العرب وعصرهم.. ضرورة الخروج من الغربتين

د. عمر الحامدي
القسم الاول

تندرج هذه المداخلة في إطار الحوار الذي يستدعيه الموضوع الذي اختارته مكتبة الإسكندريةبعنوان ( عالم يتشكل من جديد .. أين دور العرب ؟) والنقاش لا شك سينطلق من المحددات الأساسية لهذا الموضوع أي عن العالم ، والعرب في زمن يعاد فيه تشكيل أي إعادة بناء أو أنتاج هذا العالم وأي دور سيكون للعرب، لذلك فان هذه المداخلة ستتمحور حول الأفكار التالية : أولا هذا العالم ما كنهه ؟
عالم متغرب يستقوي بالقوة ، يتقلب ولا يتغير.
عالم يستحوذ بالعلم على الأرض والفضاء.
عالم متعولم ينفتح على صراع الأقطاب.
ثانيا العرب وعصرهم :
العرب فقدوا مصيرهم منذ ألف سنة .
العرب خذلهم عصر القوميات وتتحداهم العولمة.
العرب في مواجهة التحالف الإمبريالي الصهيوني .
ثالثا دور العرب و ضرورة الخروج من الغربتين.
الخروج من الغربة الذاتية : التقدم بمعيار حضارتهم .
الخروج من الغربة الموضوعية : التقدم بمعيار العصر .
المصير العربي بين الوحدة أو الطوفان .
أولا هذا العالم ما كنهه ؟!
إن المقصود بكلمه عالم في هذا الشأن هو الكون أو المعمورة وهو مصطلح لغوي وصفي وليس مصطلح سياسي أيدلوجي لذلك يأتي توصيفه من خلال المحتوى الذي يتوفر عليه والصفة الغالبة عليه وما قاد إليه ذلك المضمون من تجليات ومعروف اليوم انه منذ صعود الحضارة الغربية منذ خمسة قرون حصلت عدة مفارقات وتطورات قادت إلى ان يحكم الأوروبيون السيطرة على تاريخ العالم وثقافته ومقدراته السياسية والاقتصادية عن طريق توظيف الثقافة والعلم والسلاح في اخطر تحول استراتيجي عرفه العالم حتى ألان .
حيث استلهم المفكرون الأوروبيون في إطار تزوير منهجي أيدلوجي نسبا للحضارة الأوروبية مع الحضارة اليونانية والإمبراطورية الرومانية وقطعوا الحبل السري مع الحضارة العربية الإسلامية التي كان لها فضل الكشف عن الحضارة اليونانية وتقدمها ومحاورتها ونقدها حتى عرف الأوروبيون ونهلوا العلم والمعرفة من خلال الحضارة العربية وتمكنوا بعد ذلك من تجاوزها ، والتنكر لها ، وتم تجاهل كل الحضارات الأخرى في الصين والهند وعملوا ما وسعهم الأمر من خلال مسارات تقدمهم العلمي والسياسي باجتياح العالم عن طريق القوة وثقافة نفي الأخر وقد مارست أوربا من خلال قرون تقدمها الحضاري شن حروب الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والنمساوية ثم تلتها الألمانية والفرنسية والإيطالية وبعد ذلك تعممت هذه الحروب الهمجية في إطار استعمار العالم والاستحواذ عليه وعلى خيراته .
باختصار فان هذا العالم الذي نعيشه محكوم بقوة وثقافة الغرب الذي كان أوروبيا ثم أصبح غربيا (أوروبيا – أمريكيا ) وانطلاقا مما تم تكريسه منذ القرن التاسع عشر حتى ألان من خلال تلك الثقافة وما أنتجته من قوة وظفت لاستملاك العالم واستعباد الشعوب .
عالم متغرب يستقوى بالقوة ، يتقلب ولم يتغير
لا شك إننا مطالبون لأكثر من اعتبار من أن نرى هذا العالم من مختلف الجوانب ذلك ان هذا العالم الذي أصبح أوروبيا – غربيا ، بقضائه على الثقافات والحضارات الأخرى وتجاوزها وفرض منظوراته مؤكدا على الجوانب المادية في الحياة البشرية وغير مكترث بتلك القيم الإنسانية التي تعتز بها ثقافات الأمم الأخرى خاصة في الشرق والشرق العربي الإسلامي رغم فرض القيم الفردية والنفعية وان الحقوق هي ما تجعله القوة كذلك وبالتالي أطلق العنان لتوظيف القوة في بناء المجتمعات .
ذلك لا ينبغي ان يقلل من ان هذه الحضارة المادية العنيفة التي أنتجت لمصلحة شعوبها صيغ ومناهج وأساليب مكنت شعوبها من ان تعيش في إطار من القانون والمواطنة والديمقراطية ، لكن رغم أهمية ذلك وما قدم به من صيغ الإبهار والدعاية فأنها إنجازات ومكتسبات لشعوبهم ، وليس لشعوب العالم وان وظفت في إطار الغزو الفكري للرأسمالية الليبرالية على أساس انه الإنتاج المشاع الحضاري لجميع الشعوب

وباختصار فان هذا الغرب الذي نجح في اجتراح تقدم علمي هائل وفرض خط من القيم وأسلوب الحياة يراه الأوحد والاخلد والاقوم وانه صار كونيا وعالميا فقرر فرضه على شعوب العالم باعتبار هذه الثقافة الغربية هي ثقافة عالمية وبالتالي فان الرأسمالية الممثلة باقتصاد السوق والديمقراطية الليبرالية هي النموذج الذي ينبغي ان تحتذي به شعوب العالم ولكن من خلال ما مر بالعالم من حروب ومآسي حاولت من خلالها حضارة الغرب فرض نموذجها بالقوة ، تبين بما لا يدع مجالا للشك ، انه رغم كل ما شهده العالم من تطورات فهي لا تزيد عن تقلب هذه الأوضاع العالمية كما رأينا خلال القرون الماضية ، لكن في العمق لم يتغير ، ولكنه يعيد إنتاج ذات الأوضاع إذن فالعالم بعد يتقلب ولم يتغير .
عالم يستحوذ بالعلم والقوة على الأرض والفضاء
إذا كان هذا العالم الذي تسكن فيه أمم وشعوب مختلفة تمكنت فيه شعوب الغرب ان تحوز قصب السبق بالعلوم وتطبيقاتها منذ عدة قرون وان تنجز من خلال ذلك تقدما مضطردا وان توظف معه ثقافة سبق الإشارة إلى أنها تقوم على أساس من ان القوة مصدرا للحقوق ونكران الأخر وقد حفر ذلك أخدودا في التاريخ البشري شكلته الحروب المتعاقبة ومسلك العنف المتواتر الذي وصم حضارة الغرب التي تمكنت من خلال ذلك من تحقيق إنجازات باهرة وتقدم مذهل على مختلف المستويات لخدمة شعوبها وان كان ذلك على حساب شعوب العالم ، بما أفرزته تلك الثقافة التي صاغها التوجه المادي وعنصر القوة مصدرا للحقوق وعدم اكتراث بحقوق الشعوب الأخرى من إعطاء أوربا ومن بعدها الغرب بكامله حق الغزو الاستعماري باسم تمدين الشعوب الأخرى كما جرى في القرون الماضية أو باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان كما يجري الآن ومثال العراق وأفغانستان نموذج صارخ لحضارة القوة والعنف، الرأسمالية المتوحشة .
لكن الخطير أن هذه الحضارة التي وظفت العلم والتقنية طبقا لثقافتها أفسدت البيئة ولوثت المناخ الأمر الذي عرض حياة البشر للخطر من مثل مشاكل الأوزون وسباق التسلح والأسلحة الذرية ومحاولة السيطرة على الفضاء والكواكب بدون ترٍو أو تحوط لمصير العالم .
إذن حضارة الغرب قصارى ما تستهدفه هو تذليل كل شيء لخدمة مصالح شعوبها ولا يهم أن يكون في ذلك ضررا للشعوب الأخرى بل وحضارة الإنسان , وسباق التسلح ومحاولة السيطرة على الفضاء وتلوث البيئة يعطي الدليل على الاستهتار بمصالح البشرية.
ما أحرى شعوبنا أن نتنبه إلى خطورة هذه الحضارة التي تعتمد القوة وتسخير العالم ولا يحدها في سبيل خدمة مصالحها ولو كان ذلك دمار شامل كما رأينا في الحربين العالميتين الأولي والثانية وما تعرضت له اليابان من دمار ذري, وما تعرضت له العراق منذ سنوات خلت .
عالم متعولم ينفتح على صراع الأقطاب
إن هذا العالم الذي أطرته الحضارة الغربية لأكثر من قرنين في إطار ثقافة القوة وتسخير العلوم والتقنية للسيطرة على مقدرات الشعوب وقد أنتج ذلك التوجه نموذجا للحكم على الصعيد الداخلي على أساس الديمقراطية الليبرالية وتصوراً للتنظيم والعلاقات على الصعيد الدولي وهو ما أنتج بعد الحرب العالمية الأولى ( تنظيم عصبة الأمم ) وما بعد الحرب الثانية ( هيئة الأمم المتحدة ) وان كان ذلك لم يستقر بعد على هيئة نظام متكامل لأنه لم يزل تتجاذبه عوامل القوة والعنف أو القانون الدولي حسب المراحل التي يمر بها المجتمع الدولي وعلى الرغم من التوجهات العالمية وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس ( هيئة الأمم المتحدة ) وما صاحبها من سياسات وبرامج دولية مثل اليونسكو ومنظمة العمل والزراعة الخ ، إلا أن ذلك على الرغم من أهميته لم يجّدد أوضاع المجتمع الدولي من جراء هيمنة الثقافة الغربية التي تفرض التغريب والاستلاب ونمذجة العالم طبقا لمحددات النموذج الغربي وإعطائه مظهرا عالميا ، لكن سرعان ما أدت تطورات نهاية العقد الرابع من القرن العشرين إلى نشوب الحرب الباردة بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية فانقسم العالم إلى معسكرين شرقي ماركسي وغربي رأسمالي وبالتالي انعكس ذلك على أوضاع النظام العالمي الذي لم يعرف الاستقرار أو الانتظام وسرعان ما تحركت دول العالم الثالث من خلال تأسيس حركة عدم الانحياز في محاولة لإعادة تأسيس المجتمع الدولي على أسس من العدالة والسلام وقد شهدت العقود الأربعة التالية للحرب العالمية الثانية صراعات شاملة بين المعسكرين أيدلوجيا وسياسيا واقتصاديا , وكان من بين تلك الإحداث زرع الكيان الصهيوني عام 1948 وتفجر الثورة الشعبية في الصين عام 1949 والحرب الكورية عام 1953 ,والحرب الصهيونية الإمبريالية عام 1967 , وحروب التحرير في أفريقيا واسيا وأمريكيا اللاتينية , وكان وغير مباشرة على الصعيد العسكري في إطار حروب جهوية أو حروب بالنيابة وقد أسفرت هذه المرحلة مع نهاية الثمانينات عن تداعيات خطيرة شهدت حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين ، حتى ظن الغرب ان تلك هي نهاية التاريخ والانتصار الحاسم للرأسمالية والليبرالية .
ومع نهاية العقد التاسع كانت الشواهد تؤشر نحو إعادة صياغة النظام العالمي نحو تعدد الأقطاب ( الاتحاد الأوربي ، الاتحاد الروسي ، الصين ، الهند ، البرازيل ) فضلا عن الولايات المتحدة واليابان ) وهكذا جاءت أحداث 11/9/2001 لتجد فيها الولايات المتحدة الأمريكية ضالتها المنشودة وذريعتها المواتية ، لتعلن الحرب على الإرهاب وليكون شعار حلف شمال الأطلسي الجديد ، إن الخط الاستراتيجي لم يعد شرق وغرب برلين ، بل شمال وجنوب روما ، لذلك كانت الحرب الأمريكية بغزو العراق 2003 وأفغانستان ، هي بالمنظور الاستراتيجي في غرب ووسط أسيا – التي كانت دائما واسطة العقد في الحروب الاستعمارية ، و بذلك تمكنت الولايات المتحدة بان تضمن لنفسها حجز فترة أخرى كقطب وحيد تمكن في لحظة فاصلة من أن يسد الطريق أمام منافسيه من الأقطاب القائمة كالاتحاد الأوربي واليابان والبازغة كالاتحاد الروسي والصين والهند والبرازيل .
لكن رغم ذلك فان الحرب على الإرهاب زادت من أعباء الولايات المتحدة ومن نقمة الشعوب ومقاومتها التاريخية ، وما يجري في العراق وأفغانستان خير دليل , ثم زادت الأزمة المالية الطين بلهّ لتربك النظام الأمريكي والغرب عموما , واليوم يواجه العالم أزمات تربك الأوضاع الدولية وقد ثبت جليا ان ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد صالحة سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي وقد أثبتت القمم التي عقدت خلال السنوات الأخيرة سواء على مستوى مجموعة الدول الصناعية الكبرى التي كانت ثمانية فأصبحت عشرين بعد الأزمة المالية الطاحنة أو على مستوى اجتماعات هيئة الأمم المتحدة ، ونذكر بالخطاب الهام الذي وجهه قائد الثورة الليبي معمر القذافي في سبتمبر 2009 أمام اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بحضور رؤساء الدول والذي فضح فيه النظام الدولي وان الأمم المتحدة قائمة على أساس غير ديمقراطي وأنها لا تزال تسير بالمجموعة التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية .
هكذا إذن النظام العالمي غير مستقر ، يتقلب ولم يتغير وهو خلال العشرين سنة الماضية يعاني من الحروب والتمزق وهو مخاض عسير لتجاوز احتكار القطبية الأحادية وضرورة الانفتاح نحو عالم متعدد الأقطاب وبالتالي الاعتراف بتعدد الحضارات وخلق نسق دولي يخدم ثقافات الشعوب ويعترف بدمقرطة النظام الدولي وخلق فرص حقيقية للسلام .
ثانيا : العرب وعصرهم :
يعيش العرب وضعا مركبا وصعبا فهم امة تناثرت وحدتها ، فخضعوا للاستعمار وعندما تحصلوا على استقلالهم واجهوا أوضاعا شديدة التعقيد ، امة مقسمة ، تعيش حالة تخلف مزرية وتتوزعها دول متعددة خلقت مجالا للتنافس الاتلافي في أسوأ صوره ، تبديد الثروات وسوء استخدامها وخلق المحاور وارتماء معظم دول المجموعة في أحضان المستعمر وقد زاد ذلك الأوضاع تفاقما ، مكنت العدو الصهيوني من التوسع وأنهار التضامن القومي واحتربت الأنظمة ، واحتلت العراق بعد فلسطين ، ذلك وغيره صورة تقريبية للأوضاع المأساوية التي تواجهها الآمة العربية وهي تعايش عصرا سمته التقدم العلمي والصناعي والقوة وترتيب العلاقات الدولية على أساس الكيانات القومية .
العرب فقدوا سيادتهم منذ ألف سنة
عندما يتم الحديث عن العرب وعصرهم الذي تشير الدلائل على انه بصدد إعادة التشكل لا بد من الوقوف عند بعض المحددات:
– العرب كأمة وكيان سياسي. – العرب يعيشون وضعا مركبا وخطيرا. – العرب يواجهون تحديات مركبة.
لذلك ينبغي أن نأخذ بالحسبان إننا نتحدث عن امة عظيمة كان لها دور فاعل في الحضارة الإنسانية حملت رسالة الإسلام إلى الشرق والغرب وأقامت إمبراطورية من الصين إلى حدود فرنسا ، لكن ذلك التاريخ انقضى وتراجعت أحوال العرب وانقسمت دولتهم حتى طمع فيهم جيرانهم وتم سلبهم ذلك الميراث العظيم بانتقال الخلافة إلى الأتراك العثمانيين الذي احتلوا معظم الأقطار العربية وحكموها لمدة أربعة قرون ساد خلالها التخلف في حين تقدمت أوربا وخلقت أوضاع دولية قادت إلى الاستعمار والقضاء على الخلافة العثمانية ثم احتلال البلدان العربية وتقسيمها بين الدول الاستعمارية وعندما نتحدث عن العرب في هذا العصر فان الأمر يتطلب التطرق إلى عدد من القضايا ومنها :
– العرب فقدوا مصيرهم منذ ألف سنة .
– العرب خذلهم عصر القوميات وتتحداهم العولمة.
– العرب في مواجهة التحالف الإمبريالي الصهيوني .
العرب فقدوا مصيرهم منذ ألف سنة
إن أوضاع العرب اليوم لا يمكن فهمها بدون العودة إلى التاريخ والتوقف عند المرحلة شديدة التأثير في حاضرهم وهي فقدهم للاستقلال إن هذه العودة للتاريخ ليس للبكاء على الأطلال ولكنه تأكيد للتأسيس انطلاقا من المرحلة التي شكلت انهيارا حقيقيا للكيان العربي وما آل إليه ذلك من أوضاع ثقافية وسياسية واقتصادية حيث تفككت عرى الإقليم وتحطمت سلطته وضاعت سيادته حتى انه خضع لحكم الأتراك وهم وقتئذ جزء من الإمبراطورية العربية فانقلبت الأوضاع وساد الأتراك العثمانيون حتى أنهم قضوا على الشخصية العربية ومنعوا استخدام اللغة العربية ، وفرضوا الضرائب الباهظة فانهارت أوضاع العرب وسادهم التخلف من فقر وجهل ومرض لعدة قرون ، وقد قاد ذلك إلى تمكن الاستعمار الأوربي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إلى استعمار الوطن العربي وتقسيمه طبقا (لاتفاق سايكس بيكو عام 1916 ) حيث زادت الأوضاع سوءا وترديا وتفشت مختلف محاولات التغريب والاختراق الثقافي .
وقد دفع العرب ثمنا باهظا في مواجهة الاستعمار العالمي على مستوى الأرواح والإمكانات ، لكن الأخطر هو تدني مستوى الوعي بالوجود القومي حيث واجهت كل منطقة المستعمر الذي هاجمها ، وحين أمكن الحصول على الاستقلال ، نبتت أوضاع جديدة حيث اعتبرت الحدود التي فرضها الاستعمار بقوة السلاح هي حدود للدول المستقلة حديثة التكوين وأقصى ما تمكن العرب من مواجهة ذلك الواقع هو تأسيس الجامعة العربية عام 1945 التي لم تكن على مستوى الشكل أو المضمون مجسدة للوحدة القومية ، وهكذا تكرست الدول القطرية لتحفر في الجسم العربي حدودا غائرة هي ما نراه اليوم من تجزئة وتخلف واحتلال كترجمة حقيقة لفقد العرب لمصيرهم منذ ألف عام .
العرب خذلهم عصر القوميات وتتحداهم العولمة
كما سبق الإشارة فان العرب فقدوا مصيرهم منذ ألف سنة خضعوا خلالها لحكم غيرهم ، وعندما ظهر عصر القوميات واتفقت الدول الغربية على إعادة بناء الوضع الدولي على أساس الدولة القومية ( لكل امة دولة ) فان العرب لم يستفيدوا من ذلك المناخ لأنهم كانوا فاقدي السيادة محكومين من غيرهم وعلى الرغم مما بذلوه من تضحيات طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين ، جوبهت محاولاتهم بالرفض والقمع وقد خضعوا إلى خديعة تاريخية عندما تواصلت بريطانيا مع شريف مكة وأقنعته بالتحالف معها في حربها ضد تركيا ، توظيفا لما تعرفه من توق لدى العرب للاستقلال الذين قاموا بعدة ثورات في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي وللأسف خانت بريطانيا تعهداتها لشريف مكة وتواطأت مع فرنسا لتقسيم الوطن العربي طبقا لاتفاقيات ( سايكس بيكو عام 1916)، وقد خضع العرب لاستعمار مقيت شاركت فيه معظم الدول الاستعمارية (بريطانيا – فرنسا – أسبانيا – ايطاليا).
وعلى الرغم من الكفاح الذي خاضه العرب ضد الاستعمار وتمكنهم بين الحربيين العالميتين الحصول على الاستقلال وقيام الجامعة العربية عام 1945 ، إلا ان مسألة التوحيد القومي جابهت ( فيتو/ غربي ) وتخاذل عربي سرعان ما تكرس ضمن دول التجزئة ، وعلى الرغم من تحقيق أول وحدة عربية في العصر الحديث في 22/2/1958 إلا انه سرعان ما تم القضاء عليها بالانفصال عام 1961 ، وسارت أمور العرب من ذلك الوقت في اتجاه غير وحدوي تسبب فيما هم فيه اليوم من محنة وتشردم.
وقد تراجعت الأوضاع العربية حدا احتربت فيه الكيانات السياسية كما حصل بين العراق والكويت ، ومشاركة أكثر من دولة عربية مع الغرب في حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت ضد العراق.
ومع بزوغ عصر العولمة بكل تحدياته العلمية والسياسية والاقتصادية والذي فرض أوضاعا جديدة لم تعد تقوي على التعامل معها سوي الكيانات الكبرى والفضاءات القارية ، وللأسف فان عصر العولمة يتحدى العرب ليس في إطار المصالح وإنما يتحدى الوجود ذاته لما أحدثته العولمة من اختراقات وتواصل غير معهود وبالتالي زعزعة ما تبقى من رصيد ثقافي وتكوين اجتماعي وطموح سياسي ونرى اليوم الدول العربية تحاول جاهدة ربط العلاقات بالدول الكبرى وللأسف تتخلى على عنصر القوة الذي يمكنها من بناء القوة القومية وهو ما سوف يعطيها المكانة والعلاقات الدولية المفيدة والمتوازنة .
إن ما تشهده فلسطين والعراق والصومال والسودان ولبنان يوضح مخاطر التجزئة والهيمنة والتحدي الإمبريالي الصهيوني .
لا شك إن للعولمة جوانب ايجابية يمكن للعرب الاستفادة منها ولكن عندما يرتفع وعيهم وتتمكن أرادتهم من صنع الوحدة وبناء دولتهم القومية .
وباختصار فالعرب الذين خانهم الحظ خلال عصر القوميات يواجهون اليوم ومباشرة تحدي العولمة الذي سيكون ماحقا ما لم يعمل العرب العقل ويجردوا أرادتهم القومية في معركة الوحدة والتحرير من اجل الحفاظ على وجودهم وإدراك التقدم وبناء الدولة القومية .

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter