الفشل او الموت خياران امام العدوان الصليبي على ليبيا

رفضت وزارة الخارجية الفرنسية السماح لفريق الخبراء الذي أعد تقريراً مهنياً محايدا عن ليبيا بعقد مؤتمره الصحافي في مركز استقبال الصحافة الأجنبية ‘كاب’ الذي تموله الوزارات الفرنسية.
هذا الأمر لم يمنع المجموعة التي قادها مدير المركز الفرنسي للأبحاث الاستخباراتية اريك دونيسه والمدير السابق لمكافحة التجسس الفرنسي ايف بونيه من عقد مؤتمرهم والحصول على تغطية واسعة في أجهزة الإعلام العربية والعالمية، لملاحظاتهم الميدانية وتوقعاتهم لمستقبل هذا البلد الذي يرونه ‘غامضاً’ بعد شهر من تقييم ملموس على الأرض الليبية ولقاءات مع شهود عيان من بنغازي وطرابلس وكامل الأرض الليبية.
تزامن عرض هذا التقرير الذي أبرز خطر هيمنة التطرف الديني، بل ‘القاعدة’ على ليبيا مع تصريحات رئيس أركان البحرية الفرنسية الأميرال بيير فرانسوا فرواسيي الذي كان قد أعلن عن ضرورة عودة حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول الى المياه الاقليمية، لأن بقاءها حتى نهاية 2011 في شواطئ ليبيا سيؤدي الى تعطيلها عاماً كاملاً لضرورة الصيانة.
وسبق ذلك إعلان النرويج عن وقف عملياتها العسكرية في إطار الأطلسي ضد ليبيا في أول آب/أغسطس المقبل، وما تلاه من تصريحات لوزير الدفاع الامريكي بول غيتس في التاسع من حزيران/يونيو الذي قال فيه إن عدداً كبيراً من أعضاء الحلف لا يساهم فعلياً في الأعباء المادية ليس لانعدام الإرادة السياسية، وإنما لعدم توفر الوسائل العسكرية الكافية.
ويشير التقرير الى أن الولايات المتحدة الامريكية تملك مصلحة قصوى في السيطرة على ليبيا وتحويلها الى بلد تابع لها. وأنه على الرغم من ضعف نسبة الإنتاج النفطي فيه، الذي يمثل 2 بالمئة من الانتاج العالمي فقط ، غير أن ليبيا تزخر باحتياطات كبيرة من المحروقات عالية الجودة وسهلة الاستخراج.
كذلك تريد واشنطن الانتقام من القذافي شخصياً، وهو الذي رفض عام 2008 الانضمام الى الحلف العسكري الامريكي الافريقي الذي أسسه البنتاغون لمكافحة الإرهاب في القارة الافريقية، وكذلك التوغل الصيني في القارة السوداء. وكان معمر القذافي قد عارض هذا الحلف ورأى فيه ‘خطوة امبريالية هدفها شراء افريقيا بأكملها’.
ويضيف التقرير أن الهدف الحقيقي من العملية العسكرية في ليبيا ليس فقط للاستيلاء على النفط أو الانتقام من القذافي، وإنما مقاومة التوغل الصيني في افريقيا حيث تسعى بكين الى زيادة مواردها من الطاقة.
وكانت الصين قد رحَّلت ثلاثين ألف عامل صيني من شرق ليبيا وفقدت مئات الملايين من الدولارات حتى الآن من استثماراتها في ليبيا، وباتت تنظر الى هذا التدخل بقيادة الأطلسي كعمل موجه ضد مصالحها الحيوية. معلوم ان الصين كانت عام 2009 اكبر شريك تجاري لافريقيا ويتوقع المراقبون نمواً للقارة الافريقية أسرع من أي منطقة أخرى في العالم في خلال السنوات الخمس المقبلة.
وهذا ما دفع وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون الى التنبيه من ‘استعمار’ صيني للقارة امام مؤتمر في لوساكا عاصمة زامبيا، ما جسَّد المنافسة الامريكية ـ الصينية على القارة التي تتزايد فيها الفرص الاقتصادية.
أما فرنسا التي كانت سباقة في توجيه ضربات عسكرية يوم 19 آذار/مارس ضد مواقع ليبية متباهية بتطبيق قرارات الأمم المتحدة التي سعت الى استصدارها بهدف ماسمي بحماية المدنيين في بنغازي على وجه الخصوص، فيشير التقرير الى خطورة هذا الحماس الفرنسي وتبعاته الدعائية، حيث أنه يخدم مصالح واشنطن أولاً وأخيراً. فقد تركت الولايات المتحدة الامريكية للرئيس نيكولا ساركوزي مرتبة الصدارة في قيادة العملية ضد ليبيا، وبات اسمه شعبياً يهتف له في بنغازي، لكنه مكروه ومرفوض في جميع البلاد من عامة الشعب.
ويخشى مُعِدّو التقرير من تحمل فرنسا المسؤولية وحدها في حال فشل الغزو الصليبي في تحقيق اهدافه، أو في حال تم تقسيم البلاد، فلن يكون باستطاعة باريس بعد الآن لعب دور الوسيط بين الفرقاء، في حين سلك الرئيس الامريكي اوباما موقفاً اكثر رصانة برأي التقرير.
ويستخلص التقرير ان القوى الغربية قامت بمغامرة كبيرة في ليبيا وأن ما كان من المفترض ان يصبح نصراً سهل المنال بات عملية نصف فاشلة يخفيها الإعلام العالمي، ولم يبق أمام القوات الغربية سوى خيارين: 
إما الانسحاب والاعتراف بالفشل، أو التوغل أكثر فأكثر في خِضّم النزاع وإرسال قوات بشرية على الأرض.
باختصار ان التدخل الغربي في ليبيا تسبب في مزيد من المشاكل والعقبات وساهم في خلق بؤر تطرف ديني، بل إرهابي سينتشر في شمال افريقيا وبلدان الساحل ومنطقة الشرق الاوسط. وسط هذا السيناريو القاتم الذي توقعه كل مفكر نزيه او قارئ للتاريخ العربي او العالمي الا يحق للقذافي ان يقضي وقته بلعب الشطرنج وفي الشطرنج كلمتي ايشيك ومات!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter