القديس سيف الدين الجراح

 

حسن النواب

 

القديس

 

ممتلىء مثل خلية نحل

لكن دمه يباع في الشوارع

له الهدنة والوصايا

واول رصيف في البلاد

ملكٌ

وتاجه نحن .

قصيدة كتبتها عن سيف الدين الجراح عام 1991

 

رحل بصمت هذا الصعلوك القديس ، مجرد خبر صغير ظهر على العراقية يعلن عن غيابه بنوبة قلبية ، ولم استغرب عندما لم تُكتب بحقه كلمة رثاء حتى من اقرب اصدقائه اليه ، ومن يكتب عنه ؟؟ اذا كان جميع اترابه الصعاليك قد سبقوه الى منازل الجنة ، ولم يبق الا الغجري نصيف الناصري الذي ربما الآن يمارس عبثه مع سيدة سويدية على فراش القصيدة المدجج بالحرمان والشهوات المكبوتة ، ايا نصيف .. لقد رحل ابو الهوازن الذي كان يغدق بدمه وعسل قلبه علينا حتى نثمل  ونشبع ، ايا نصيف .. هل تذكر ابا هوازن يوم اخبرنا ذات ظهيرة في حانة البلور انه سمّى ابنته هوازن تيمننا بتلك القبيلة الجاهلية لأنها كانت آخر القبائل التي تدخل الإسلام ؟! وهل تذكر منزله الواسع بمنطقة زيونة ، حين يأخذنا بسيارته الهرمة لنقضي ماتبقى من الليل في جناحه الصعلوكي الذي اعده خصيصا للصعاليك وكيف كانت قصائدنا معلقة على جدار ذلك المشتمل الذي شهد خمرتنا وشعرنا وطعامنا الذي يحرص ان يقدمه لنا شهيا وساخنا .. اجل لقد غادرنا سيف الدين الجراح الذي كان يرى بعذاباتنا صورة البلاد بوجهها الحقيقي ويرى بتمردنا وعبثنا وشعرنا اجمل احلامه التي لم يتمكن من تدوينها على الورق ، وهو يعرف قبل ان يخبره احد انه كان كاتبا يهوى الأدب برغم ضلوعه بلغة الضاد ونحوها وصرفها ولم يتمكن من تحقيق منجز ابداعي يستحق الإنتباه لكنه كان يراهن علينا وهو بذلك كان يترجم بشكل واضح عن عسر قلمه امام جنونا الذي كان في اعلى فورته يوم ذاك ، ومن لا يعرف سيف الدين الجراح اقول : انه عقيد متقاعد في الهندسة العسكرية ، اخذ ذات يوم بيد شاعرنا القروي كزار حنتوش الى وحدة المساحة العسكرية التي تخلف عنها لشهور ، اذ كان كزار خريج معهد المساحة العالي وقد انخرط مجبرا بالجيش كما نحن ايام حربنا مع ايران وقد ذكر لي صديقي الحنتوش ان سيفا عندما دخل على آمر الوحدة العسكرية وكان برتبة رائد ، نهض من مكتبه وادى التحية للعقيد فأجابه الجراح قائلا : انت تؤدي التحية العسكرية لشخصي لأني اقدم منك رتبة وانا اؤدي التحية العسكرية لكزار لأنه اقدم مني عذابا وواحد من اهم الشعراء العراقيين ابداعا ، اجل هذا هو سيف الدين الجراح الذي تشهد له حانة البلور ونادلها المصري بطيبة قلبه الرؤوم وبسخائه وكرمه على الجميع ، ويوم كانت الحرب العراقية الإيرانية في اوج اشتعالها ، وكان الواحد منا يرتجف امام عريف ساذج في وحدته العسكرية ، كنا في ايام الإجازة نجلس مع العقيد في حانة البلور وتكاد الناس لاتصدق ان هؤلاء الصعاليك يرفعون صوتهم بالنقاش الأدبي على عقيد في الجيش العراقي ونحن مجرد جنود جاءوا بإجازة قصيرة وبعضنا كان هاربا من الجيش ، كان العقيد لا يترك الحانة مالم يصرف آخر دينار في جيبه علينا ، واذكر انه حدثني ذات ليلة عن واقعة طريفة وقعت للصعلوك الراحل سلمان السعدي ، حينما كان السعدي في وحدته العسكرية وقد جاء من ضمن الأدباء المعايشة الى جبهة الحرب ، يقول الجراح لقد كان معي بسيارتي العسكرية التي انطلقت بنا من بغداد وكنا خلال الطريق الى البصرة نتوقف في دار استراحة الضباط كلما رأينا احداها على الطريق ونشرب الجعة حتى وصلنا ثملين الى الوحدة العسكرية ، وحدث حينها ان معركة الفاو الأولى كانت مشتعلة ، فلم اجد فسحة من الوقت حتى اجد مناما للسعدي بسبب الفوضى الحاصلة في حينها وطلبت منه الرقاد بمكتبي حتى يحين الصباح ، وقد حذرته من شرب المزيد من الخمرة ، اذ جئت بزجاجة عرق معي  على امل ان نشربها في يوم قادم ، وانصرفت الى النوم بغرفتي ، بينما توسد السعدي احدى الأرائك وحرصت ان اجيء له بغطاء يقيه من البرد ، لما اطل الصباح لم اجد السعدي في المكتب ، وقلت ربما ذهب لقضاء حاجته ، وفجأة وصلت الى وحدتي العسكرية مجموعة من الجنود المتسربين عن المعركة بأمرة احدى لجان الإعدام لغرض التحقيق معهم ، ولما اعترضت على اختيار وحدتي العسكرية كمكان للتحقيق مع اولئك الجنود المرعوبين من الخوف ، اجابني الضابط المسؤول عنهم وكان برتبة عقيد ايضا ، انها اوامر آمر الفيلق  ، فلم اجبه بشيء وعدت الى مكتبي حانقا .. وماهي الا دقائق حتى تناهى لي صوت السعدي مستغيثا ولما خرجت فوجئت ان سلمان السعدي مقيد اليدين وقد وضع مع الجنود المتسربين من المعركة الذين كان ينتظرهم الإعدام دون شك .. هرعت اليه مستفهما وعرفت انه شرب زجاجة العرق بعد منامي وخرج يتجول في مدينة البصرة وقد تم القاء القبض عليه كجندي هارب من المعركة ، نظرت الى السعدي وقلت له هامسا : تستحق الموت لأنك شربت زجاجة العرق التي حذرتك من الإقتراب نحوها .. لتنقذك زجاجة العرق اذن .. وابتعدت عنه بخطوات حتى جاء صوته واخزا .. ابو الهوازن وهل تقبل ان اعدم بسبب زجاجة عرق ؟ فلم اتمالك نفسي وتبسمت له وطلبت من المسؤول ان يحرره من القيد لأنه احد الأدباء الذي جاء معايشة الى الجبهة . ويواصل العقيد حديثه قائلا : اما الجنود الذين تسربوا من المعركة فقد تم نقلهم الى مكان آخر بعد ان اتصلت بآمري وقلت له بصراحة : نحن وحدة عسكرية هندسية ولايصح ان تتحول الى مكان مشبوه للتحقيق مع جنود مساكين .. وهكذا اخذوا الجنود المتسربين والذين لا اعرف ماذا حل بهم بعد ذلك ؟

صحيح ان سيف الدين الجراح لم ينجز ما يلفت الإنتباه على ماكتبه بمجموعته القصصية المقاتل سين يتذكر ، وروايته التي كانت بعنوان حدق عميقا ياوطني ، لكنه كان قديسا من طراز خاص ، وصعلوك برتبة عسكرية رفيعة ، وكريما بشكل مثير ، واذكر انه ذات ليلة اخذني مع صديقي الشاعر عقيل علي الى جناحة المركون في بيته الشاسع وكانت ايام حصار لعينة اجبرت العقيد على بيع الكتب كل ظهيرة جمعة امام رواق مؤدي الى فندق الماس قرب شارع المتنبي ، ولما اكملنا سهرتنا شعرت ان الجراح يشعر بالقلق فسألته عن ذلك .. ظل صامتا لدقائق ثم اجاب .. اشعر بالخجل لأني لا املك من عشاء سوى بيضتين مسلوقتين لكما .. فقفزت عليه وقلت له وهل هناك اجمل من البيض المسلوق بهذا الحصار اللعين .. نحن بنعمة يحسدنا عليها الناس ، وحين افقنا صباحا .. ساورني القلق مع عقيل  لأن الجراح لم يحضر ويطرق الباب علينا ، ومضت ساعة ولا امل من قدومه ، حتى فتحت الباب واذا بالعقيد يحمل آنية تحتوي على القيمر مع ابريق من الشاي  والصمون الساخن .. وبعد ان وضعها على الطاولة وجلس على احد الكراسي .. زفر حسرته براحة تامة وقال : تناولا فطوركما واعتذر لأني تأخرت عليكما .. فقال له عقيل : نتمنى ان تكون امورك على مايرام ..

ضحك العقيد ودخن سيجارته بمتعة ثم قال : اتعرفان لقد خرجت مبكرا هذا الصباح للعمل بسيارتي الهرمة كسائق تاكسي وحالما حصلت على ثمن فطوركما من اول راكب عدت مسرعا الى البيت بعد ان اشتريت لكما الفطور مع العائلة .كادت دمعتي تسقط على ماعون القيمر … وكم اتمنى الآن العودة الى البلاد حتى ادع هذه الدمعة تسقط على قبرك الذي هو ماعون القيمر بدون شك

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter