما، فكانت له وجهة نظر تختلف تماما عن محسن؛ فبين أنه ناضل طويلا للحصول على تأشيرة والإقامة في أستراليا، فهو اضطر للسفر من بغداد بسبب أعمال العنف التي شهدتها البلاد ، وتوجه للأردن، ومن ثم العمل هناك وتأمين تأشيرة إلى اليمن ومن هناك إلى ليبيا ومن ليبيا إلى إيطاليا، وأخيرا قبلته أستراليا، وكل هذا جرى بعيدا عن عائلته التي قال إنه أمنها عند ذويه في محافظة بابل لأنها أكثر أمانا من العاصمة، وبعد السفر إلى أستراليا تقدم لبرنامج يسمى «لم الشمل» فانضم إليه باقي أفراد عائلته المكونة من زوجة وابنتين وثلاثة أبناء. وأضاف النعيمي أن حادثا وقع في أستراليا جعله يفكر في العودة إلى العراق، وبين أنه أقنع الجميع بتحمل مدة إقامة قانونية لأجل الحصول على إقامة ثابتة بعدها عدنا لبغداد، ويقول بعد عودته للعراق: «عقبات كثيرة واجهتنا بعد العودة، فوجدنا أن أسعار العقارات في بغداد غالية جدا وتفوق حتى أسعار العقارات في أستراليا أو بلدان أوروبية، كما أن هناك مشكلة الحصول على عمل لائق يؤمن عائدا ماديا يمكنني من تأمين مستوى معيشي مناسب أو مماثل لما كنا نعيشه في أستراليا، لكن لم نستطع التأقلم، كما أن أبنائي يريدون العودة لأجل إكمال دراستهم في جامعات جيدة والحصول على تخصصات مميزة، وكل هذا يدفعني للعودة إلى أستراليا، وما يزيد اندفاعي هو أن الأوضاع في بلدي لم تصل لحد الاستقرار الكامل، فما زال يعيش حالة من التذبذب في كل المفاصل ويحتاج لوقت طويل قبل أن يقال إنه آمن».

من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة المهجرين والمهاجرين حيدر الموسوي أن الحكومة «سبق أن تبنت استراتيجية العودة الطوعية التي تشمل فئات المهجرين والمهاجرين والنازحين كافة، وتتم هذه الاستراتيجية عبر آليات كثيرة؛ تبدأ من دعمهم بالخارج، وتسهيل مهمة إعادتهم على حساب الحكومة، ووصولا إلى تأمين مناطقهم وإخلاء دورهم وإعطاء منح لترميمها وإعادتهم للوظائف وأبنائهم للمدارس ومنحهم قطع أراض، وفعلا تحقق كثير خلال السنتين الماضيتين. ولو نظرنا لآخر إحصائية، وهي المسجلة فقط في دوائر وزاراتنا المنتشرة في عموم مناطق العراق، لوجدنا استمرار عودة العائلات العراقية إلى أماكن سكنها الأصلية وفي جميع المحافظات، وأن أعداد العائدين المسجلين في الوزارة بلغت حتى 15 سبتمبر (أيلول) 75180 ألف عائلة؛ 8423 منها من النزوح الخارجي، و45035 من النزوح الداخلي، و1882 من الأسر المسفرة، و19822 من المهاجرين».

وبشأن العراقيين الذين ما زالوا يرغبون في البقاء بدول الجوار، بين الموسوي: «إننا يجب أن نفرق بين عراقي سافر للخارج لأجل العمل أو الهجرة واللجوء، وبين من هجر قسرا، ونحن نظمنا زيارات كثيرة لهذه الدول ووجدنا أن أعداد الفئة الأولى أقل بكثير مما تعلن عنه المنظمات العالمية. والأمر الثاني هو أن عدد المهجرين بينهم قليل؛ فقسم مقيم ولديه أعماله واستثماراته، وآخر سافر للعلاج، وآخر للسياحة. أما الذين لم يفكروا في الهجرة إلى بلد ثالث فقد عادوا وقدمنا لهم جميع أشكال المساعدة».

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter